ما من رجل يجيء إلى الدنيا بالخير إلا وكان له أعداء من الإنس قبل الجن، حتى أنبياء الله تعالى لم يسلموا من ذلك..وما يحمل الناس على ذلك إلا الحسد والبغضاء مع رسوخ البدعة في نفوسهم أو الجهل وتقليد أصحاب الهوى والبعد عن الله ودينه ومنهجه القويم.

محمد بن عبد الوهاب هو أحد رواد الإصلاح الديني، ومجدد نبع الإسلام الصافي، الذي كادت تكدر صفوه وثنية العصر الحديث من بدع وأوهام شاعت بين كثير من الناس في عصره. فقبل أن نحكم عليه وعلى ما قام به لابد أن تعرف أولا على ذاك المجتمع الذى نشأ فيه ونتعرف على شخصه وثقافته حتى نكون موضوعيين

وصف لحال نجد

يقول الشيخ عبدالرحمن بن حسن آل الشيخ: “أن أهل نجد في باديتهم وحاضرهم قبل دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب في جاهلية جهلاء، وضلالة عمياء، قد اشتدت غربة الإسلام فيما بينهم، واستحكمت، وعم الشرك وطم، وفشا الشرك وشاع الكفر وذاع في القرى والأمصار والبادية والحضر، وصارت عبادة الطواغيت والأوثان: ديناً يدينون به، ويعتقدون في الأولياء أنهم ينفعون ويضرون وأنهم يعلمون الغيب، مع تضييع الصلاة وترك الزكاة وارتكاب المحرمات.”

أما طه حسين_رغم فساد نهجه ومسلكه_ فقال: أن مذهب محمد بن عبد الوهاب جديد قديم معا – جديد بالنسبة للمعاصرين ولكنه قديم في حقيقة الأمر لا نه ليس إلا الدعوة القوية إلى الإسلام الخالص النقي المطهر من كل شوائب الشرك والوثنية – هو الدعوة إلى الإسلام كما جاء به النبي خالصا مما أصابه من نتائج جهل ومن نتائج الاختلاط بغير العرب فقد انكر محمد بن عبد الوهاب على أهل نجد ما كانوا قد عادوا أليه من جاهليه في العقيدة والسيرة فكانوا يعظمون القبور ويتخذون من الموتى شفعاء ويعظمون الأشجار والأحجار

لنعرف من هو محمد بن عبد الوهاب

هو محمد بن عبد الوهّاب بن سليمان آل مشرف التميمي (1703م – 1791م) عالم دين سني على المذهب الحنبلي لأسرة ينسب إليها عدد من علماء الدين، كان جدُّه سليمان بن علي بن مشرف من أشهر العلماء في الجزيرة العربية في عصره، وكذلك كان والده عالمًا فقيهًا على مذهب الإمام أحمد بن حنبل وأحد القضاة المعروفين، وكان عمُّه الشيخ إبراهيم بن سليمان من مشاهير العلماء في تلك البلاد.
طلب العلم والحديث والتفقه في الدين فرحل إلى الحجاز وتهامة والبصرة والزبير والأحساء وقرأ على جملة من علمائها، وتحصل على إجازات في الحديث وغيره.

أدرك محمد بن عبدالوهَّاب بعد فراغه من جولاته العلمية ودراساته الواسعة أن هناك قدرًا من التشابه في مظاهر الانحراف العَقَدي والفكري التي شاهدها في كثيرٍ من البلدان التي زارها، وأن الإسلام مهدَّد بالاضمحلال لما تطرَّق إلى أسسه وأصوله من بِدَع أخفتْ حقيقة الدين الإسلامي الصحيحة، وتطابَق رأيه مع آراء بعض العلماء الذين لقيهم بأن هذه المظاهر بعيدة عن الإسلام، منافية للكتاب والسنة؛ فتولَّدت عنده فكرة لزوم تطهير الدين الحنيف من سفاسف العابثين بقواعده وتعاليمه، وضرورة إرجاعه إلى صفائه ونقاوته حينئذ صمم الشيخ أن يعلن لقومه بأنهم قد ضلوا الطريق السويّ، وزاغوا عن منهج الصواب.

جهوده في إعادة الناس لأصل التوحيد

ثابر الشيخ باذلاً جهده في إرشاد الناس وتعليمهم، وبيان معنى “لا إله إلا الله” وأنها نفي وإثبات، فـ “لا إله” تنفي جميع المعبودات، و”إلا الله” تثبت العبادة لله، وشرح لهم معني الألوهية بأن الإله: هو الذي تأله القلوب محبة وخوفاً وإجلالاً ، وعلمهم الأصول الثلاثة، وبفضل تعاليمه  تنورت أذهانهم، وصفت قلوبهم، وصحت عقائدهم، وزادت محبة الشيخ في قلوب الوافدين إليه.

ثم أخذ يراسل رؤساء البلدان النجدية وقضاتهم، ويطلب منهم الطاعة والانقياد ونبذ الشرك والعناد، فمنهم من أطاعه، ومنهم من عصاه، واستهزأ به، ونسبه إلى الجهل وعدم المعرفة، ومنهم من نسبه إلى السحر، ومنهم من رماه بأمور منكرة هو منها بريء، قاتل الله الجهل والتقليد الأعمى.

ولو كان لأولئك عقل، لعقلوا أن الجاهل لا يستطيع إقامة الأدلة الصحيحة على مطالبه.. الجاهل لا يستطيع أن يبارز العلماء الأجلاء ببراهين عقلية وحجج سمعية، الساحر لا يأمر بخير، لا يأمر بمعروف، ولا ينهى عن منكر ولكن لا عجب؛ فقد قيل سابقاً للمرسلين ولجميع المصلحين، مثل هذا الكلام.

واصل الشيخ نشر الدعوة وكتابة الرسائل العلمية مكتفياً بهذه الوسيلة السلمية، والأمير “محمد بن سعود” يؤازره حسب مقدرته، ولكن خصوم الدعوة كانوا يعملون على تأليف القلوب لمحاربة الدعوة بكل الوسائل، والاعتداء على الداخلين في الدعوة، فلم ير الشيخ محمد والأمير بداً من الاستعانة بالسيف بجانب الدعوة الدينية واستمرت الحروب الدينية سنين عديدة.
وكان النصر حليف ابن سعود في أغلب المواقف، وكانت القرى تسقط واحدة تلو الأخرى بيده، ودخل البعض في الطاعة بالاختيار والرغبة، لما عرف حقيقة الأمر.

وبعد فتح الرياض واتساع ملكهم وانقياد كل صعب لهم، فوض الشيخ أموال الناس وأموال الغنائم إلى عبد العزيز بن محمد بن سعود الأمير، وتفرغ الشيخ للعلم وللعبادة وإلقاء الدروس، وكان محمد وابنه عبد العزيز لا يتصرفان في شيء إلا بعد أن يعلماه، ليعلمهما الحكم الشرعي، ولا ينفذان حكماً إلا عن أمره ورأيه.

وما زال الشيخ على هذه الحالة الحسنة والسيرة الطيبة الطاهرة حتى انتقل إلى جوار ربه في ذي القعدة سنة “1206هـ”
توفي الإمام «محمد بن عبد الوهاب»، بعد أن قويت دعوته، وانتشرت بين القبائل، وظلت الدعوة بعد وفاة مؤسسها تنمو ويتسع نفوذها ويزداد أتباعها، وبلغ نفوذ الوهابيين أقصاه وامتد سلطانهم من أقصى الجزيرة إلى أقصاها، وشعرت الدول ذات الأطماع الاستعمارية مثل فرنسا بالخطر فاستعانوا بصنيعتهم محمد علي باشا- والي مصر وطلبوا منه تجهيز جيش لمحاربة الوهابيين _على حد تعبيرهم_ وصار القتال بين جنود محمد وبين آل سعود في نجد والحجاز سجالا مدة طويلة من عام “1226 هـ إلى عام 1233هـ” سبع سنين كلها قتال ونضال بين قوى الحق وقوى الباطل. على الذى وصف الجبرتي جنود محمد على قائلا:

“أين لنا بالنصر وأكثر عساكرنا على غير الملة؟ وفيهم من لا يتدين بدين ولا ينتحل مذهبًا؟ وصحبتنا صناديق المسكرات؟ ولا يسمع في عرضنا أذان؟ ولا تقام فريضة؟ ولا يخطر في بالهم ولا خاطرهم شعائر الدين؟ والقوم -يقصد أتباع آل سعود- إذا دخل الوقت أذن المؤذنون وينتظمون صفوفا خلف إمام واحد بخشوع و خضوع. وإذا حان وقت صلاة والحرب قائمة أذن المؤذنون وصلوا صلاة الخوف فتتقدم طائفة للحرب وتتأخر الأخرى للصلاة، وعساكرنا يتعجبون لأنهم لم يسمعوا بذلك فضلا عن رؤيته وينادون في معسكرهم (أي السعوديين) هلموا إلى حرب المشركين المحلقين الذقون المستبيحين الزنا واللواط والشاربين الخمر التاركين للصلاة الآكلين للربا القاتلين الأنفس المستحلينالحرمات” وإن جنود آل سعود قد كشفوا عن كثير من قتلى عسكر محمد علي فوجدوهم غير مختونين!! وعدم الختان ليس من طباع المصريين ولا عموم المسلمين واليهود، مما يدل على أن الجنود الذين تحدث عنهم الجبرتي ليسوا مصريين .

وكما كل المصلحين طالته الافتراءات المكذوبة والشبهات ومنها :

«الشبهة الأولى» ـ مما يرددونه: أنه يكفر المسلمين عموماً ويقاتلهم، ويرى أن أنكحتهم غير صحيحة، وأنه يوجب الهجرة إليه على من قدر..ويُرد عليهم فيقال لمن أورد هذا الإشكال: إن أتباع الدعوة يكفرون من يكفره الكتاب والسنة، ولا يكفرون من ليس كذلك.

«الشبهة الثانية»: أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب ينكر زيارة القبور
الرد: فإن الشيخ لم ينه عن الزيارة الشرعية المتضمنة تذكر الآخرة، والدعاء للأموات، من غير شد الرحال إلى القبور، وإنما نهى عن دعاء المقبور، وإيقاد السرج على القبور، وبناء الأضرحة على القبور، واتخاذها مساجد، ورفع القبور، وتشييدها، وتجصيصها، وكل هذه الأمور صح النهي عنها، فأما دعاء المقبور فهو عين الشرك الذي لا يغفره الله إلا بالتوبة، ومن مات عليه فهو مخلد في النار، قال – تعالى-: (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاء وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ)

عن أبي مرثد الغنوي قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: ” لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها”
فالشيخ – رحمه الله – لم ينه إلا عما نهى عنه الكتاب والسنة

«الشبهة الثالثة» اتهام الشيخ وأتباعه بالتطرف والتشدد والتزمت يقول المستشرق الإنجليزي روبسون:
«المخترعات الحديثة تستخدم بلا حرج بين الوهابيين، وهم أكثر فرق الإسلام الحديث تزمتاً».

ومثل ذلك رمي دعوته في هذا الزمان بتفريخ الإرهاب، وزرع العنف، وعدم التسامح مع المخالف، ولا أدري هل المقصود بذلك الجهاد في سبيل الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر فإن كان هذا هو المراد فهو باطل وبيان ذلك كما يلي:

1- أن الجهاد في سبيل الله من أعظم شعائر الدين، وأرسخ دعائمه، وكان تشريع القتال متصفاً بالعدل والحق، فلا اعتداء فيه على أحد، ولا يتجاوز ما تفتضيه الضرورة الحربية، وليس الهدف منه التدمير والتخريب، ولا الإرهاب فلا يقتل غير الجنود المقاتلين، ولا تقتل النساء والصبيان والرهبان والعجزة والمرضى والشيوخ، ولا تقطع الزروع والثمار.

2- أن المقصود من الجهاد في سبيل الله أن تكون كلمة الله هي العليا، ودينه هو الظاهر، لا الغنائم ولذلك ذم الله من ترك الجهاد، واشتغل باكتساب الأموال، وفي ذلك نزل قوله – تعالى -: “وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ”

3- أن المقصد من الجهاد في سبيل الله حماية الدعوة الإسلامية، وإزالة العقبات أمامها، لأن كل مذهب ودين ونحلة لابد له من قوة تحميه، وتحافظ على نفوذه فلا خير في حق لا نفاذ له.

والسؤال المطروح لماذا لم تنس الدول التي تنبذ الجهاد بالإرهاب، وتزعم أنها تدعو إلى السلام أن تضع ضمن وزاراتها وزارة للدفاع، وتضع لها الميزانيات الكثيرة؟ أم هل يحرم على المسلمين ما يحل لهم؟

مات محمد بن عبد الوهاب وما تزال دعوته تجتذب المزيد من الأتباع والأنصار كل يوم في مواجهة ذلك الطوفان الهائل من البدع والتغريب..لا يظل ذكره باقيا واندثر ويندثر ذكر المغرضين.

1497

الكاتب

سيلين ساري

كاتبة صحفية حاصلة على بكالوريوس الإعلام جامعة القاهرة قسم صحافة، لا أنتمي لأي قوى أو أحزاب سياسية.

التعليقات

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
مشاركة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.