عرض مختصر لأهم ما جاء في دراسة “الإسلام والإرهاب متابعات سياسية وإعلامية وإحصائية في الميديا الغربية”   د.أكرم حجازي.


في ظل نظرية المؤامرة التي كست العقل الجمعي للشعوب أصبح لدينا تبريرًا جاهزًا لكل ما نمر به من أحداث: نعم… إنها المؤامرة الكونية الكبرى!

لذلك… وانطلاقًا من مصداقية المصادر والأرقام: نحن هنا لنخبرك أن الأمر ليس مؤامرة كما يحب أن يروج له البعض، وليس ثمّة دليل على أن الغرب والولايات المتحدة الأمريكية يحملون نوايا الخير لنا ويرجون السلام الدائم معنا، فقد بات الأعداء والخصوم والانتهازيون من شتى الأطياف الأيديولوجية والعقدية، حتى المصنفة على قوائم الإرهاب الأمريكية والدولية، يستعملون مفهوم «الإرهاب» بلا أية روادع تذكر إذا ما تعلق الأمر بـ “الإسلام والمسلمين”.

حرب صليبية ضد الإسلام

إذا لم يكن الأمر ليس مؤامرة وليس رغبة في السلام الدائم، إذًا ماذا يكون؟ أليس هذا هو ما جال بخاطرك الآن؟ إذًا فإليك الإجابة، يذكرها لك جورج بوش الابن:

 «هذه الحرب الصليبية، هذه الحرب على الإرهاب، سوف تستغرق بعض الوقت»

نعم هذا ما قصدنا منذ البداية، فهم ليسوا في موضع الضعف ولا نحن في موضع القوة الذي يفرض عليهم وعلينا التعامل بمنطق المؤامرات، إنهم يعلنونها صريحة ليل نهار، بلا أي وجل: «هي حرب صليبية، حرب عقدية، حرب للمصالح في بعض الوقت، لكنها بدون أدنى شك معركة وجودية وحيدة الاحتمال: إما نحن أو هم»

بيولوجيا الإرهاب

لم يطفو مصطلح الإرهاب على السطح بين عشية وضحاها، بل كان مقترنًا بتدرج يعرفه من عاصر الحرب الباردة بين القطبين، حيث تزعمت الولايات المتحدة وما يدور في فلكها من الدول الرأسمالية والاستعمارية حربًا إعلامية هوجاء على الاتحاد السوفيتي. ووصف كل حركات التحرر التي يدعهما الاتحاد بأنها “حركات إرهابية” لا تراعي ذلك الوهم-القابل للتغير حسب المصالح-والمسمَّى “حقوق الإنسان”. وعلى العكس تمامًا تمتعت الاعتداءات الأمريكية التي لا يحركها إلا الثروات الطبيعة بتسمية مقنَّنة حيث أُطلق عليهم «مقاتلون من أجل الحرية».

Embed from Getty Images

ومع ظهور الحركات الإسلامية الجهادية ذات التوجه القطري أو العالمي ما لبث أن عمَّ مصطلح «الإرهاب» الكون وأصبح للجميع الحق في إطلاق ذلك المصطلح على كل ما يمّت للإسلام بصلة، وكأن الإرهاب ذا أصول بيولوجية من نسل الإسلام. فليس هناك أسوأ من امتلاك أذرع إعلامية، وآلة قمعية وحشية، لا يحكمهما دين أو شرع أو عرف، ولا أي شيء سوى المصلحة، والمصلحة فقط. وحتى لا يكون حديثنا مجرد اتهامات أو تخيلات سنستعرض بعض التصريحات التي تؤكد ما أسلفنا.

الموقف الرسمي الأمريكي

كتب الأدميرال المتقاعد، جوزيف فيزي، مقالة في «الواشنطن تايمز – ٤/ ١٠/ ٢٠١٤» اعتبر فيها أن: «سياسة الضربات الجوية المتبعة ضد تنظيم الدولة في كل من العراق وسوريا، مصيرها الفشل كالذي لحق بالحرب الأميركية على فيتنام». وللخروج من مأزق «الدعوة الدينية العدائية» اقترح الأدميرال على الرئيس أوباما: «البدء بمبادرة دبلوماسية لإقناع القادة السياسيين في الدول الإسلامية لتضافر الجهود لقمع أيديولوجية التعصب والحقد»

Embed from Getty Images

أما الهدف الأول والأخير من هذه المبادرة، حيث بيت القصيد، فهو:

«الاتفاق على رؤية بديلة ومقنعة للإسلام كدين سلام حقيقي»

وفي سياق الحملات الانتخابية الرئاسية في الولايات المتحدة قال الملياردير، دونالد ترامب، إن: «الإسلام في أميركا مشكلة يجب التخلص منها». وفي وقت لاحق تعهد المرشح الجمهوري، خلال مناظرة لانتخابات الرئاسة لسنة ٢٠١٦، والذي يطالب بـ «إعادة احتلال العراق»، بـ: «إغلاق المساجد إذا ما فاز بالانتخابات». وعند سؤاله في مقابلة مع شبكة «فوكس بيزنس 22/10/2015»، عن مدى قدرته على إغلاق مسجد في بلد يحترم الحريات الدينية، رد بقوله: «في الحقيقة لا أعرف… بالتأكيد سننظر في الموضوع لاحقا»!

الموقف الرسمي الفرنسي

لم يختلف الموقف الفرنسي كثيرًا عن نظيره الأمريكي حيث صرح الرئيس الفرنسي، نيكولا ساركوزي: «ينبغي أن يتمكن مواطنونا المسلمون أن يعيشوا ويمارسوا دينهم، كأي مواطن آخر… لكن لا يمكن أن يكون ذلك إلا إسلامًا فرنسيًا، وليس إسلامًا في فرنسا»

Embed from Getty Images

وفي نفس الصدد تحدث وزير الداخلية، برنار كازنوف في اجتماعه مع مسؤولين مسلمين من عشرة اتحادات إسلامية وخمسة مساجد كبيرة لإدانة هجمات باريس، حيث خاطب الوزير الفرنسي المجتمعين قائلًا: «إن مسؤوليتكم إحياء هذا الإسلام المستنير لنبذ النفاق الروحي للإرهابيين ومن يتبعونهم… أنتم الأفضل شرعية وتأهيلا لمحاربة تلك الأفكار القاتلة، علينا حماية شباننا من انتشار هذا الحمق، فكروا فقط في التأثير الذي يمكن أن يقدمه هذا الإسلام التقدمي لبقية الإسلام في العالم»

الموقف الرسمي الإسرائيلي

في سياق الحروب على العالم الإسلامي، حيث تتكشف المواقف أكثر، وبعد٥١ يومًا من الحرب اليهودية على غزة، وسط الحديث عن التسويات والإعمار ونزع السلاح، كان لوزير الخارجية «الإسرائيلي»، أفيغدور ليبرمان، تصريحًا شذ فيه عن كل سبل المجاملات الدبلوماسية والنفاق السياسي والإعلامي، حين قال في «لقاء ٧/٩/ ٢٠١٤» مع صحافيين «إسرائيليين» إن: «نزاعنا ليس مع الفلسطينيين، جزء من سبب الفشل هو أن تشخيص النزاع غير صحيح. نزاعنا ثلاثي الأبعاد، وهو مع العالم العربي والفلسطينيين وعرب إسرائيل. إننا بحاجة للتوصل إلى اتفاق شامل يضم العناصر الثلاثة معًا»

الموقف الرسمي الروسي

رافق الإعلان الرسمي عن تدخلهم العسكري في سوريا (2015/9/30)، دعما صليبيًا صريحا من الكنيسة الأرثوذكسية الروسية وصل إلى حد وصفه بـ «الحرب المقدسة». ونقلت «وكالة إنترفاكس» الروسية للأنباء عن رئيس قسم الشؤون العامة في الكنيسة، فسيفولود تشابلن، قوله:

«إن القتال ضد الإرهاب هو معركة مقدسة اليوم»

Embed from Getty Images

وحتى تركيا التي لا تتبع منهجًا إسلاميًا كاملًا ولكن الطابع الإسلامي بدأ يسود فيها، لم تسلم من الروس، فقد جاء رد بوتين في أعقاب 2015/11/24 حيث إسقاط المقاتلات التركية طائرة روسية مقاتلة، ردا على اختراقها المجال الجوي التركي، انتقد بوتين السلطات التركية قائلًا: «إنها تتبع في السنوات الأخيرة بشكل مقصود… سياسة أسلمة الدولة التركية»

فما كان من الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، إلا الرد بالقول: «إن ٩٩% من الشعب التركي مسلم، فكيف يقال إن هناك أسلمة؟!… فهل يحق لنا اتهام روسيا بالتنصير وهناك ثلاثون مليون مسلمًا في روسيا؟»

شهادة بعض المفكرين والمراكز البحثية

Sufyan bin Uzayar

في مقالة بعنوان : «الغرب يخاف من هيمنة الإسلام لذلك يستمر في اتهامه بحرب الجميع» جاء حديث Sufyan bin Uzayar مشتملًا على نقطتين:

  1. تجاهل المسلمين أنفسهم لما حققه الإسلام في تاريخه من القدرة على الوقوف بوجه القوى العدوانية العاتية في التاريخ الحديث. «أولًا، الإسلام ليس في حرب لا مع نفسه ولا مع الغرب. ولكن، الشيء الوحيد الذي يزعج الغرب هو أنّ الإسلام يمثل الخطر الوحيد القابل للتطبيق لخططه للهيمنة على العالم. فلعدة قرون، وقف الإسلام بقوة في وجه الإمبرياليين والإمبراطوريات الفاسدة-الرومان والمصريين والفرس والمغول، وغيرهم! -واليوم، يدرك تيار الاستعمار الجديد أنّ الإسلام لديه الشجاعة لمواجهته؛ وبالتالي يحاول إبراز أنّ الإسلام هو العدو»
  1. تصرف المسلمين وكأنهم مذنبون، يتوجب عليهم الاعتذار الدائم للغرب، والدفاع عن أنفسهم في كل حين «ثانيًا، المسلمون ليسوا ملزمين بأن يعلنوا بأعلى أصواتهم أنهم يسعون لتحقيق السلام، وليس الإرهاب».

Embed from Getty Images

وفي هذا السياق يتساءل: «لماذا يجب أن نسير في جميع أنحاء العالم ونخبر الناس ما نؤمن به وما لا نؤمن به؟ الأهم من ذلك، لماذا يجب أن نحرص على تبرير أنفسنا في كل يوم؟ متى كانت آخر مرة فسَّرت الولايات المتحدة الأمريكية معاملتها للمجتمعات اللاتينية والسود هناك؟ متى كانت آخر مرة اعتذر الناتو عن أفعاله في جميع أنحاء العالم؟ متى كانت آخر مرة اعتذر الغرب عن سرقة الأفارقة في بلدانهم؟».

نعوم تشومسكي

ولطالما كان عالم اللسانيات الأمريكي، نعوم تشومسكي نشطًا وصريحًا في إدانة السياسات الغربية وكشف جرائمها. وفي تقريره عن سلسلة الحوارات التي أجرتها معه اقتبست صحيفة «لوتون– ١٥/٦/٢٠١٥» هذا التصريح، حيث قال تشومسكي:

الجميع يعتقد أن معاناة الشعب الكمبودي انطلقت مع النظام الشيوعي والمجازر التي حدثت بين سنتي ١٩٧٥ و١٩٧٩، لكن العالم يجهل أن المعاناة انطلقت قبل ذلك بسنوات، عندما طلب وزير الخارجية الأمريكي، هنري كيسنجر، بقصف المناطق السكنية في كمبوديا، فيما يشبه الدعوة “لارتكاب مجازر تطهير عرقي

Embed from Getty Images

«بهدف ثني كمبوديا عن التفكير في مساندة جارتها فيتنام في حربها ضد الاحتلال الأمريكي، وسقط ملايين البشر ضحايا القتل بدم بارد في هذه “المجزرة الاستباقية”، التي لم تتوقف إلا بعد فضحها من صحيفة نيويورك تايمز»

Jeffrey D. Sachs

صرح المستشار الخاص للأمين العام للأمم المتحدة بشأن الأهداف الإنمائية للألفية، Sachs .D Jeffrey في مقالته «الحرب ضد الإسلام المتطرف 15/1/2015»، والتي كتبها على مقربة من الهجوم على صحيفة «شارلي إبيدو» الفرنسية، قائلا: «نحن في الغرب نكره الاعتراف -بل ويرفض أغلبنا أن يصدق- بأن زعماءنا: أسرفوا بشكل صارخ في حصد أرواح المسلمين طيلة قرن من الزمان، في حروب ومواجهات عسكرية لا حصر لها أشعلتها قوى غربية قاهرة، لتأكيد وإدامة السيطرة السياسية الغربية على المنطقة».

وأضاف: «قبل أن يضرب الإرهاب الإسلامي الغرب بفترة طويلة، كانت المملكة المتحدة وفرنسا والولايات المتحدة تعتمد على الخداع والمغالطات الدبلوماسية، والانقلابات المدبرة، والحروب، والعمليات السرية في الشرق الأوسط لتأكيد وإدامة السيطرة السياسية الغربية على المنطقة»

ويتابع الكاتب رصد الموقف على الجهة الأخرى فيقول: «من منظور الجهاديين: تتسم الحياة اليومية بالعنف الشديد. فالموت منتشر، وهو يأتي غالبًا مع القنابل والطائرات بدون طيار وقوات الولايات المتحدة وفرنسا وغيرهما من القوى الغربية، والضحايا في الغالب هم الأبرياء.»

Embed from Getty Images

كما تابع حديثه مؤكدًا على أن الغارات الغربية التي تضرب البيوت، وحفلات الزفاف، والجنازات، والمناسبات المجتمعية تخلف أضرارًا جانبية كبيرة. كما أكد على أن: «كل الهجمات الإرهابية تقريبًا-التي وقعت في الغرب أو ضد سفارات غربية أو موظفين غربيين-كانت مصحوبة برسالة تؤكد: أنها رد انتقامي لتدخل الغرب في الشرق الأوسط»

غوردون آدامز

الأستاذ في العلاقات الدولية بالجامعات الأميركية، غوردون آدامز، في مقالة له بمجلة «فورين بوليسي» الأميركية، يقول:

«التطرف الإسلامي” في فرنسا والشرق الأوسط هو رد فعل “كارثي” على التاريخ، وليس فقط ردًا على القصف الجوي الفرنسي لسوريا… هذا التاريخ يفسر مشاعر الفرنسيين المتناقضة تجاه الإسلام وهؤلاء المهاجرين»

Embed from Getty Images

فضلا عن أن «فرنسا عاملت مسلميها بشكل سيئ وكانت النتيجة توترًا، وعنفًا وتطرفًا وسط اليمين الفرنسي والنشطاء المسلمين جميعهم» مؤكدًا أن: «العقل الفرنسي كان انتقائيا في علاقته بتاريخه وقد تنكر للصراع الطويل، والإمبراطورية، والحرب الدينية، والتدخل الاستعماري، وعدم الاحترام، والتمييز العرقي والغزو والتي وسمت العلاقة بين فرنسا والعالم الإسلامي»

باختصار

كان من الممكن التعامل معهم وفق قول الله عز وجل

﴿ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ﴾، [الكافرون: ٦]

لكنهم يصرون على الوصاية على الدين الإسلامي، وتعميم ثقافتهم على المسلمين كما باقي أمم الأرض وشعوبها! بل إن ثقافة العولمة لم تعد تتقبل أية خصوصية ثقافية لأية مجموعة بشرية!

وكأن على الوجود الإنساني، أفراد وجماعات ودول ومؤسسات، أن ينصهر في الثقافة الغربية، كما لو أنه مجرد نسخة منبتة عنها، والتي لا تنفك عن الترويج لمفاهيمها الأسطورية نظريًا، والاستعمارية تاريخيًا، والإقصائية واقعيًا، من قبيل «التعددية» و «التنوع» و «التسامح» و «حق الاختلاف»، وفي هذا السياق بالضبط يقع ما يطلقون عليه «قيم الإسلام المعتدل»، والذي يتوافق تماما مع الغرب والحداثة.


المصادر

د. أكرم حجازي،الإسلام والإرهاب: متابعات سياسية، وإعلامية، وإحصائية، في الميديا الغربية، منتدى المفكرين المسلمين ومركز العصر للدراسات الاستراتيجية والمستقبلية 2016.

يمكن تحميل الدراسة من الرابط بالأسفل هنا

1286

الكاتب

دينا راغب

مهندسة حاسبات ونظم تحكم، كاتبة لمقالات رأي، ومحررة للأخبار، أهتم بقضايا المسلمين والمستضعفين، وأهوى القراءة والتدوين. ببساطة: أحلم خارج المسارات.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
مشاركة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.