في ذكرى وفاة الغزالي: كيف تكون عدوًا للاستبداد

للاستبداد، طبائعه التي لا تخفى على دارس، وله أسبابه المتعددة الدينية والثقافية والاجتماعية والسياسية الداخلية والخارجية على حد سواء، التي تنتج نتائج وخيمة على الاجتماع الإنساني الذي يبتلى بهذا الداء العضال. ومن أبرز تجليات الاستبداد الظلامية-وهو كله ظلام-، ما نراه من تردي أخلاق المجتمعات التي يحكمها المستبدون، حيث تتعرض منظومة مجتمع المستبدين لضربات موجعة تصيبها في مقتل، فتنحل معظم أخلاق المجتمع وتنقلب إلى الضد تماماً من حقيقتها، فيصير الشجاع جباناً، والكريم بخيلاً، ويزهد في العلم، وينتشر الجهل، كما أبدع الكواكبي وأجاد في وصفه “طبائع الاستبداد”، وما حال أمتنا العربية-اليوم- إلا خير شاهد على آثار الاستبداد الوخيمة على المجتمعات وأخلاقها.

وفي هذه اللحظات الحرجة، التي تعيشها أمتنا بعد بزوغ فجر الثورات العربية، الذي ما لبث أن انقلب ظلاماً-لأسباب لا مجال لها هنا-ومحاولة الاستبداد الأسود أن يجلب على مجتمعاتنا العربية بخيله ورَجِله؛ في الداخل والخارج، ليقتل في الأمة: كل أمل في غد، وكل حلم بحق في حياة حرة كريمة. فإن واجب كل جاد في إصلاح الأمة، أن يفتش عن القيم والأفكار والشخصيات التي عالجت أمراض الاستبداد في أمتنا، لنذكر الأجيال الطالعة أن ليل الاستبداد مهما طال، فهو في عمر الأمم قصير، وأننا قادرون-بعون الله وبالعمل الجاد والثقافة السليمة على اجتثاثه من جذوره التي التي ضربت بأطنابها في عمق مجتمعاتنا.

http://gty.im/170334665

وشيخنا محمد الغزالي، الذي تمر اليوم (9مارس 1996م/ 20شوال 1416هـ)، ذكرى وفاته الحادية والعشرين، يعد من أكثر علمائنا الذين حاربوا الاستبداد قولاً وعملاً في القرن الماضي. فقد كانت كتاباته وحياته-رحمه الله تقض “مضاجع البغاة، وتبعث فى وجوههم بصيحة تحذير ترد كيدهم فى نحورهم، وتبصر الضحايا الغافلين بعواقب تراخيهم وكسلهم”.

وهذا المقال، يحاول الوقوف عند قضية الاستبداد السياسي وكيف عالجها عالمنا الكبير-رحمه الله-.

الغزالي:سيرة مختصرة

ولد، محمد الغزالي السقا، في قرية نكلا العنب، ايتاي البارود، محافظة البحيرة بمصر في (5 ذي الحجة 1335هـ/ 22سبتمبر 1917م). ونشأ في أسرة “متدينة، وأتم حفظ القرآن بكتّاب القرية في العاشرة، ثم التحق بمعهد الإسكندرية الديني الابتدائي، وظل بالمعهد حتى حصل منه على شهادة الكفاءة ثم الشهادة الثانوية الأزهرية، ثم انتقل بعد ذلك إلى القاهرة سنة (1356هـ الموافق 1937م) والتحق بكلية أصول الدين بالأزهر، وانضم خلال هذه الفترة لجماعة الإخوان المسلمين، حتى تخرّج بعد أربع سنوات في سنة (1360هـ الموافق 1941م)، وتخصص بعدها في الدعوة والإرشاد حتى حصل على درجة العالمية سنة (1362هـ الموافق 1943م) وعمره ست وعشرون سنة. وبدأت بعدها رحلته في الدعوة من خلال مساجد القاهرة.وعمل في وزارة الأوقاف، وتدرّج في الوظائف حتى صار مفتشًا في المساجد، ثم واعظًا بالأزهر ثم وكيلاً لقسم المساجد، ثم مديرًا للمساجد، ثم مديرًا للتدريب فمديرًا للدعوة والإرشاد.

حتى خرج من مصر إلى السعودية في النصف الثاني من سبعينيات القرن الماضي، بعد خلافه مع الرئيس السادات، حيث عمل أستاذًا في جامعة أم القرى بمكة المكرمة، ومنها انتقل إلى قطر، أستاذاً في كلية الشريعة، ثم رحل إلى الجزائر عام 1984م بطلب من رئيسها في هذا الوقت الشاذلي بن جديد، للتدريس في جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية بقسنطينة، حتى تسعينات القرن العشرين، ليعود بعدها إلى القاهرة، حتى وفاته رحمه الله في الرياض بالمملكة السعودية ودفن بالبقيع كما كان تمنى في مثل هذا اليوم من عام 1996م.

الغزالي عدو الاستبداد:

عاش الغزالي عمره كله، يحارب الاستبداد، باسم الإسلام بكل ما لديه من طاقة، طوال عمره المبارك. ويعلم الناس، ما يفعله الاستبداد بأنفسهم ومجتمعاتهم. ولهذا، كان كتابه الشهير “الإسلام والاستبداد السياسي” من أوائل كتبه، ثم كتب “الفساد السياسي في المجتمعات المسلمة”، وقلما يخلو كتابًا من كتبه من ذكر الاستبداد ومساوئه ومخازيه، وما يجره على الأمم من البلاء والخراب في كل جوانب حياتها.

فقد اعتبر الشيخ، الاستبداد عدو الإنسانية المؤمنة، “فلا حرية حيث يكون هناك استبداد سياسي، ولا دين حيث يكون هناك استبداد سياسي، ولا حضارة حيث يكون هناك استبداد سياسي”، بل سمى الاستبداد “طاعوناً”، ورآه: “تهديماً للدين وتخريباً للدنيا، فهو بلاء يصيب الإيمان والعمران جميعاً”.

ما تعلمه المسلمون من دينهم

أرسى رسول الله-صلى الله عليه وسلم-، بين المؤمنين دعائم الحكم الراشد، وفق منهج القرآن المجيد. وترك للعالمين صورة مجتمع حر، له مجلس شواره دائم الانعقاد، ويحضره كل من عقل من المسلمين. ويأخذ الضعيف فيه الحق من القوي غير متعتع، ولا فضل فيه لعربي على أعجمي، ولا لأبيض على أحمر، إلا بالتقوى، فلا مكان للفساد أو الاستبداد السياسي فيه.

ولهذا يكتب الغزالي، مؤكداً، أن المسلمين تعلموا من دينهم أن “الحكام-ملوكاً كانوا أم رؤساء-أُجراء لدى شعوبهم، يرعون مصالحها الدينية والدنيوية، ووجودهم مستمد من هذه الرعاية المفروضة، ومن رضا السواد الأعظم بها، وليس لأحد أن يفرض نفسه على الأمة كرهاً، أو يسوس أمورها استبداداً. وأن “الشورى أساس الحكم، ولكل شعب أن يختار أسلوب تحقيقها، وأشرف الأساليب ما تمخض لله، وابتعد عن الرياء والمكاثرة والغش وحب الدنيا”.

ضدان لا يلتقيان

ومن هذه الرؤية الصافية لطبيعة الاجتماع السياسي الإسلامي، المنطلق من الإنسان العابد لله وحده، الحر الكريم، تناول الغزالي قضية علاقة الإسلام بالاستبداد، وما روجه كثير من الغافلين والمبطلين من تسويغه للاستبداد تحت دعاوى زائفة كثيرة، مبيناً أن في هذا افتراء على الله ودينه كبير، وابتعاد عن الحقيقة والتاريخ لا مثيل لهما.

فالحق أن “الإسلام أولى الأديان بمطاردة الاستبداد والاستعباد بكل معانيه، ومحاربته بكل ما في اليد من أداة، ولم ترَ في الحياة شريعة قاومت الاستبداد والاستعباد كما قاوم الإسلام، ولا تعرف ديناً صبّ على الاستبداد والمستبدين سوط عذاب، وأسقط اعتبارهم، وأغرى الجماهير بمناوأتهم والانقضاض عليهم كالإسلام، ولا تعرف مُصلحاً أدّب رؤساء الدول وكبح جماحهم، وقمع وساوس الكبرياء والاشتهار في نفوسهم كما فعل ذلك نبي الإسلام.

والإسلام والاستبداد ضدان لا يلتقيان،”فتعاليم الدين تنتهي بالناس لعبادة ربهم وحده، أما مراسيم الاستبداد فترتد بهم إلى وثنية سياسية عمياء، ولا يمكن أن يعيش الاستبداد هانئاً أو مستريحاً في بيئة ينتعش فيها الإسلام؛ لأن الثاني عدو الأول اللدود”.

المفروضون على الدنيا والدين

والغزالي-رحمه الله-، من واقع خبرته بالعمل الدعوي وتبحره في تاريخنا الإسلامي، أيقن أن الحكام المستبدين، وفقهاء السوء من المغيبين والمنتفعين على حد سواء، هما وجهان لعملة واحدة رديئة هي: الاستبداد والفساد. مؤكداً أن هذين الصنفين من الناس”لن تذوق الأرض حلاوة السِلْم ما بقيا”

ولفت الغزالي أنظار المسلمين، كذلك، إلى خطورة جمود الفكر السياسي، وآثاره الوخيمة على الأوضاع السياسية في الأمة وابتلاءها بالاستبداد المقيم، مؤكداً أن” الفكر السياسي عند جمهرة المتدينين يتّسم بالقصور البالغ، إنهم يرون الفساد ولا يعرفون سببه، ويقرؤون التاريخ ولا يكشفون عبره، ويقال لهم كان لنا ماضٍ عزيز، فلا يعرفون سرّ هذه العزة، وانهزمنا في عصر كذا، فلا يدركون سبب هذه الكبوة، ويشعرون أن العالم الغربيَّ بزغ نجمه، فلا يدرسون ما وراء هذا البزوغ”.

وهو يرجع أسباب ذلك إلى انتشار “أقوال طائفة من المتحدثين عن الإسلام”، يصورون أسلوبه في الحكم بشكل غامض في كتاباتهم وخطبهم. ويقفون مكتوفي الأيدي، في الواقع العملي، أمام الافتيات المستمر على سلطان الأمة، كأنَّ ما يحدث تحت سمعهم وبصرهم خارج عن الدائرة التي يختص الدين بالفتوى فيها.

من يصنع المستبدين؟

يرى الشيخ،رحمه الله- أن صناعة الاستبداد تبدأ من فقيه جاهل أو طامع، ومنافق عليم اللسان لا هم له إلا دنيا يحصل ملذاته، وحاكم مريض نفسياً يرى رفعته في ضعة أمته، وتكمن سعادته في شقاء كل من حوله.ف” الويل لأمة يكون الحكم فيها شهوة مريض بجنون العظمة أو شهوة مسعور باقتناء المال”. ففي هذه البيئات الموبوءة، تتدهور قيم الشعوب وتنحط أخلاقها، وتصبح قطيعاً يسهل على أي جاهل يمتلك القوة والمال والأتباع من المنتفعين والمنافقين أن يسوسهم ويسوهم سوء العذاب.

ولهذا يحذر  شيخنا-رحمه الله-، من تسطيح وعي الشعوب، لأن ذلك يجعلها تستنيم لذوي الأغراض والأهواء ممن يلوثون ثقافاتها، ويغشون قيمها، فيوقعونها في هاوية التفاهة والسطحية.فعلى مر التاريخ كانت” الشعوب التافهة في كل زمان ومكان هي التي تصنع المستبدين وتغريهم بالأثرة والجبروت”.

خصائص الاستبداد

 يقول الغزالي، في معرض بحثه عن خصائص الاستبداد، متتبعا تاريخه الأسود في مجتمعاتنا، أن “الاسترقاق السياسي عدو البشرية الأول، وسرطان الأمم المعذبة، وفي ليله الطويل لا تلمح العقول أشعة المعرفة، ولا تدري الطباع معنى الكرامة ولا تشرب النفوس حب الخير. فالاستبداد السياسي داء دوي، وليس أسوأ منه إلا تجاهل أثره والتعامي عن خطره. وأن”الفساد السياسي، مرض قديم في تاريخنا، وآثاره بادية في كل شئون حياتنا”

ويبرز الغزالي أهم خصائصه في:

  • كبرياء الحاكم وتعاليه.
  • الرياء بين السادة والأتباع
  • السرف الشديد على شخص الحاكم، وعلى كل من يمت إليه بنسب أو يواليه بنصر.
  • كرهه الشديد لحرية النقد والتوجيه.
  • أسلوبه الشائن في إهانة الكفايات وترجيح الصغار وتكبيرهم تبعا لمبدئه العتيد: أهل الثقة أولى من أهل الكفاءة. ومن هم أهل الثقة؟ أصحاب القدرة على الملق والكذب… اللاهثون تحت أقدام السادة تلبية لإشارة أو التقاطاً لغنيمة.
  • وهو–دائماً-، بيئة خصبة للرياء والملق والعبودية، ووسيلة فذة لتكبير الصغار وتصغير الكبار، وغمط الكفايات ورفع التفاهات.

الاستبداد والاستعمار توأمان

يقول الغزالي-رحمه الله- في مطلع كتابه عن”الإسلام والاستبداد السياسي:

إن بلاد الإسلام في هذا العصر-وفي العصور القريبة السابقة- تحمل كفلين من العذاب: أحدهما من وطأة الغرب المعسكر بقواته الكثيفة من المحيط إلى المحيط، والآخر من غدر الحكام المشايعين له، ومن أوضاعهم الملفقة وفسادهم العريض.

ولهذا، فهو يربط ربطاً مباشراً، بين القضاء على الاستعمار والقضاء على الاستبداد، فيقول: “نحن نعرف أن للاستعمار فكَّين حادّين يتركب منه فمه: الفساد الكامن في الداخل: الاستبداد وتوابعه. والعدوان الوافد من الخارج. وبين الفكين تدار الرحى وتتهشم الضحايا، وضربة قاصمة لأحد الفكين تنقذ آلاف المعذبين”.

ماذا فعل بنا الاستبداد؟

أفاض شيخنا الراحل، في مختلف كتاباته، في شرح أسباب”ما أصاب المسلمين من انحطاط وتخلف” وأرجع أهم عوامله إلى”الاستبداد”، فقد تراجع العطاء الحضاري، وانحسر الإبداع، وتوقف الاجتهاد والتجديد، لأن أجواء الحرية قد اختنقت، ومجالات العمل ضاقت في نطاق يحدده الحاكم… فتاريخ الاستبداد ناطق بأن السلاطين والأباطرة يضيقون باليقظات العقلية، ويتوجسون خيفة من انتشار المعارف. فالحكم الفردي المطلق كارثة محققة بالأمم، وهو بالدين نكبة؛ تهزم رسالته وتجرح فضائله.

لا تتركوه يتفرعن

والغزالي-رحمه الله-، في تفسيره للقرآن وبيان كيفية تعاملنا معه، يلفت نظرنا إلى أهمية القصص القرآني باعتباره أحد محاور القرآن الرئيسية، ودوره في بيان عاقبة الاستبداد،  وأن هذا القصص لم يأت عبثاً ولا تسلية، وإنما تربية وتعليماً للأمة، وعِبرة، حتى لا تقع في أخطاء من سبقها من الأمم، وخصوصاً أهل الكتاب. ولهذا نجده ينبه إلى ما في قصة موسى وفرعون من تحذير من استخفاف الحكام للمجتمعات، واستكانة الناس للمستبدين دون مراجعة أو مقاومة لأن في ذلك: الذل، والعار ،والاستعباد، والحياة الضنك، فيقول رحمه الله:

“أعتقد أن القرآن الكريم، إنما قص قصة فرعون وبني إسرائيل، ومصير المستبدين، سواء كانوا سياسيين أو اقتصاديين أو ماليين، إنما فعل هذا لكي نأخذ عبرة: بأنه ما يجوز ترك حاكم يتفرعن. يجب تقليم أظافر الذين ينزعون إلى الاستعلاء على الخلق، وادعاء الألوهية. فإذا كانت السلطة أو الثروة من أسباب الشذوذ، فيجب أن تقيد السلطات بحيث لا تغري أحداً بهذا الاستبداد الأعمى، وأن تقيد الأملاك، وأن تَرَاقَب، فلا تكون سبباً في أن يتألف من أصحاب الأموال طبقات من المترفين الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون”.

كيف نتخلص من الاستبداد؟

  • الانتفاع بتجارب غيرنا في محاربة الاستبداد، من خلال: وضع الدساتير التي تقرر حقوق الشعوب وواجبات الحكام، وتلجم جماح أي شخص يحاول الافتئات على الأمة بأي سبيل كان.
  • تجديد “الفقه السياسي في أمتنا”، والعمل على أن “تنحسر عنه ظلال الحجاج، وعبيد الله بن زياد، وبعض ملوك بني العباس، وبعض سلاطين آل عثمان”.
  • تنظيف العالم الإسلامي من الغرور والغش والادعاء، ومن السرقة والنهب والاستعلاء، لأن ذلك، كفيل باجتثاث جذور الاستبداد، وإراحة الدين والدنيا من ويلاته.
  • ترقية الحس الحضاري لدى الأمة الإسلامية من الناحية السياسية، وتثقيفها سياسياً كما تثقف في شؤونها الدينية جنبا إلى جنب.
  • توسيع وتقعيد وتدريس” الفقه الدستوري” في: المساجد مع أحكام الوضوء والصلاة؛ وفي المدارس والجامعات مع علوم الدنيا، ضماناً لإخلاص العبودية لله وحده من جهة، وحصانة من تخلل الحكم الفردي أو الاستبدادي للكيان الفردي و الاجتماعي.
  • نهوض الدعاة إلى الله، بأعباء الفريضة المنوطة بهم في إيقاظ المسلمين، ولفتهم أنظار المسلمين، إلى الأصنام المختلفة من المستبدين ومن يروجون بضاعتهم في كل مجال.

خاتمة

لقد نذر الغزالي-رحمه الله، قلمه وعمره للدعوة للإسلام وبيان حقائقه للمسلمين وللناس أجمعين، ولتخليص نفوس المسلمين: أفراداً ومجتمعات ومؤسسات،من الاستبداد. وإذا كان ثمة موضوع رئيسي في أعمال الغزالي، فهو تحديداً: تحرير الروح الإنسانية والإسلامية من أغلال الاستبداد. وسيظل، خطاب الغزالي المناهض للاستبداد، السهل البسيط، الذي يغزو العقول ويتملك القلوب بصدقه وواقعيته، صالحاً للبناء عليه في كدحنا المضني للتخلص من استبداد مقيم.

ويتبقى علينا كمسلمين، اليوم، أن نعيد قراءة الغزالي”عدو الاستبداد”، ونحول خطابه إلى سلوك ونظام قيم في حياتنا اليومية في كافة المجالات.وأن نتدارس أفضل المناهج والوسائل، التي تصل بهذا الخطاب إلى وجدان وعقول وممارسات شبابنا وناشئتنا، من خلال خطاب شعبي عقلاني بسيط، يخترق الفهم الديني والسياسي السائد والراسخ، ونشره وخروجه من الدوائر الأكاديمية والثقافية النخبوية الضيقة، إلى الشارع السياسي الواسع، للأغلبية الساحقة من أبناء العرب الذين يتلقون تعليمهم في: المنزل والمسجد، والأحزاب السياسية، ودوائر الحكم والإدارة، وجماعات التصوف والتسلف، والزعماء الدينيين والقبليين والعائليين ونجوم الإعلام والنخب الحديثة.

لقد قام الغزالي بدوره-كعالم دين-خير القيام، وبين دور الدين في فضح الاستبداد وتحرر الشعب، وأوضح سبيل التخلص من الاستبداد المؤدي لفساد العمران، وبالتالي القضاء على أخلاق العبيد التي تولد جبابرة الاستبداد:شخوصاً كانوا أو جماعات أو مؤسسات.ويتبقى على أجيالنا المعاصرة والقادمة أن تستفيد من معالجته السهلة العميقة للاستبداد، في تبني برامج ومناهج ومؤسسات يكون هدفها اقتلاع جذور الفساد من نفوس أبنائنا.

رحم الله الغزالي رحمة واسعة، لقاء ما قدم لأمته من فكر وجهد في سبيل إنهاضها من جديد.


إعداد: عماد الدين عشماوي

ضيوف تبيان

يمكن للكتّاب والمدونين الضيوف إرسال مقالاتهم إلى موقع تبيان ليتم نشرها باسمهم في حال موافقة… المزيد »

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى