إنه لمؤلمٌ ومؤلمٌ جدًا أن نستذكر ذلك التاريخ الذي يصوّر لنا سذاجتنا وخيانة بعضنا لنا وكذا اللطمات المتوالية والخبث والمكر الذي يتفاخر به أعداؤنا علينا… نعم حُقَّ لهم أن يفتخروا بخبثهم ومكرهم لأنهم أهلٌ للخُبث والمَكر، وحُقَّ لنا أن نبكي على ضعفنا وهواننا فقد كنا أهلًا للضعف والهوان.

إننا ننسى وبسرعة ثم ندفع ثمن نسياننا… ولو كنا لا ننسى لما تكرر واقعُ الأمسِ اليومَ ولما حاول بعضهم جرَّنا لِذات أخطاء الماضي، ولما تجرَّأ أحدٌ أن يعيد ذات السذاجة أو الخيانة حين نتحدَّث عن ثوراتنا في هذا الحاضر، إنها ثوراتنا التي نتعامل فيها مع ذات العقليات التي وجَّهت لنا اللطمات المتوالية منذ الثورة العربية الكبرى فحُفِرت مُهينةً في صفحات تاريخنا وأبَينا إلا أن ننساها ونقدِّم وجهنا من جديدٍ للطمةٍ أُخرى وأخرى وأخرى…

هكذا هم بعض البشر لا يتعلمون من درسٍ أول بل لابد من دروسٍ متواليةٍ وربما لن يتعلموا أبدًا، لأنهم يحبون أن يتِّصفوا بالتبعية بالغباء بالضعف والانصياع وإن لم يعلنوا ذلك، لم يريدوا لأنفسهم تألُّقا ورضُوا بأن يكونوا مع الخوالف والحجر. ومن يرضى لنفسه الدَّنِيةَ فلا تسألْه يومًا عن الحرية.

قصة اللطمات المتوالية

دعونا نستطلع تاريخ اللطمات المتوالية ونقارنه بواقعنا اليوم … وإنه ليمزِّق فؤادنا أن يخرج علينا مَنْ هم مِنْ بني جِلدتنا يصفِّقون كما صفق من قبلُ بعضُ السذج للورانس العرب ولسايكس وبيكو ولكل غربيٍّ طامعٍ في أرضنا … في عِزِّنا… في آمالنا، وأهدَوه الهدايا وجزءًا من تاريخنا لِيَصِمَه بالعار ويا له من عارٍ…

اللطمة الأولى: لطمة سايكس بيكو

أوهموهم أنهم في صفّ ثورتهم، مَوَّلوهم بالأسلحة والذخائر وأوغلوا توماس إدوارد لورنس (لورنس العرب)، ضابط الاستخبارات البريطاني بين صفوفهم لكسب وُدِّهم وللتخطيط والاستدراج، استحوذ على آمالهم لتحقيق آمال حكومته، لم يدفع لهم لورنس إلا وعود بريطانيا التي علَّق بها الشريف حسين تحقيق حُلمه بدولةٍ عربيةٍ مستقلةٍ يكون هو خليفتَها.

Embed from Getty Images

كانت الثورة العربية تضخ دماء أبنائها لإزاحة الأتراك وتسوية الأرض لجيوش أوروبا والعرب لا يدرون، وكانت المعاهدات والتقسيمات تدور على طاولات أوربا لينتزع كل طرفٍ جزءًا من تَرِكة الرجل المريض وهو الدولة العثمانية التي انهارت… وفي الأخير حققتْ أوربا حلمها في اغتصاب بلاد المسلمين بأرخص ثمنٍ، وبلا أدنى تعبٍ، فعمدتْ إلى تقسيمها دويلاتٍ تُهين فيها كرامتهم وتسفِك دماءهم وتنهب ثرواتهم وتنفي قاداتهم وتقيم عليها أطوَعَهم لأمرها…

وخرج الشريف حسين صفرَ اليدين لا خلافةٌ ولا استقلالٌ، كان الجميع يحلم بالثورة العربية الكبرى وبناء دولةٍ عَتِيةٍ، فانتهى بهم الأمر في قبضة المحتل أَذِلةً مستضعفين، ومنذ ذلك اليوم هل تعلمنا الدرس؟ الثورة كانت تريد أمرًا والغرب كان يريد أمرًا آخرَ ولكنهم أوهموا الثوار بأنهم في صفهم تمامًا كما يفعلون اليوم مع ثوراتنا. فكيف نقبل أن تتعلق ثوراتنا بمن مَكَر بثورتنا من قبلُ! وكيف نستأمن من خاننا ولم يفِ يومًا بالعهد!

ثورة مصر، ثورة تونس، ثورات الربيع العربي

علَّق الدكتور محمد كمال الدسوقي رحمة على الاتفاق الخبيث قائلًا : “إن اتفاق سايكس بيكو الذي ظلَّ سريًا ولم يُنشر إلا في شهر نوفمبر 1927 م 1336 ه على إثر قيام الثورة البلشفية، يُعدُّ في الواقع وليد الجَشَع في أبشع صوره، ويعد رمزًا للنكوص بالعهد، وعدم احترام العهود والمواثيق التي ارتبطت بها بريطانيا مع العرب، بل هي في الواقع صورةٌ خسيسةٌ لما يمكن أن يصل إليه الاستعمار من انحطاطٍ، بل إن بريطانيا على إثر فضح نصوص هذا الاتفاق كتبت إلى الشريف حسين في 8 فبراير 1918 م 1337 ه مؤكِّدةً أن شيئًا من ذلك لم يحدثْ، وأن مثل هذا الاتفاق لا وجود له، وأن تلك الصورة المنشورة لم تكن إلا مجرَّد محادثاتٍ قبل قيام الحرب”!!!! .

هل تساءل ثوارنا اليوم إن كان ثَمة اتفاقاتٌ تُحاك في الكواليس لم يسمعوا عنها؟ هل تأمَّلوا في التاريخ أن السذاجة هي أن تصدِّق عدوك وتأخذ منه العهود والمواثيق؟! هل أدركوا أنها مواجهةٌ تقوم على الخداع والكذب؟! فكيف نقبل بوعودٍ من الغرب وننتظر مستقبلًا خطَّ خُطَّتَه لنا الغربُ بعد كل الذي كان من مكرٍ!

اللطمة الثانية: لطمة وعد بلفور

وحقيقةً، لا يكاد عاقل يصدِّق منتهى الاستغفال الذي حقق به اليهود أغلى أحلامهم وأصعبها على الإطلاق بأهون الطرق وأرخص الأثمان، فبعد فشلٍ ذريعٍ لجميع محاولاتهم في إيجاد موطِئ قدمٍ لهم في فلسطين إبان الحكم العثماني، نجحوا أخيرًا بفضل بريطانيا وسذاجة العرب وخيانة بعض الأتراك، أن يدخلوا أرض فلسطين بِأَخَسِّ صفقةٍ قد يكون سجَّلها تاريخٌ، ليتجذروا فيها إلى يومنا هذا ويُحسب لهم ألفُ حسابٍ ولِنُحرم من دخول أرضٍ هي حقٌ لجميع المسلمين على الأرض.

بيت المقدس

لقد باعت بريطانيا أرضًا لا تملكها لقومٍ لا ينتمون إليها وبمعية قادةٍ منا سلموها فلسطين بِرِضًا أو بغفلةٍ! وكما قيل وعد بلفور هو وعد من لا يملك لمن لا يستحق! وهكذا بدلَ أن ينتفض الشريف حسين ومن معه ويدركوا حجم الخيانة التي يُضمِرها لهم البريطانيون واليهود ارتَمَوا في أحضان التبريرات وحسن الظن وطلبوا مجرد توضيحٍ لما وراء الوعد؟! ألهذه الدرجة كانت رؤيتهم ضبابيةً! في حين كانت في منتهى النقاوة والوضوح في أعين الغرب ويهود، ففي نوفمبر 1028 دخلت الجيوش البريطانية بقيادة اللنبي إلى القدس ليقول مقولته الشهيرة بل القاتلة لمن له قلبٌ: اليوم انتهت الحروب الصليبية!!

هل كانوا يحفظون تاريخهم أكثر منا ويصونون عهود أجدادهم بِقَسَمٍ أصدق منا، بينما نحن أبينا إلا التبعية للغرب والعلاقات الودية وحسن الجوار واتفاقات السلام نوقِع حتفنا بأيدينا!!

اللطمة الثالثة: تقسيم فلسطين في 1947

 لطمة قرار الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين في 1947، حين التَقَمَ العربُ الطُعم ووافقوا على تمكين الأمم المتحدة من رقابهم والفصل في مشاكلهم، لقد طالبوا الجلاد بأن يكون القاضي، كيف يمكن لأممٍ متحدةٍ هي بالأصل مَطِية الغرب ويهود أن تُقيم عدلًا أو تنصر مسلمًا مظلومًا! لقد فتحتْ الأمم المتحدة رغم أنف كل القادة العرب آنذاك الباب على مصراعيه لتقوم دولة إسرائيل وليكون أول من يعترف بها ويرحب بها أمريكا، وكأن التمثيلية بحاجةٍ لتوضيحٍ، كيف وقد حَظِيَتْ بكل المداراة والتصفيق!

Embed from Getty Images

فما بالنا اليوم ننتظر قرارات أممٍ متحدةٍ ومساعدات أممٍ متحدةٍ ورأفةً من أممٍ متحدةٍ ما زالت تقبع في أدراجها قراراتُ بعضِ إنصافٍ لأهلنا في فلسطين لم ترَ ولن ترى أي نورٍ ما دامت يهودُ هي الأحق بقرارات النصر. ما بالنا نأمل حلًا من أممٍ متحدةٍ سلَّمت بيدها العراق على طبقٍ من ذهبٍ للرافضة تسليمًا يزعمونه شرعيًا حسب معاييرهم الـ «لا عادلة»، ويتكرر ذات السيناريو مع سوريا ولبنان واليمن بكل صفاقةٍ ووقاحةٍ ونأبى نحن إلا التغافل والخضوع لنظام الغرب الكافر.

اللطمات المتوالية: اتفاق السلام وما تلاه

اتفاق السلام مع إسرائيل وما تلاه من اتفاقاتٍ للتطبيع. كامب ديفيد وأخواتها، هنا يَبرُز لنا كيف تغلغل اليهود بسهولةٍ ويُسرٍ ليفرضوا واقعهم ووجودهم، من شعبٍ بلا أرضٍ، إلى اغتصاب أحد أغلى المقدسات للمسلمين ثم لإعلان قيام دولتهم الخبيثة وإجبار المسلمين للرضوخ والتسليم لها… سَمَّوا الاستسلام للظلم سلامًا، واحتلال فلسطين حقًا لإسرائيل…. ومعاهدةً جديدةً معهم إنجازًا؟! معاهدة السلام

هل بعد هذا الهوان من هوانٍ، إنها اللطمات التي أوقعتْنا في غيبوبةٍ …. ليس لقوة عدوِّنا بل لغفلتنا اللامحدودة.  إنها الطريق الفاشلة التي أوصلتْنا إلى المنفذ المسدود، وليتنا واصلْنا طريق عبد القادر الحسيني وعز الدين القسام وإخوانهم الذين أَبَوا الخنوع والتسليم ليهود والغرب فقادوا ثوراتهم بجهادٍ مؤثرٍ -لو لم يُؤدْ بمَكرٍ-… لو فعلنا لكان بكل تأكيدٍ حاضر فلسطين مختلفًا. فهل نتَّعظ من هذا في واقعنا اليوم.

427

الكاتب

د. ليلى حمدان

كاتبة وباحثة في قضايا الفكر الإسلامي، شغوفة بالإعلام وصناعة الوعي، صدر لي 10 كُتب حتى الآن (نجوم على الطريق، صفحات من دفتر الالتزام، إليكِ أنتِ، قبس من خاطر، أمريكا التي رأيت، قراءات مختصرات، المختصر في الملاحم والفتن، خربشات على جدار الصمت، القطوف (صيد المقالات) وصناعة الهمة).

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.