الإسلام وهوية المجتمع: من الصعود إلى الأُفول

Want create site? Find Free WordPress Themes and plugins.

دخل ربعي بن عامر على عظيم فارس فقال له: إن الله ابتعثنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة.
إن كلمات الصحابي الجليل على قِصرها تُفصح عما يُضمِرُه قلب هذا الصحابي وغيره من الفاتحين الذين رفعوا راية الجهاد ضد أعداء الإسلام، فهم يدعون إلى عبادة الله الواحد، حق عبادته، كذا لا تُظهر أي تهديدٍ لعرش الملك الفارسي ولا لقوانين مجتمعه أو غيره من الملوك، وإنما يريدون أن يصلوا إلى الناس ويبلغوهم كلام الله ورسالة نبيه.

وعلى بساطة هذه الكلمات وعدم ذكرها لأي مظاهر لتغيير لهوية المجتمع، إلا أن الناظر في تاريخ الشعوب التي دخلت الإسلام والمتتبع لقوانينهم الاجتماعية يرى كيف أثر الإسلام في هوية المجتمعات التي حكمها، ليس تغييرًا عقائديًا وشعائريًا فحسب، بل وتغييرًا اجتماعيًا حقيقيًا، تغيرت خلاله هوية المجتمع وقوانينه وتغيرت أسس المجتمع وسياساته وطموحاته، وطال هذا التغيير هوية المجتمع ولغته التي يعبر بها عن نفسه.

“إن الدعوة الإسلامیة – على ید محمد رسول الله صلى الله علیه وسلم- إنما تمثل الحلقة الأخیرة من سلسلة الدعوة الطویلة إلى الإسلام بقیادة موكب الرسل الكرام .. وھذه الدعوة على مدار التاریخ البشري كانت تستھدف أمراً واحداً: ھو تعریف الناس بإلھھم الواحد وربھم الحق، وتعبیدھم لربھم وحده ونبذ ربوبیة الخلق”.

كيف غير الإسلام المجتمع؟

(اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ ۖ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا ۖ وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ ۚ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ).

جاء الإسلام ليعيد البشر إلى فلك التوحيد الخالص بعد أن ملئت الدنيا قلوبهم وأزينت في عيونهم وأصبحت المادية هي النموذج المهيمن عليهم، فجاء الإسلام ليعيد البشرية إلى نصابها الصحيح، فلا يهيمن حب الدنيا الذي ملأ قلوبهم على التعلق باليوم الآخر الذي سيحاسبون فيه أمام الله، ولا يتركوا الدنيا وزينتها التي أحلها الله لهم، بل ليكونوا بين ذلك قواما.
تمثل هذا النموذج المتوازن في المجتمع المسلم في صور شتى، سنذكر منها:
1-العدالة الاجتماعية التي أرسى الإسلام دعائمها.
2-لغة القرآن وتأثيرها علىى لغة البلاد المفتوحة.

ظهر الإسلام في المجتمع الجاهلي الذي يتعامل مع العبيد على أنهم عقارات وأملاك لهم وحدهم وليس لهم إرادة في تقرير مصائرهم، فكانوا يتعرضون لشتى أنواع التعذيب والتنكيل لأقل الأخطاء وأبسطها، كذا إذا وُلِدَ لأحدهم فتاة، يتوارى من الناس كأنها سُبة ويسعى لإزالة عاره عند ولادتها بدفنها حية “وإذا بُشر أحدهخم بالأنثى ظل وجهه مسودًا وهو كظيم.”
لكن تعاليم الإسلام غيرت تلك الطبقية المجتمعية التي لا تنشئ مجتمعًا سويًا، فجعل عتق العبيد كفارة لكثير من الذنوب، كما وضع أسلوب المكاتبة، ليكاتب العبد مولاه، حتى يحصل على حريته.
لكن الإسلام عندما جاء لهذا المجتمع محملًا بمبدئٍ أساسي ألا وهو: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَلَا إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ، أَلَا لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ، وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلَا لِأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلَّا بِالتَّقْوَى، أَبَلَّغْتُ ؟ قَالُوا: بَلَّغَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ).

كذا كرم الإسلام المرأة وساوى بينها وبين الرجل في الحقوق والواجبات “من عمل صالحًا من ذكرٍ أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبةً ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون.”
ومن مظاهر تكريم الإسلام المرأة أن ساوى بينها وبين الرجل في الحقوق والواجبات، فحملها المسؤولية في الإيمان بالله، وفي التكليفات الشرعية من صلاة وزكاة وصيام وحج، كذلك اشتركت المرأة في الجهاد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فكانت تقوم بمداواة الجروح، وما يناسبها من أعمال، فعن أم عطية الأنصارية قالت: “غزوت مع النبي سبع غزوات أخلفهم في رحالهم، فأصنع لهم الطعام، وأداوي الجرحى، وأقوم على المرضى”، وعن الربيع بنت المعوذ قالت: “كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم نسقي، ونداوي الجرحى، ونرد القتلى إلى المدينة.”
لغة القرآن.

نزل القرآن بلسان قريش الفصيح، فجاوزهم فصاحة وبلاغة وحسن بيان، بل وحاجّهم أن يأتوا بسورة، فما استطاعوا إليها سبيلًا، أو أن يجاروه في آية واحدة، فما أسعفتهم لغتهم، فكان معجزة في الفصاحة والبلاغة.

ونظرًا لانتشار الإسلام مع الفتوحات الإسلامية التي جابت الأرض شرقًا وغربًا وشمالًا وجنوبًا، فقد اهتم أصحاب البلاد المفتوحة بتعلم اللغة العربية، لغة القرآن ولسان النبي، فدونها لا يفهمون كلام الله ولا مراده، فانتقل لسان النبي ولغة القرآن إلى معظم البلاد المفتوحة، فتحولت لغتها وثقافتها وعاداتها وتقاليدها بشكل كبير إلى الثقافة العربية الإسلامية، وباقي البلاد التي لم تتخذ من العربية لسانًا، فقد استعاضت عن ذلك بكتابة لغتها بالحروف العربية مثل الفارسية والتركية والأردية.

لم يؤثر الإسلام لغويًا بنشر اللغة العربية بين معتنقيه فقط، وإنما أثر في اللغة العربية ذاتها، فقد أعطى لكلمات تفضيلًا على كلمات أخرى، اعتُبِرَت أقل بلاغة، لأن القرآن أضحى هو مصدر البلاغة وحجتها، كلماته هي الأبلغ والأفصح، وغيرها التي في نفس معناها، أقل بلاغة.
فقد كان العرب يطلقون على “السكين”=”مُدية”، لكن القرآن قد استخدك كلمة سكين(وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّينًا)، فأضحت هي البليغة والفصيحة، و”مُدية” أقل فصاحة.
كذا أعطى لكلمات معنى آخر اصطلاحيًا فمثلًا، “الصلاة” لغويًا تعني: الدُّعاءُ، أما الصلاة في المعنى الشرعي فهي “أقوال و أفعال مُفتتحة بالتكبير مُختتمة بالتسليم”، كذا كلمة “زكاة” و”وضوء” وغيرهما الكثير من المصطلحات التي أكسبها القرآن معاني جديدة، أو غير معانيها، فأحدث تغيرًا لغويًا لا نزال إلى الآن نشهده ولا يستطيع أحد أن يأتي بمثله.

الهجمات الاستعمارية والتحديث والتغيرات المجتمعية

تعتبر الحملة الفرنسية التي وطئت مصر عام 1798 هي أولى الحملات الاستعمارية التي استهدف قلب العالم الإسلامي، وأحد أهم معاقله، فنزل الفرنسيون إلى أرض الكنانة وخاضوا معارك كثيرة ضد المصريين، تحت قيادة شيوخ الأزهر وكبار الأعيان والتجار، وقلة من المماليك الذين لم يهربوا ولم يستمِلهم “نابليون بونابارت”، ودامت الحملة لمدة 3 سنوات، لاقت خلالها مقاومة شعبية حقيقية، كبدت الحملة خسائر فادحة، ثم إنجلت عن مصر في عام 1801.

لكن الاحتلال الإنجليزي الذي أراد ضم مصر لمملكته الكبيرة، فدخلها في عام 1882 قد استمر قرابة السبعين عامًا، لم يواجه صعوبات تُذكر إلا في بداية الاحتلال، حين واجهه أحمد عرابي في التل الكبير وفي كفر الدوار، وبعدها أصبح وجوده راسخًا، ودون قلائل تؤرق مضجعه، إلا من بعض عمليات للفدائيين لم تكن ذا تأثير

لم يكد يمر واحد وثمانون عامًا على جلاء الفرنسيس حتى جاء الإنجليز، وتبدلت كل طرق المقاومة، مع الأخذ في الاعتبار أن الحملة الفرنسية قدمت ومعها مدافع وأسلحة نارية لم تكن بحوزة المصريين، وأن الإنجليز عندما قدموا كان لدينا جيش نظامي بكامل عدته وعتاده وعلى أرضه التي يعرفها، إلا أنه بعد خسارة أحمد عرابي ونفيه أصبح دمية في يد الإنجليز واستخدموه بعد ذلك في مقاومة المهدي السوداني.

يظهر جليًا الفرق في رد فعل المجتمع في كلتا الحالتين، في الأولى بعد هزيمة المماليك وانكسار شوكتهم، لم تنطفئ المقاومة، بل استمرت المقاومة الشعبية، وشاركهم فيها رجال الدين من الأزهر وكبار الأعيان والتجار، أما الثانية، فيظهر فيها كيف بعد هزيمة الجيش لم تكد ترى أثرًا للمقاومة سوى بضع محاولات غير منظمة وغير مجدية، يبدو أن الشعب الذي قام بمقاومة الفرنسيس قد تبدل بآخر، لم يرفع سلاحًا على الإنجليز “دخل الإنكليز مصر بأسهل ما يدخل به دامر على قوم ، ثم استقروا ولم توجد في البلاد نخوة في رأس تثبت لهم أن في البلاد من يحامي عن استقلالها ، وهو ضد ما رأيناه عند دخول الفرنسيين إلى مصر”، ولمحاولة فهم هذا التغيير يمكننا أن نعود إلى العام 1807.

حملة فريزر

أثناء دخول القوات الإنجليزية مدينة رشيد خلال حملة فريزر على مصر، لم يجد الإنجليز مواطنًا واحدًا يسير في الطرقات، فظنوا أن أهل رشيد قد أصابهم الرعب وخرجوا منها، ولكن، كانت الحامية بين الأهالي متوارية بالمنازل داخل المدينة، فتقدم الإنجليز ولم يجدوا أي مقاومة، فاعتقدوا أن المدينة ستستسلم كما فعلت حامية الإسكندرية، فدخلوا شوارع المدينة مطمئنين، وما كادوا يستريحون، حتى انطلق نداء الآذان بأمر “علي بك السلانكي” من فوق مئذنة مسجد “سيدي زغلول” مرددًا: “الله أكبر، حي على الجهاد”؛ فانهالت النيران من الأهالي وأفراد حامية رشيد من نوافذ المنازل وأسطحها‏،‏ فقتل الكثير من جنود وضباط الحملة، وهرب من بقي منهم حياً.

إلا أن والي مصر آن ذاك “محمد علي باشا” قد كافأ الأهالي بطريقة أخرى “فقد اتخذ من المحافظة على الأمن سبيلاً لجمع السلاح من الأهلين وتكرر ذلك منه مراراً حتى فسد بأس الأهالي وزالت ملكة الشجاعة منهم.”1

الأشراف والأعيان

كذا أجهز الوالي على كل من يشعر بقوتهم أو قدرتهم على منازعته مُلكه، فكان أول من بدأ بهم عمر مكرم، وكان له دور في تولية محمد علي شؤون البلاد، حيث قام هو وكبار رجال الدين المسلمين بخلع خورشيد باشا في مايو سنة 1805. وحينما استقرت الأمور لمحمد علي خاف من نفوذ رجال الدين فنفى عمر مكرم إلى دمياط في أغسطس 1809.
” وأجهز على ما بقي في البلاد من حياة في أنفُس بعض أفرادها فلم يبقِ في البلاد رأسًا يعرف نفسه حتى خلعه من بدنه أو نفاه مع بقية بلده إلى السودان فهلك فيه .”1

أبرز التحديثات التي قام بها محمد علي في مصر
ووالينا أدام الله والينا**رآنا أمة وسطا
فلا أبقى لنا دنيا**ولا أبقى لنا دينا

قام “محمد علي باشا” بالعديد من التغيرات الاجتماعية التي أثرت على هوية المجتمع المسلم فأفقدته هويته، كان منها:
1-إلغاء الأوقاف.
2-التجنيد الإجباري.
3-التعليم النظامي.

الأوقاف

من أوضح ما فعل “محمد علي باشا” في المجتمع المصري هو أخذه أموال المساجد والأوقاف بحجة فساد القائمين عليها، إلا أن هذا الأمر انعكس سلبيًا بشكل كبير على المجتمع، فقد كانت أموال الأوقاف تضمن تعليم كثير من طلاب العلم في الأزهر، كذا كانت تزودهم بما يحتاجون من أوراق وأقلام وكتب، فكان هذا يضمن تخريج علماء دين غير تابعين لسلطان ولا مال، فما يكفي معيشتهم كانوا يحصلون عليه، في مقابل قيامهم بتصحيح أمور الشريعة والعبادات للعامة، وعندما جاءت الحملة الفرنسية مصر، كان هؤلاء العلماء هم من حملوا شعلة الجهاد، والتف حولهم الشعب والأعيان وقاموا الفرنسيس، ثم عندما دخل الإنجليز مصر بعدها بواحد وثمانين عامًا، كان هؤلاء قد نُزعوا من المجتمع انتزاعًا، وفقد المجتمع من يعيده إلى بوصلته الأساسية من توحيد الله وجهاد أعدائه، فوجد الشعب نفسه دون قيادة حكيمة، فتفرق شملهم، ولم يصدر منهم سوى محاولات فردية، لم تؤثر في الاحتلال.

التجنيد الإجباري

أما الأمر الثاني والذي كان أثره أكبر وأعم، هو قيامه بتفعيل التجنيد الإجباري للفلاحين المصريين، بعد فشله في استجلاب السودانيين، فاتجه إلى تجنييد المصريين.
فقد قام الجيش الجديد على خطف الشباب من بيوتهم وتجنيدهم إجباريًا، ووصل الأمر لجعل من يتسبب لنفسه بعاهة مستديمة مجندًا إجباريًا مدى الحياة، كما استعان بالفيلسوف “جيريمي بنتام” ليجعل هذا الجيش طائعًا له وحده، ولا يلبي إلا أوامر الوالي، “ففي أبريل 1824 نشبت انتفاضة كبري في الصعيد ضد سياسات الباشا محمد علي في التجنيد و الضرائب، وقد شارك أكثر من ٣٠ ألف رجل و امرأة ،و قد قاده رجل يدعي الشيخ رضوان ،ادعي أنه المهدي المنتظر وأعلن كفر محمد علي، فما كان من الباشا إلا أن أرسل جنوده ليري كيف تسير خطة إنشاء الجيش الجديد الذي جُمع من الفلاحين من الصعيد ويرى كيف يسير تطبيق الخطط العسكرية و مدي انضباط الجنود، وفي أحد المناسبات سُجل أن جاويشاً وجد في أثناء الهجوم علي إحدى القري أن أباه من بين المتمردين ،وحين فشل في إقناعه بالتسليم قتله، وحين علم محمد علي باشا مدح الشاب الذي قتل أباه وأمر بترقيته إلي رتبة ملازم.”2

التعليم النظامي

بعد نزعه السلاح من الأهالي وكسر شوكتهم وبناء جيشه، وجد محمد علي أنه يحتاج إلى مدارس تعليمية لتعليم المواطنين النظام الجديد الذي سيحكمهم، والذي يحتاج إلى من يديره، فشرع في بناء المدراس النظامية حتى تمده بخريجين يستخدمهم في تقوية نظامه التحديثي الجديد.
لم يكن التعليم في مصر الإسلامية قاصرًا على التعليم الأزهري، بل “ذكر عبد الرحمن الجبرتي في كتابه تاريخ الجبرتي متحدثًا عن والده: وحضر إليه طلاب من الإفرنج، وقرأوا عليه علم الهندسة، وذلك في سنة تسع وخمسين (1159هـ/1746م) وأهدوا إليه من صنائعهم وآلاتهم أشياء نفيسة، وذهبوا إلى بلادهم ونشروا بها العلم من ذلك الوقت وأخرجوه من القوة إلى الفعل، واستخرجوا به الصنائع البديعة مثل طواحين الهواء، وجر الأثقال، واستنباط المياه، وغير ذلك”3.

وكان نظام التعليم الأزهري مختلفًا عن غيره من النظم الحديثة، فكان درس “القرآن” يبدأ بعد الفجر مباشرة ثم يتلوه درس “السنة” ويليه درس “شروح القرآن والسنة” ثم درس “أصول الدين” بعده درس “أصول الفقه” ويأتي بعده “المذاهب الفقهية”. كان هناك هدف من التعلم وكان هناك نظام للتعليم وهو عبادة الله بمعرفة شرعه باتباع أوامره واجتناب نواهيه، وكان هناك نظام منطلق من مركزية التوحيد المتمثل في الابتداء بتعليم الوحي ثم فروعه ثم فروع فروعه.

ثم جاء الوالي بنظام تعليمي جديد، غاير في خلفيته الدينية والحضارية للتعليم الأزهري الإسلامي، فكانت هيئة مُعينة من قبله هي التي تضع مناهج التعليم، كما أن نظام التعليم كان يحاكي النظام الكنسي في جلوس الطلاب وفي وقوف المعلم، كذا الغرض الأساسي من التعليم، تبدل من معرفة الله ومعؤفة شرعه ودينه، إلى الرغبة في إخراج أفراد يديرون النظام البيروقراطي الجديد، ويشرفون على نفاذ القانون الوضعي، ويمثلون النواة الجديدة لما يجب أن يصبح عليه أفراد المجتمع.

أسباب الأفول

لا نستطيع الجزم بأن هناك سببًا واحدًا ورئيسيًا جعل العالم الإسلامي يصبح في ذيل الأمم الآن، فهناك أسباب داخلية خاصة بكل مجتمع على حدة، وهناك أسباب خارجية متعلقة بالصراع الذي خاضه المسلمون منذ بداية البعثة إلى الآن بالممالك المعادية للدين الإسلامي.
إلا أن السبب الرئيسي والأهم الذي جاء لأجله الإسلام هو تعبيد الخلق للخالق، وإخراجهم من عبادة العباد والترف المادي والحياة الدنيا الزائلة إلى عبادة الله الواحد، وواجه الإسلام جاهلية العرب المشركين وجاهلية أهل الكتاب وجاهلية المجوس، وانتصر عليهم وغير مجتمعاتهم، وأدخل بنيهم فيه، لكن العالم الإسلامي اليوم يعود روبدً رويدًا لتلك الجاهلية، دون أن يعيوا فداحة ما يفعلون.
لقد نبه النبي صلى الله عليه وسلم على هذا التفلت من الدين الذي نراه بأعيننا، فعن أبي أمامة الباهلي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: “لتُنقضنّ عُرى الإسلام عُروة عُروة، فكلما انتقضت عُروة، تشبث الناس بالتي تليها، وأولهن نقضًا الحُكم، وآخرهن الصلاة”.

فعقيدة الإٍسلام أتت لتقضي على الجاهلية، فقضت عليها وغيرت المجتمع بما يتلائم مع تعاليمه، لكننا اليوم نرزح تحت جاهلية جديدة، جاهلية تُصرح بعدائها للإسلام ولمعتقداته ولشريعته، دون أن يكون هناك أي رد فعل من قبل المسلمين، فلابد من تجمع حركي منظم للمسلمين لكي يستطيعوا التخلص من براثن الجاهلية التي أحاطت بهم، وكبلت مجتمعهم، فجعلته حبيسًا لا يقدر على التفلت من النظام العالمي، ولا يستطيع أن ينفك عنه.

“ومن ثم لم یكن بد أن تتمثل القاعدة النظریة للإسلام (أي العقیدة) في تجمع عضوي حركي منذ اللحظة الأولى.. لم یكن بد أن ینشأ تجمع عضوي حركي آخر غیر التجمع الجاھلي، منفصل ومستقل عن التجمع العضوي الحركي الجاھلي الذي یستھدف الإسلام إلغاءه، وأن یكون محور التجمع الجدید ھو القیادة الجدی دة المتمثلة في رسول الله-صلى الله علیھ وسلم- ومن بعده في كل قیادة إسلامیة تستھدف رد الناس إلى ألوھیة الله وحده وربوبیته وقوامته وحاكمیته وسلطانه وشریعته- وأن یخلع كل من یشھد أن لا اله إلا الله وان محمدًا رسول الله ولاءه من التجمع الحركي الجاھلي – أي التجمع الذي جاء منھ- ومن قیادة ذلك التجمع- في أیة صورة كانت، سواء كانت في صورة قیادة دینیة من الكھن ة والسدنة والسحرة والعرافین ومن إلیھم، او في صورة قیادة سیاسة واجتماعیة واقتصادیة كالتي كانت لقریش – وأن یحصر ولاءه في التجمع العضوي الحركي الإسلامي الجدید، وفي قیادته المسلمة.4

136

Did you find apk for android? You can find new Free Android Games and apps.
الكاتب

عمرو الشيخ

طبيب أسنان مهتم بالعلوم الإنسانية والفكر الإسلامي

اترك تعليقًا

*
*
*

موضوعات ذات صلة
مشاركة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.