انطلقت الرحلة من الرياض متوجهة إلى المدينة، الجميع في ترقب وشوق وحنين، خاصة من يذهبون للمرة الأولى للعمرة ورؤية بيت الله الحرام وزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم كأمثالي، شعور يهزك ويزلزلك خاصة عندما ترى اللافتة المكتوب عليها المدينة من هذا الاتجاه، ومكة في هذا الاتجاه، بعد سنين طوال من العمر ترغب في العمرة لكن يحول بينك وبينها مشكلات وظروف، فمرة أسعار الطيران، وأخرى ظروف العمل، ومرة التأشيرات متوقفة، وهكذا.

لكن عندما ذهبت إلى الرياض ووقعت عيني للمرة الأولى على اليافطة الإرشادية التي تدلك على طريق مكة، قلت سبحان الله اقتربت المسافات وهانت العثرات لم أصدق نفسي، فها هو الحلم أصبح تحقيقه قريبا، والحواجز قد أزيلت، والحجج قد تهاوت.

لكي أكون صادقا، لم أترك بلدي رسميا بهدف زيارة بيت الله الحرام وعمل العمرة لكن النية كانت كذلك، ولربما كثرة الأمنيات والنية –أحسبها سليمة سائلين الله الإخلاص- المتعلقة بزيارة الكعبة وملئ العين بها، ورؤية قبر النبي صلى الله عليه وسلم، قد تكون  سببا لاستجابة الله لنا.

وعندما تقرر ميعاد الرحلة القلب ارتجف والبدن اقشعر، وحديث النفس بدأ؛ هل سأرى الكعبة ذلك البنيان المهيب الذي لم نسمع عنه سوى في القرآن، أو ممن زاروها، ولم نشاهدها إلا عبر شاشات التلفاز، فهل هل فعلا سنراها رأي العيان ونتحدث عنها للآخرين، كما حدثنا الآخرون عنها؟ وهل يمكن أن أطوف حولها وألمس أستارها؟ وهل يمكن أن أقبل الحجر الأسود لألمس بفمي وبيدي المكان الذي لمسه وقبله النبي وقبله أصحابه الكرام؟، وهل سأمشي على هذه الساحات التي مشى عليها الرعيل الأول والركيزة التي مدحها الله في كتابه وقال عنهم ‘‘رضي الله عنهم ورضوا عنه‘‘.

الرحلة تبدأ بالباص على الرغم أني كنت أتمنى الذهاب بالطائرة لسباق الزمن إلى هذا المكان الطاهر الذي تهفو إليه قلوب العباد طواعية وحبا وسعادة وشوقا، لكن قدر الله أن تكون الرحلة المقررة بالأتوبيس الذي استغرق في رحلته 14 ساعة كاملة.

المسجد النبوي

المسجد النبوي من هذا الاتجاه.. رأيته ساطعا منيرا مآذنه عالية في الأفق وما زاد هذا الجمال والرونق أننا دخلناه فجرا وتحديدا قبل آذان الفجر بساعتين، وضعنا أمتعتنا وسرنا فرادي وجماعات صوب هذا المسجد العظيم مسجد خير البشر، هذا المسجد جلس فيه النبي يعلم أصحابه وكان موطنا لبث تعاليم الإسلام في مهده لهؤلاء الرجال العظماء، نعم هذا بيت عائشة وهذه بيوتات زوجات النبي، هنا يرقد أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب اسمان يكفي نطقهما للتذكر كل معاني الفخر والعظمة والقوة الإيمانية والكرامة.

شعور رائع، ولا أخفي أحدا سرا أني لم استمتع كثيرا كما استمتعت برؤية الكعبة ربما لطول السفر وعدم النوم والزحام فضلا عن عدم المعرفة الكاملة باتجاهات السير داخل المسجد، لكن أنت ترى خلية نحل تذكر الله، وأخرى تقرأ القرآن، آلاف الوجوه وجميع الألوان والأشكال تعبر بكل لغاتها تسبيحا وتلبية ودعاءًا، كنت أتمنى أن أجلس في روضة الجنة التي هي بين قبر النبي ومنبره، لكن لم أتمكن من ذلك لربما أراد الله بي خيرا لأكرر هذه الزيارة مرة أخرى.

انطلقت الرحلة، بعد ذلك صوب مكة، تلك الكلمة التي كنا ننتظرها ويقودنا حبنا إليها رغبة ورهبة حبا وطاعة، كأنك مُسيّر ولست مخيرا، اللحظة الفارقة قبل دخول مكة هي الميقات عندما تتخلص من كل عوالق الدنيا وتنزع عنك لباس الهرج والمرج واللعب وحتى العمل، لتلبس ملابس الإحرام التي تشبه في هيئتها لباس الأموات «الكفن» فها أنت ذاهب إلى بيت الله الحرام مجردا شبه عار، كما ستذهب إلى الله بعد موتك، كأنها لحظة موعظة شرعت لك في حياتك قبل موتك، لتقول بلسان الحال والمقال كما يحكي القرآن «رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت» لتكون الإجابة العملية ها أنت عدت مرة أخرى فماذا ستفعل؟.

Embed from Getty Images

لحظة رؤية الكعبة ذلك البناء المهيب هي أجمل اللحظات وأمتعها، على وجه البسيطة ربما ذلك هو شعور كل من رآها، الغريب في هذه اللحظة أنك إن تطلعت إلى الجميع ترى العيون مشرئبة ومتحفزة ومتعلقة باللحظة التي تتوارى وتذهب فيها الأبنية والأبواب في ساحات المسجد الفسيحة، لترى الكعبة خفاقة عالية مهيبة، وفي هذه اللحظة تذرف العيون رغما عنها، وتبكي وترى كل من بجوارك يبكون، تلبي والجميع من حولك يلبون، تكبر والجميع بجوارك يبكون، تشير إلى الجحر الأسود والجميع قبلك يشاورون.

مدرسة الحب

وهنا السؤال من علم هذه الجموع هذا الأمر، وهذه الطاعة وهذا الانقياد، وهذا الرجاء؟ أنها بالفعل مدرسة الحب والرغبة في رضا الرب والتقرب والزلفى إليه، قد تجد هذا في كتاب الله وعلى لسان إبراهيم “يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق”.

رحلة مباركة، كانت نهايتها الصفا والمروة سعي هاجر عليها السلام أم الذبيح إسماعيل، نهايتها ماء زمزم المباركة، نهايتها حلاقة الشعر سنة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، نهايتها الصلاة في البيت الحرام بالقرب من مقام إبراهيم وحجر إسماعيل، نهايتها صفوف متراصة راكعة وساجدة وقائمة، لكنها ليست النهاية فهي البداية فمن ذاق حلاوة الكعبة حتما ستشتاق نفسه إليها ليذوقها مرارا وتكرارا.

181

الكاتب

سيد عيسى

مصري المولد عربي الهوية... متغرب في بلاد الله أعشق السفر أحب القراءة وأهوى الأدب وأستمع للشعر... وفي النهاية أكتب بقلمي ما يحلو لي.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.