تقوم الدولة المسلمة على عملية الهدم وعملية البناء…

أما الهدم:

فهو هدم مقومات الظلم والجاهلية والفساد والطغيان، وتحويل مؤسسات الدولة بكل مكوناتها نحو الصورة الإسلامية الصحيحة، والقضاء على القوى التي تقف في وجه دعوة الإسلام.

وأما عملية البناء:

فهي تبدو أصعب من عملية الهدم، فعملية الهدم إذ تتم في الواقع المادي المحسوس، فإن عملية البناء أول ما تبدأ: تبدأ في الإنسان، إذ أن المعايير الحضارية للدولة المسلمة ليست هي “الحجر والآلة”، بل هي “الإنسان“. وعملية هدم الجاهلية في نفسه من أصعب المعارك! والتفوق والريادة بالنسبة للدولة المسلمة يبدأ من تحرير الإنسان، ومن كرامة الإنسان، ومن بناء الإنسان.

Embed from Getty Images

وستصطدم الدولة المسلمة في عملية البناء بإنسان أفسدت فيه الجاهلية ثلاثة أمور:

  1. علاقة الإنسان المسلم بالعقل.
  2. علاقة الإنسان المسلم بالإسلام.
  3. أمراض الاستبداد والقهر.

 1. في علاقة الإنسان المسلم بالعقل:

أفسدت “نظم التعليم الجاهلية” طاقة العقل البشري، ودمرت طرق التفكير السليم وأسسه ومنطلقاته… فللأسف تجد الإنسان المسلم-الذي نشأ في الجاهلية والقهر-مضطرب الفكر، لا تفضي المقدمات عنده للنتائج، ولا يمضي في صورة سوية طبيعية من التفكير، فقد عمدت نظم التعليم الجاهلية منذ نعومة أظفارهم على تدمير طاقة العقل والمتمثلة في: “البحث والتقصي والاستنتاج، والفكر والتأمل، وقوة الإدراك والربط والفهم، والتسلسل الطبيعي للتفكير….إلخ”.

فتجد يحمل أعلى الشهادات العلمية، وتفكيره عشوائي مضطرب لا يجيد مناقشة علمية جادة، تستطيع النظر والتحليل والحكم والنقد والاستنتاج فضلًا عن الوصول إلى حل، فضلًا عن التفاضل بين الحلول، والرؤية الواقعية!

ومطلوب من الدولة المسلمة معالجة هذه الحالة… فهي بصدد أن تُكوِّن “حضارة عالمية” و”رسالة عالمية” لكل البشرية. ولا بد من تطهير عقل الإنسان المسلم مما ألَمَّ به من الجاهلية والإفساد المتعمد لطاقاته العقلية، فضلًا عن وجود الكوادر النابغة والفذة التي تبدأ هذه الرحلة في صياغة نظم تعليمية وتربوية ونفسية تستطيع أن تعيد بناء عقل الإنسان المسلم وفق أسس ربانية وفطرية صحيحة… تتوافق مع رسالة الإسلام، وحضارته.

2. وفي علاقة الإنسان المسلم بالإسلام:

أفسدت العلمانية الجاهلية الحديثة علاقة الإنسان المسلم بالإسلام، ورضع المسلم العلمانية منذ الصغر، فأصبحت جزءًا لا يتجزأ منه! وأصبح الغرب والحضارة الغربية هي “المثل الأعلى”، أو على الأقل هي التحدي الحضاري بالنسبة له، وتسرب إلى وعيه وشعوره… أنها هي معيار “الحضارة”؛ فأثَّرت اللوثة العلمانية في:

(أ) عقيدته وتصوره نحو الإسلام.

(ب) وكذلك في تصوره نحو “النموذج المثالي”.

امنع النقاب

ففي تصوره نحو الإسلام:

يتعاطى بعض المسلمين مع الإسلام بصورة كهنوتية علمانية كدين النصارى! ويشعرون بفجوة بين العلم والدين كما في دين النصارى! ويتشككون-صرحوا بذلك أو لم يصرحوا -في قدرة الإسلام على قيادة البشرية، أو أنه يحتاج إلى العلمانية معه!

وفي تصور المسلم نحو النموذج المثالي:

يظن المسلم أنَّ النموذج المثالي هو “الحضارة المادية الغربية” وما ينتجه الإنسان من آلات وما يشيده من أحجار!! وأصبح هذا النموذج المثالي فكرة آلية تعمل بصورة تلقائية في ذهن المسلم المتلوث بالجاهلية؛ فنزعت عنه العلمانيةُ-التي تشربها قلبه-عزَّ الإسلام، وحضارةَ الإسلام، ونموذجَ الإسلام.

أمة_الإسلام

إن الإسلام وحده القادر على بناء “الحضارة الربانية” ذلك لأنه منهج رباني من عند من يعلم من خلق، وهو اللطيف الخبير-سبحانه وتعالى-. وهي حضارة تبني الإنسان، وتُكرّم الإنسان، قبل أن تبني الحجارة، وتخترع الآلة. وإن الدولة المسلمة تحتاج إلى رحلة طويلة في هدم أوثان الجاهلية في نفس الإنسان، وإلى جهد مضن في تطهير الإنسان المسلم من لوثة العلمانية التي ملأت عليه قلبه.

وهذه مسألة تحتاج إلى كوادر تفهم ما يختلج هذه القلوب الملوثة بالعلمانية، وتعرف كيف تطهرها وتدخل عليها، وتدرك الملوث منها بفعل الجاهلية، والملوث منها بفعل “الاستكبار والهوى” بغير الحق؛ فتعالج كل حالة بما يلزم، ويكون لديها توقعٌ لحدوث حالات “الارتداد النفسي” والحنين إلى الجاهلية والعلمانية! وإن الجيل الذي تلوث بها لن يكون جيلًا نقيًا خالصًا.

فيعمد أهل البناء في التركيز الشديد، والحفاوة البالغة، والعناية الدقيقة بـ “الجيل الجديد”؛ فيضعوا من وسائل الوقاية والعلاج ما يحمي النشء من هذا التلوث.

Embed from Getty Images

 3. وفي أمراض الاستبداد:

وللأسف الشديد في مرحلة البناء تصطدم الدولة المسلمة بمجتمع يعاني من أمراض الاستبداد والقهر، تدمرت بنيته النفسية والعاطفية، فلقد تركته أنظمة الطاغوت “بقايا إنسان” ومن هذه الأمراض:  الجدال، والعصيان، والتكلم بغير علم، والشك، والعناد، والتعنت، والحقد والتباغض والحسد، وأحادية النظر وسطحيته، والمادية المفرطة، وقلة الاستيعاب، والحرص والبخل، والرعونة، والتردد، والاعتداد بالذات، وعبودية الشهوات، والترهل النفسي، والتفلُّت من الأوامر، والمراوغة، وضيق النفس، والنكوص والارتداد عن طريق الحق، وعدم الوفاء، والجفاف العاطفي، والجمود في التعامل مع الرسالة، والخوف من السلطان المادي أكثر من الخوف من سلطان الله!  وقلة المروءة، والعصبية القبيلة والحزبية، والشك وعدم اليقين، وتقليد الأقوى بلا تعقل، والغرور بالجهل! وضعف وشيجة العقيدة، وأواصر الأخوة.

هل من علاج؟

وكما يرى الناظر هذه الأمراض وخطورتها الشديدة، ولكن ولله الحمد أغلبها يعالج أثناء قيام الدولة المسلمة، وما يجب أن يكون في حسبان “أهل البناء” أن هذه الأمراض تأخذ وقتًا طويلًا في العلاج، وتحتاج إلى وقاية دائمة، وتعهد دائم بها، وعدم استعجال ثمرتها.

إذ أن الكيان النفسي من الإنسان معقد بصورة عجيبة! وعندما يدخل عليه أمراض الاستبداد، ويتشرَّب العلمانية… ويعجز العقل عن رؤية النفس من الداخل، فيصيب الإنسان حالة “الكبر والهوى” فتضيع منه “الحكمة والهداية” يكون في صورة عصية جداً على من يحاول بناء دولة ومجتمع وإنسان رباني خالص لله سبحانه!

وعليه: فلا يجب أن يُصدم أهل البناء بما سيلقونه من نفوس عصية، وهاربة، وضائعة، وغريبة، ومتقلبة، وتائهة، ومضطربة، ومتناقضة، ومندفعة، وخاملة، ومحدودة الرؤية والنظر والتفكير. وإن إصلاح هذه النماذج يُمثل في حد ذاته “المعيار الحضاري” والتفوق الحقيقي للدولة المسلمة، فهي معنية ببناء الإنسان الرباني، وتوظف كل طاقاتها المادية والبشرية في هذه السبيل، وتعتبر خروج النموذج الصحيح هو معايير الفلاح في الدنيا، وليس هو مقاييس العلمانية الجاهلية.

ويصبح أمام أهل البناء عدة تحديات

التحدي الأول:

إصلاح ما يمكن إصلاحه مما فسد من الإنسان سواء في عقله أو في نفسه أو علاقته بالإسلام، والعمل على اتخاذ كل التدابير اللازمة للوقاية له من الارتداد، واستباق العلاج له… ومع ذلك لا يتوقع أهل البناء كبير استجابة أو ثمرة من هؤلاء، لأن هناك الكثير من الحالات قد فسدت قلوبها بتشربها “التام” للعلمانية، وعملية تطهيرها ربما لا تكفي ما تبقى من العمر!

التحدي الثاني:

وهو بناء الجيل الجديد على أسس نظيفة، وصحيحة، وربانية، غير متلوث بأي شيء خارج عن الإسلام وتصوراته سواء من الجاهلية المحيطة به، أو من العلمانية السائدة، وسيكون التحدي الكبير هو وجود “الكوادر” التي تفهم حجم وضخامة المسؤولية الملقاة على عاتقها في إخراج “جيل قرآني فريد“… سيعيد رسم حضارة البشرية كلها من جديد!

التحدي الثالث:

هو قدرة هذه الكوادر على “تطهير” نفسها-أو على الأقل لديها استعداد قوي للتطهر من الجاهلية واللوثة العلمانية التي قد تصيبها بفعل العدوى المنتشرة-حتى تستطيع أن تضطلع بمهمة ستكون علامة فارقة في بناء “الحضارة الربانية الإسلامية” من جديد؛ فيشرق في الكون فجر جديد تنتظره الإنسانية كلها.

ختامًا

“إن البشرية كلها في حاجة إلينا: في حاجة إلى عقيدة في الضمير، يستروح في ظلها من هذا الهجير القائظ، وليطمئن في رحابها من ذلك القلق، ويستقر في حضنها إلى قرار.

إن شجرة الحضارة البشرية تهتز وتترنح اليوم كما كانت تهتز وتترنح قبيل مولد “الرجل الذي وحد العالم جميعه” فما أشد حاجة البشرية إلى رسالة هذا الرجل لتنقذها مرة أخرى.

إن البشرية كلها في حاجة إلينا: في حاجة إلينا: في حاجة إلى عقيدتنا، وفي حاجة إلى مبادئنا، وفي حاجة إلى شريعتنا، وفي حاجة إلى نظامنا الاجتماعي، الذي يكفل الكفاية لكل فرد، ويكفل الكرامة لكل إنسان. ويكفل سلام الضمير وسلام البيت وسلام المجتمع. كما يكفل السلام الدولي العام.

Embed from Getty Images

ومن هذه الحاجة الإنسانية-بعد عقيدتنا في الله-نحن نستمد قوتنا وثباتنا على الدعوة إلى عقيدة الإسلام وشريعته ونظامه الاجتماعي الخاص، وسنثبت -بعون الله -ولو تخطفنا الشر والطغيان من كل مكان.

إن البشرية كلها في حاجة إلينا… ومن ثم تبدو جسامة الجريمة التي يرتكبها من يحاولون أن نذوب في أية حركة أو أية منظمة أو أي اتجاه داخل الوطن الإسلامي أو خارجه على السواء.

إن مهمتنا أن نتميز وأن نحمل الشعلة للضالين في شعاب الأرض وفي متاهات الصحراء.

إن مهمتنا أن ننقذ البشرية من الحمأة الأسنة التي تتمرغ فيها اليوم، لا أن نذوب معها في تلك الحمأة الأسنة والله معنا، والبشرية كلها ستعرف يوماً؛ أن نبوءة الله حق:

﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ” [البقرة: 143]


المصادر

سيد قطب، نحو مجتمع إسلامي

792

الكاتب

أحمد طه

كاتب ومهتم بالشأن الإسلامي.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.