الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على النبي المصطفى والرسول المجتبى، وعلى آله وصحبه أهل الوفا وبعد: إنها قصة التضحية والفداء. إنها ملحمة الاستلام لله والرجاء. إنه الإيمان وكفى!! إنها قصة إسماعيل وأبيه إبراهيم-عليهما السلام-.

صح عن نبينا وحبيبنا محمدًا أنه قال:

أنا ابن الذبيحين [1]

فمن هما الذبيحان؟ وما قصتهما؟

فلنبدأ من البداية.. لقد امتحن الله نبيه إبراهيم-عليه السلام-بامتحانين عظيمين، وكلتاهما غاية في الشدة والابتلاء، أولهما محنة النار والإلقاء، وثانيهما محنة الذبح والفداء، حيث كوفئ إبراهيم عند اجتيازه المحنة الأولى بالبشارة بالغلام الحليم ثم أتبعه بقصة الذبيح وبشره بالفداء والذبح العظيم وزاده بشرى أخرى بإسحاق نبيًا من الصالحين.

ومن المعلوم بالضرورة الشهادات الربانية والأوسمة الإلهية التي أعطيت لإبراهيم وإسماعيل، وقد أقبل إبراهيم-عليه السلام-على ربه بقلب مخلص موحد خال من شوائب الشك، نافر من الشرك ومن جميع النقائص كالغل والحسد والكبر، كما أنه جمع مكارم الأخلاق، وكان أمة لوحده فانظر إلى وصف الله.

له قال تعالى: “إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ” [2]. وأما إسماعيل-عليه السلام-أول ولد بشر به إبراهيم وكان عمره يومئذ ست وثمانون سنة، ولما نجّا الله إبراهيم من إحراق النار، وأيس من إيمان قومه قرر مفارقتهم وهاجر من بلاد بابل إلى بلاد الشام المباركة، وفي أثناء الهجرة دعا ربه أن يرزقه الذرية الصالحة  لتكون عونًا له على الطاعة، وأُنسًا في الغربة، وعوضًا على قومه، وكان وقتئذ وحيدًا فكانت البشارة بالغلام انطوت فيه ثلاث خصال:ː

  1. أنه غلام ذكر.
  2. أنه سيبلغ معه سن الرشد
  3. أن يكون حليمًا في كبره.

التضحية

ومن أروع أمثلة التضحية والفداء التي قصها علينا القرآن الكريم ما جاء في سورة الصافات من نبأ إبراهيم وإسماعيل-عليهما السلام-

فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاء الْمُبِينُ (106) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (107) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (108) سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (109) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (110) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (111) وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَقَ نَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ (112) وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَقَ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ مُبِينٌ (113) [3]

حين كبر إسماعيل، وبلغ سن من يقدر على التكسب، أخبره أبوه بما رآه في المنام من أن يذبحه، ورؤيا الأنبياء حق. وقد أخبره بذلك ليستعد لتنفيذ أمر ربه فيكسب مثوبة الانقياد، وليعلم صبره لأمر ربه فدعاه إلى نظر العقل لا البصر.

“يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ” حيث الأمر بالذبح أمر ابتلاء لإظهار عزمه وعلو مرتبته فبعد الإجابة أمره بذبحه بيده، وهو أحب النفوس إليه مقابل ذلك الامتثال، وهذا معنى البلاء المبين. ويأتيه جواب الابن: “قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِين” يقل: اذبحني، للجمع بين الإذن وتعليله أي أذنت لك أن تذبحني لأن الله تعالى أمرك بذلك، ففيه تصديق أبيه وامتثال أمر الله تعالى  فيه، وفي تحديد من الصابرين مبالغة في اتصافه بالصبر وتأكيد لوصفه السابق بالحلم.

فلما سلما أمرهما إلى الله تعالى، انقيادًا لحكمه، وتفويضًا إليه في قضائه، وكان استسلام إبراهيم بالتهيؤ للذبح، واستسلام إسماعيل بطاعة أبيه فيما بلغه عن ربه. “فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ”، أي وضعه بقوة على وجهه، ووجهه إلى القبلة، وحين أضجعه للذبح جاءه النداء أن قد حصل المقصود من رؤياك، وتحقق المطلوب.

والرؤيا اسم لما يُرى من قِبل الله تعالى، والحلم اسم لما يُرى من قِبل الشيطان وفي الصحيحين:

  الرؤيا من الله والحلم من الشيطان. [4].

نعم الله على إبراهيم

وفي الآيات تعداد لنعم خمسة أنعم الله تعالى بها على إبراهيم-عليه السلام-:ː

أولها

الإحسان إليه، فقد جازاه بالعفو عن الذبح حين صبر محتسبًا، وكذلك يجزي الله كل محسن ويجازيه على طاعته ويفرج همه وكربته.

ثانيها

افتداء الذبح وذلك بتقديم الكبش العظيم.

ثالثها

الثناء الجميل عليه فقد بقي ذكرًا حسنًا في الأجيال المتلاحقة، قال تعالى حاكيًا طلب إبراهيم-عليه السلام-: وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ [5]

رابعها

البشارة بإسحاق، فقد وهبه الله إياه بعد إسماعيل، وجعله نبيًا صالحًا.

خامسها

مباركة إبراهيم وإسحاق، فقد أمدهما بالنعم والبركات الدنيوية والأخروية من كثرة الولد والذرية، وإن من ذريته محسن فاعل للخير وظالم لنفسه [6].

قصة التضحية والفداء دروس وعبر

  • مشروعية الدعاء بالولد.
  • وجوب الهجرة على المؤمن إذا لم يتمكن من القيام بشعائر دينه على الوجه المرضي.
  • أصل الدين واحد، وهو الإسلام الذي نادت به الرسالات السماوية كلها في دعوتها إلى الإيمان بالله وتوحيده، والإيمان بالرسل واليوم الآخر والحض على أصول الأخلاق.
  • التعريض والتورية والإيهام جائز إذا كان في ذلك مصلحة شرعية، وإن في المعاريض لمندوحة عن الكذب، كما في الإصلاح بين المتخاصمين.
  • وجوب تغيير المنكر عند القدرة عليه، لقوله  ː«من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع بيده فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، ودلك أضعف الإيمان »[7].
  • المسلم لا يطلب البلاء، والواجب سؤال الله تعالى العافية منه، وليصبر وليحتسب.
  • الحوار وسيلة مهمة لتبادل الأفكار والحصول على القناعات، والحوار الأسري يضمن سلامة أفرادها وحسن تعاملهم مع بعضهم البعض.
  • قصص الأنبياء من وسائل الثبات على دين الله، “وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ۚ وَجَاءَكَ فِي هَٰذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ” [8].
  • الاستسلام لله والخضوع لأوامره هو عنوان كل فلاح في الدنيا والآخرة.
  • إن إبراهيم الخليل كان أمة مستقلة في فكره، ودعوته ومنهجه،وصبره وعبادته، وسلامة قلبه يؤيد ذلك قول الحق سبحانه “إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِّلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ” [9].

تلك عشرة كاملة أهديها لكم.

ختاما: أيها الإخوة الكرام

الدنيا دار عمل وابتلاء، وليست دار نعيم وجزاء، وقد فقهها  إبراهيم  الذي هو أبو الأنبياء، وصاحب الملة الحنيفية السمحاء، فلعمري إنه قدوة كل مهاجر، خليل الرحمن، محطم الأوثان، ومكرم الضيفان. فهلا تعلمنا منه الإيمان، التوكل، الرضا،  الصبر والاستسلام لله تعالى.


الهوامش:

[1]– فتح الباري، العسقلاني، باب رؤيا إبراهيم 12/395

[2]– سورة هود الآية 75

[3]– سورة الصافات من الآية 102 إلى الآية 113

[4]– البخاري – الصحيح ، كتاب التعبير، باب الحلم من الشيطان، رقم الحديث:6488

[5]– سورة الشعراء الآية 84

[6]– التفسير الموضوعي لسور القرآن الكريم، إعداد نخبة من علماء التفسير وعلوم القرآن، إشراف أ.د  مصطفى مسلم ،جامعة الشارقة، 2010،ص 394.

[7]– أخرجه مسلم في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري  مرفوعا، كتاب الإيمان، باب كون النهي عن المنكر من الإيمان، رقم الحديث:70.

[8]– سورة هود الآية 120.

[9]– سورة النحل الآية 120.

692

الكاتب

عبد الغني حوبة

أستاذ بمعهد العلوم الإسلامية جامعة الشهيد حمه لخضر الوادي-الجزائر، خطيب بمسجد الصحابة تكسبت الوادي، ماجستير شريعة وقانون تخصص قانون دولي إنساني.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.