Want create site? Find Free WordPress Themes and plugins.

بعد تركيا مصطفى كمال، كانت تونس الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي أشد الأنظمة في البلدان الاسلامية علمانيةً وشراسةً في حربها على كل ما هو متعلق أو مرتبط بالإسلام. ونال اللباس الشرعي (الحجاب والنقاب) الذي فرضه الله على النساء اهتمامًا كبيرا لدى الغرب المستخرب (المستعمر) ومن ثم لدى العلمانيين الذين رضعوا الثقافة الغربية ومَكَّنهم المستخرب (المستعمر) من الحكم في بلاد المسلمين.

المغرب يتبع نموذج تركيا مصطفى كمال وتونس الحبيب بورقيبة

وبرزت في السنوات الأخيرة دولة المغرب كوَكرٍ خطير ومهم للعلمانية والعلمانيين يتبع، بدعمٍ مالِي وسياسي من الغرب (على رأسهم فرنسا وأمريكا)، خطى نموذج تركيا مصطفى كمال وتونس الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي، حيث توالت الحروب العلنية ضد شعائر الإسلام وشريعته، فمن مدونة الأسرة التي تم اعتمادها ابتداءً من سنة 2004م، حيث أُلغيت فيها أحكام فرضها الله ورسوله وأُقِرَّت فيها قوانين بعضها كفر بواح، كجعل ولاية المسلمة على نفسها في الزواج بحيث تَعقد زواجها بنفسها دون حاجة لولي أمرها، وجعل الطلاق لا يتم إلا بإذنٍ من المحكمة وإقرارها له الخ، …… أقول توالت الحروب العلنية ضد شعائر الإسلام وشريعته، فمن مدونة الأسرة، إلى حملات الإفطار العلني في رمضان، إلى حملات التبرج الفاضح والدعوة إليه والدفاع عنه، إلى منشورات مرئيّة أو مكتوبة فيها سب فاجر للرسول وتنقيص من مقامه وقذف في عرضه، … ومؤخرا (في حوالي العاشر من يناير 2017م) وزعت السلطات المغربية قرار حظر بيع وإنتاج واستيراد البرقع (النقاب) على المحلات التجارية، ومُنِحت المحلات 48 ساعة للتخلص من كل ما لديها من نقاب وإلا سيتم حجزه، وتم التهديد بمتابعات قضائية وتأديبية وعقوبات مالية لمن يمتنع عن الامتثال للقرار.

Embed from Getty Images

وتبيريرات السلطات المغربية في اتخاذها هذا القرار هي نفسها التبريرات التي قدمها علمانيو تونس (على رأسهم نواب كتلة الحرة) في شهر مارس 2016م ضمن مشروع  قانون “إخفاء الوجه” في الأماكن العامة الذي قدموه للبرلمان التونسي، وذلك بحجة تعزيز “الوقاية من الإرهاب”، حيث يعتبر علمانيو المغرب وتونس وغيرهم أن هناك مخاوف من توظيف ارتداء النقاب من قِبَل الإرهابيين للتستر والتخفي. ويجدر الإشارة إلى أن ارتداء حتى الحجاب (دون تغطية الوجه) في الجامعات والمدارس والمؤسسات الحكومية في تونس كان ممنوعًا منذ سنة 1981م (والى غاية انتفاضة 2011م التي أسقطت زين العابدين بن علي ومعه قانون منع الحجاب) بموجب قانون أصدره الحبيب بورقيبة وعُرف بمنشور رقم “108”، والذي وُصف فيه الحجاب بالزي الطائفي. وتم تأكيد هذا القانون وتجديده بمنشور قانوني إضافي صدر سنة 1986م يُعرف بمنشور رقم 102، يؤكد فيه خطر الحجاب على نساء تونس! وفي عام 1987م أصدر زين العابدين بن علي -بعد انقلابه على الرئيس بورقيبة- مرسوما يجبر الطالبات الملتحقات بالجامعات على التوقيع على إقرار أنهن لن يدخلن الجامعة إلا “برأس مكشوف”، وأن كل طالبة لم توقع على الإقرار سيتم حرمان دخولها الجامعة، بل وستتعرض لملاحقة قضائية! وتصاعدت في عهد زين العابدين بن علي الحرب على المحجبات في تونس، حيث تم في عدة حالات منع الحوامل من دخول المستشفيات إذا كُنَّ متحجبات، وتم ترصد المحجبات في الشوارع ووسائل النقل العامة واقتيادهن إلى مراكز الشرطة ونزع حجابهن بالقوة، وتم إصدار إنذارات بحق طالبات محجبات بالفصل وعدم السماح لهن بدخول الامتحانات إذا لم يكشفن عن رؤوسهن!

Embed from Getty Images

لا زال المغرب لم يصل لهذه الدرجة من الحرب الشرسة على المحجبات والمنقبات كما كان في تونس، لكن القرار الأخير بحظر بيع وإنتاج واستيراد البرقع (النقاب)، والذي يعني بداهة حظر ارتداء النقاب، إن استجاب له المسلمون في المغرب وخضعوا له، ستكون ولا شك البداية لاستئصال كل ما تبقى من مظاهر وأحكام الإسلام والعفة من الحياة العامة في المغرب، الحرب الاستئصالية التي بدأت منذ عقود بسياسات تشجيع وتحفيز التبرج الفاضح الفاجر وحمايته بحجة الحرية الشخصية والتحرر والتقدم الخ!

ما هو قول الشرع في النقاب؟

من الناحية الشرعية، فلا خلاف على وجوب ستر المرأة جسدها وشعرها وجيبها بلباس غير شفاف ولا مُوَصِّف، فهذا له أدلة لا تُحصى من القرآن والسُّنة أذكر منها على سبيل المثال لا الحصر: {يأَيهَا النبِي قُل لأزواجِكَ وَبَناَتِكَ وَنِسَاء المُؤمِنِينَ يُدنِينَ عَلَيهِن مِن جَلابِيبِهِن ذلِكَ أَدنَى أَن يُعرَفنَ فَلاَ يُؤذَينَ وَكَانَ اللهُ غَفُوراً رحِيماً (59)}(الأحزاب)، {وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ۖ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ ۖ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ …. (31)}(النور).

لكن الاختلاف حاصل بين العلماء فقط في مسألة تغطية الوجه والكفين، هل ذلك واجب أيضاً أم مستحب، ولكل فريق أدلته المعتبرة شرعًا. ومن أدلة القائلين بوجوب تغطية الوجه هو معنى الجيب والخمر {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ}، فقالوا الجيب من الجوب وهو الشق، والجيب هو مدخل الرأس، فجيوبهن مدخل الرأس، والخمر ما يُغطى به الرأس، وضرب الخمار على الجيوب معناه على الوجه والرأس، الخ ….! كما استدلوا بقوله سبحانه: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ (53)}( الاحزاب)، وقالوا أن الآية تدل على وجوب حجب وجه المرأة عن الرجال، وأن الآية وإن نزلت بحق نساء الرسول، إلا انها تشمل نساء المسلمين عامة، فهم -أي نساء المسلمين العاديات- هُن أولى أن يفعلوا ما يطهر قلوبهن ويحجب عنهن ما يُوقِع في قلوبهن أو في قلوب من يَرَاهُن الفتنة!

واستدلوا بفعل النساء في حياة الرسول حيث كُنَّ يغطِّين وجوههن أمام الرجال الأجانب، ومن هذا ما قال الحافظ ابن حجر في تفسيره لحديث عائشة رضي الله عنها “يَرْحَمُ اللَّهُ نِسَاءَ الْمُهَاجِرَاتِ الْأُوَلَ لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ شَقَّقْنَ مُرُوطَهُنَّ فَاخْتَمَرْنَ بِهَا”، حيث قال: (فَاخْتَمَرْنَ) أي غطين وجوههن (فتح الباري شرح صحيح البخاري)، … ومنه قول عبد اللَّهِ بن عُمَر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: قَامَ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَاذَا تَأْمُرُنَا أَنْ نَلْبَسَ مِنْ الثِّيَابِ فِي الْإِحْرَامِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “لَا تَلْبَسُوا الْقَمِيصَ وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ وَلَا الْعَمَائِمَ وَلَا الْبَرَانِسَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَحَدٌ لَيْسَتْ لَهُ نَعْلَانِ فَلْيَلْبَسْ الْخُفَّيْنِ وَلْيَقْطَعْ أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ، وَلَا تَلْبَسُوا شَيْئًا مَسَّهُ زَعْفَرَانٌ وَلَا الْوَرْسُ، وَلَا تَنْتَقِبْ الْمَرْأَةُ الْمُحْرِمَةُ وَلَا تَلْبَسْ الْقُفَّازَيْنِ“(صحيح البخاري)، فقول الرسول “وَلَا تَنْتَقِبْ الْمَرْأَةُ الْمُحْرِمَةُ” يدل على أن ستر المرأة لوجهها فرض إلا في الحج! بل وحتى من قالوا فقط باستحباب تغطية الوجه، كعدد من علماء مذهبي الحنفية والمالكية، أوجبوا ستر الوجه عند خوف الفتنة بالمرأة أو عليها، كأن تكون المرأة ذات جمال فاتن، أو أن تكون تعيش في مكان أو زمان كثر فيه الفساد والفسق وفسدت أخلاق الناس وقل ورعهم من الله!

على كل حال فالنقاب (الحجاب الذي يشمل تغطية الوجه أيضاً) مسألة شرعية لا يجوز للجهلة بدين الله الخوض فيها، ولا يجوز التلاعب بها ولا المساومة عليها، وحتى لو سلَّمْنا بأن النقاب كان فرضًا على زوجات الرسول فقط، فهو على أقل تقدير مباح وجائز، بل ومستحب، لباقي النساء المسلمات وحق لهن، على الأقل من باب حُبِّهِنَّ الاقتداء بزوجات الرسول اللواتي هن أمهاتهن {النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ ۖ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ (6)}(الأحزاب)، الاقتداء بهن فيما فيه زيادة لطهارة القلوب {ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ}! فبأي حق يتجرأ السفهاء على منع المسلمات من النقاب؟ ثم إن كل من يستهزء بالنقاب ويُحَقِّر من شأن المنقبات، ويلصق بالنقاب تُهَمًا وأوصافا خبيثة، إنما ينسب كل ذلك، عن جهالة في غالب الأحوال، لزوجات الرسول، إذ كُنَّ رضي الله عنهن منقبات!

لكنني لا أريد هنا الاسترسال في الناحية الفقهية المتعلقة بالنقاب، فهذا أمره محسوم منذ القدم، بل أريد نقاش الحملة الشرسة ضد النقاب من الأوجه التي تُستعمل لمحاربة النقاب والحجاب.

الرد على تبريرات العلمانيين في منع النقاب

من أهم ما علل به العلمانيون منع النقاب هو منع الإرهابيين من التخفي تحت النقاب للقيام باعتداءات مسلحة، وبالتالي حفظ أمن البلاد.

والرد على هذه الادعاءات من عدة أوجه:

1. ماذا عن الحقائب والسيارات الخ، … فكل هذه الوسائل وغيرها تُستعمل في عمليات إرهابية، فوجب منع كل هاته الوسائل لأنه تم ويتم فعلا استعمالها في عمليات إرهابية! …. ثم ماذا عن إمكانية تخفي الإرهابين بوضع شعر مستعار ونظارات نسوية ومساحيق تجميل على الوجه؟ فهل يجب منع كل هذا أيضاً!

وعليه فإنه وإنْ تواجد من يستعمل النقاب من الإرهابيين، فلا يجوز اتهام النقاب ولا المنقبات، فإصدار قانون يمنع النقاب لتفادي استعماله في عمليات إجرامية، إلى جانب أنه إثم عظيم لأنه يحرم ما أحل الله {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (116) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (117)}(النحل)، فإنه يعتبر تمييز ضد النساء المنقبات واضطهادٌ لهن وإرهاب عليهن، وتشهير بهن، وفيه تحريضٌ للناس ضدهن!

النقاب لباسه شُرِّعَ لأجل تمكين المرأة من الخروج للأماكن العامة حيث تختلط بالرجال الأجانب فتستر وجهها عنهم! فبمنع النقاب تُحرم المرأة المسلمة المتنقبة من الخروج من بيتها ومن ممارسة أي نوع من الحياة الاجتماعية ومن قضاء حاجياتها، فبمنع النقاب يتم اعتبار المسلمة الملتزمة بشرع الله بأنها ليست جزءا من المجتمع ولا حق لها في ممارسة حريتها الشخصية!

2. العلمانيون المنادون بمنع تغطية الوجه في الحياة العامة، يستثنون طبعا من هذا الحظر ارتداء الزي الذي يخفي الوجه إذا كان لأسباب صحية أو دواعي مهنية أو مناخية أو كان من مستلزمات ممارسة أنشطة رياضية أو إقامة احتفالات أو تظاهرات فنية أو تقليدية (كما ورد مثلا في مشروع قانون حظر النقاب الذي قدمه نواب كتلة الحرة في تونس في مارس 2016م)، حيث استثنوا تقريبا كل دافعٍ لإخفاء الوجه إلا الدافع العقائدي الإسلامي الشرعي! فالرياضي والرياضية، والراقص والراقصة، والفنان والفنانة، الخ … هؤلاء كلهم يجوز لهم إخفاء وجوههم، لكن لا يجوز لمسلمة إخفاء وجهها بدافع التعفف وطاعة الله! …

ويستثني العلمانيون أيضًا من مشاريع قوانين حظر تغطية الوجه، رجالات الأمن والمخابرات من الذين، ليسوا يتخفون في ألبسة لا تُظهر إلا أعينهم فحسب، بل ولا يُظهرون حتى بطاقات هوية ولا رُخٓص تفتيش وضبط قضائية للناس الذين يتسلطون عليهم ويقتحمون منازلهم وأماكن عملهم ، … رجالات “أمن” (أو بالأحرى إرهاب وتخويف) مجهولين، متخفين في ألبسة لا تُظهر إلا أعينهم، لا يخضعون لأي محاسبة، يتهجمون على الناس ويضطهدونهم ويرَوِّعونهم ويهينونهم، دون حق الضحايا في معرفة حتى مع من يتعاملون ومن هؤلاء الذين يرهبونهم ويسلبونهم حريتهم وكرامتهم وأمنهم، والرسول يقول: “لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُرَوِّعَ مُسْلِمًا”(سنن ابي داود).

وأطرح هنا السؤال: ماذا لو استغل الإرهابيون هذه “الثغرة” في مشاريع قوانينكم وتلثموا كرياضيين أو عمال أو رجال أمن أو راقصين، أو فنانين الخ؟ هل يتم حظر كل الألبسة التي يرتديها هؤلاء؟

3. ثم إنها لَقِمَّةٌ من الغباء والسخافة والجهل والظلم أن تُجَرِّمَ دولةٌ النساء المنقبات لاحتمال استعمال غيرهم من الرجال النقاب لأغراض إجرامية {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (18)}(سورة فاطر)! … فإن كان ولابد من قانون، فليكن قانونا يجرم تشبه الرجال بالنساء، فيعاقب كل رجل ضُبط متنكرًا في لباس النساء، كالمثليين مثلا وليس “الإرهابيين” فقط!

الأمن الحقيقي يتحقق في الانسجامٌ التام بين القوانين وعقيدة الناس

القول مثلا بأن [حرية اللباس يجب أن تكون منظمة في إطار يتناغم مع أمن البلاد، وأن أي مظهر في سلوك الإنسان ولباسه يجب أن ينسجم مع مقتضيات أمن المجتمع](مقتبس من تقرير الجزيرة: جدل منع النقاب بتونس يطل من جديد)، هذا كلام خطير وإجرامي واستبدادي، إذ يجعل “الأمن”، أي الخوف والتخويف والترهيب، هو الأساس الذي تُبنى عليه الدولة وتُنظم -أو بالأحرى تُقيد- على أساسه حياة الناس، إن بقيت لهم أي حياة بعد تقييدهم  بقيود أمنية شتى! …. فالدول والمجتمعات السَّوِية تقوم على فكر ومبدأ يحددان وظيفتهما وهدفهما في الحياة الدنيا ويحددان مقياسا للحلال والحرام ولنوعية المصالح ولكيفية قضاءها، والأمن الأولي والحقيقي للمجتمع يتمثل في مدى إمكانية الناس الحياة حسب ما يوافق عقيدتهم وإيمانهم ومشاعرهم وفطرتهم، بحيث يكون انسجامٌ تام بين القوانين وبين إيمان الناس وعقيدتهم، فلا يجوز أن تشرع الدولة قوانين تحرم ما هو حلال عند عامة الناس حسب معتقدهم وإيمانهم، ولا قوانين تحلل ما هو حرام حسب معتقدهم وإيمانهم، … ولا تكون قوانين تمنعهم مما أمرهم دينهم القيام به، ولا قوانين تجبرهم على القيام بما يأمرهم إيمانهم تركه، … ولا تكون قوانين تبيح ما يفتنهم في دينهم ومعتقدهم الخ …! هذا هو الأمن الاجتماعي، هذا هو الأمن الحقيقي، هذا هو الأمن الذي يحقق الأمان والعدل والاطمئنان! … وهذا الأمن الاجتماعي هو الذي يجب حمايته، حمايته ممن يخرقه، أيًّا كان الخارق وأيًّا كان نوع الخرق، ومنه فتنة الناس في دينهم، ونهب أموالهم، وانتهاك أعراضهم، وسفك دمائهم، ونشر الفاحشة بينهم، وتمكين الأعداء من السيادة عليهم وعلى خيراتهم الخ …!

إلا أن حماية المجتمع ممن يخرق أمنه لا يجوز أن يكون إلا بوسائل وأساليب تحددها العقيدة نفسها التي يحملها الناس وينظمون بها حياتهم، فَخِلَافًا لما يقوله أدعياء الدكتاتورية والاستبداد، فإن “أمن البلاد ومقتضيات أمن المجتمع يجب أن يكون منَظَّما في إطار يتناغم مع عقيدة المجتمع، وليس العكس“، فلا يجوز تحريم ما هو فرض أو حلال من أجل القبض على مجرمين مثلا، ولا يجوز استباحة المحرم بحجة تحقيق ما هو فرض أو بحجة تحقيق الأمن، أفعال من هذا النوع تُعتبر في حد ذاتها خرقا للأمن الاجتماعي، وتسلطا على الناس وإهانة لهم، إذ إهانةُ عقيدتهم إهانةٌ لهم!

حل عملي لتلبية الحاجيات الأمنية دون تعارض مع شرع الله

فإذا كان الدافع وراء منع النقاب أمني فعلا كما يدعي أصحابه، فإليكم حلول عملية متوافقة مع عقيدة الشعوب المسلمة قاطبة:

  • كل نقابٍ شكت الشرطة بأن يكون متخفيا تحته رجل وليس امرأة يمكنها بسهولة التحقق منه وذلك بأن تتقدم الشرطة مثلا باحترامٍ اتجاه “الشخص” المنقب وتسأله سؤالا بسيطا، ثم تستمع لجواب الشخص هل نبرة صوته نبرة أنثى أم ذكر! فهل يخفى على انسانٍ التفريق بين صوت امرأة وصوت رجل إلا في حالات جد نادرة؟
  • ثم لمزيد من التأكد، إذا دعت الضرورة لذلك، يمكن توظيف نساء شرطيات وظيفتهن مراقبة الأماكن العامة والتأكد من جنس من تحت النقاب بالكشف عن وجه المنقبات المشكوك فيهن بأسلوب محترم غير مهين (توضح فيه الشرطيات مثلا أنه تفتيش روتيني غير شخصي) وبطريقة ووسيلة لا يظهر فيها وجه المنقبة للعامة وإنما للشرطيات فقط (مثلا برفع المرأة نقابها وراء ستار أو عند التواجد في أماكن مغلقة في غرفة خاصة، بحيث تتمكن الشرطية فقط من التطلع عليها)، وبعد الفحص يُترك سبيل المرأة مستترة بنقابها! وهذا جاري به فعلا العمل في عديد من المطارات الدولية مثلا، حيث يجب التأكد من هوية المسافر!

ثم كما أن الأصل براءة الناس ولا يجوز للشرطة تفتيش بيوتهم إلا عند تواجد أدلة أو قرائن قوية تبرر الشك والاتهام، ولا يكون تفتيش البيت إلا مع احترام حدود الغرض من تفتيش البيت ودون الاعتداء على حرمته ولا على حرمة أهله، فكذلك لا يجوز تفتيش إلا المنقبات اللواتي اجتمعت قرائن تدل على احتمالية تواجد رجل تحت النقاب وليست امرأة، كطريقة المشية والحركة مثلا، مع تواجد المشبوه فيهم في أماكن يحتمل استهدافها، الخ، …

والحل أيضاً يكون بتدريب رجال الأمن ليَتَكوَّن عندهم حس وقدرة على معرفة ما إذا كان تحت النقاب رجل أو امرأة، فلا يتم توقيف وتفتيش إلا من شك فيهم رجال الأمن أنهم ذكور وليسوا نساء! فرجال الأمن في كل العالم لا يُوقِفوا مثلا كل الناس لتفتيشهم عند تعَقُّبهم اليومي للصوص وتجار المخدرات الخ …، بل يتدربون على معرفة “المجرم” عن طريق حركاته وكلامه ومشيته والتفاتاته الخ، … ! فقدرة رجال الأمن وقوتهم وفعاليتهم تكمن في القدرة على تمييز المجرم ومعرفته، وليس في تجريم كل الناس! ففي الطلب من كل النساء قلع النقاب للتعرف على بضعة إرهابيين، تجريم لهن ودلالة على ضعف قدرات رجال الأمن، فالقوة تكمن في القدرة على التعرف على المجرم والإرهابي ولو تخفى تحت نقاب، دون خرق شريعة رب العالمين والتعدي على أعراض الناس!

خاتمة

و في الأخير أقول للعلمانيين، إن مشروعكم لمنع النقاب مشروع يخرق الأمن الاجتماعي في البلدان الإسلامية ويخلق الفتنة بين الناس، فهذه القوانين لن تعزز الأمن بل ستخلق مزيدا من الاضطراب والصراع والتصادم.

ثم أقول للعلمانيين وللأنظمة المتحكمة في بلاد المسلمين، إنه لا يخفى على كل ذي لب أنه، إلى جانب حقدكم على الإسلام وأحكامه الشرعية ومنها النقاب، فمن بين أسباب سعيكم لمنع النقاب هو استجابتكم لمطالب الغرب، ومحاولة رفع قيمة أسهمكم لدى النظام الدولي ولدى “الذين يدعمونكم”! …. فاعلموا أن التجارة بشرع الله وبدين الناس وأعراضهم تجارة فاسدة خاسرة مخزية {إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ (10)}(البروج)!

وأخيرا وليس آخراً، أقول لهم إنكم خرقتم أحد أهم مبادئكم التي تدَّعونها (مع أن الإسلام لا يقرها)، وهي “الفصل بين الدين والسياسة”، فأنتم بصدد توظيف مسألة دينية -النقاب- من أجل أغراض سياسية!

وإلى المسلمات العفيفات وأزواجهن ومحارمهن أقول، لا تستجيبوا لدعوة التبرج التي يدعوا لها السفهاء، فلا طاعة لمخلوق، أيًّا كان، في معصية الخالق، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: “السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ حَقٌّ مَا لَمْ يُؤْمَرْ بِالْمَعْصِيَةِ، فَإِذَا أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ”(صحيح البخاري). واعلموا أنها حرب إرادات، فإن سلَّمتم لهم اليوم بمنع النقاب واستجبتم لهم، فغدا سيطلبون منكم التنازل عن جزء آخر من الإسلام، وهكذا دواليك حتى لا يبقى منه أي شيء، فإياكم أن تركنوا للسفهاء وتستجيبوا لطلباتهم بالتنازل عن شرع الله، فالله يقول بخصوص التنازل عن شرعه {وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (73) وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (74) إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا (75)}(الإسراء).

مصادر

552

Did you find apk for android? You can find new Free Android Games and apps.
الكاتب

فاروق الدويس

مسلم مُتابع للأحداث في البلدان الإسلامية خاصة، يحاول المساهمة في معركة الأمة المصيرية بأبحاث ومقالات سياسية فقهية تحليلية،معركة لا يمكن للأمة الانتصار فيها بدون اكتساب وَعْي وفَهْمٍ، بدون كسبها يبقى المسلمون وقُودًا وحُطامًا وغثاءً يستعملهم النظام الدولي لتثبيت هيمنته على بلدانهم وفرض عقيدته على شعوبهم!

اترك تعليقًا

*
*
*

موضوعات ذات صلة
مشاركة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.