في ذكرى الحملة الصليبية الرابعة ضد بيزنطة: القسطنطينية بين فتحين

هناك من يحاول قراءة التاريخ في لحظات الذروة التي ليست طويلة في عمرها، ولكنها لا تصلح لبناء استنتاجات دائمة عليها، لو أردنا أن نستخلص تعميماً عن علاقة طرفين، لا يجوز أن نحلل هذه العلاقة في ساحة الخلاف أو  لحظة المعركة فقط، هناك حياة ممتدة وسنوات وعقود وقرون، لا يجوز أن نبنيها على لحظة عابرة ربما نسيها الزمن وتغير ما حدث فيها رأساً على عقب، لا يجوز أن نترك ثوباً كاملاً ونركز على وصف بقعة صغيرة فيه، والبقع أصلاً تصيب أي ثوب، ودائما يكون قياس الحدث بنظرائه مفيداً للمقارنة.

وقد تعرض الفتح العثماني للقسطنطينية إلى حملات تشويه وافتراء كانت أهدافها أبعد من مجرد إثبات الحقيقة، فهي جزء من برنامج سياسي له خصومات تتعلق بالإسلام أو التاريخ العثماني الذي تؤرق إنجازاته الكبيرة كثيراً من العاجزين عن مطاولتها في عالمنا المعاصر، وحتى نقيس النقد بالظروف الواقعية دون التحليق في سماء الخيال، علينا مقارنة الفتح العثماني بأمثلة مماثلة في التاريخ، ونحن الآن بصدد ذكرى الحملة الفرنجية الرابعة التي استباحت عاصمة المسيحية الشرقية، باسم المسيح، في يوم 13/4/1204، بعدما انحرف مسار الحملة عن الأراضي المقدسة في الشام والتي كانت الوجهة التقليدية لحملات الفرنجة منذ انطلاقها سنة 1095، واتجهت تلك الحملة إلى الاستيلاء على أراض مسيحية نتيجة الأطماع والأهواء الدنيوية.

الحملة الصليبية الرابعة ضد القسطنطينية سنة 1204 وما تبعها

مما يحسن الاستشهاد به في هذا المجال أن حملات الفرنجة التي سميت حروبا صليبية لإلباسها القناع الديني جاءت بحجة الانتصار لمسيحيي الشرق ضد الظلم الواقع عليهم من المسلمين فكانت النتيجة أن دمرت الحملة الصليبية الرابعة مدينة القسطنطينية عاصمة المسيحية الشرقية سنة 1204 بعدما انحرفت عن مسارها نحو الأراضي المقدسة تلبية لشهوات الأطماع وارتكب الفرنجة اللاتين جرائم كبرى منها أنهم “في كنيسة آيا صوفيا العظيمة …..أجلسوا مومسا فوق عرش البطريرك (الأرثوذكسي) حيث غنت أغنيات فرنسية فاحشة بينما أدخل آخرون خيولهم وبغالهم إلى الداخل لتبول وتتغوط فوق أرضها، أما في الشوارع فلم يوفروا أحدا، فجردت الراهبات وعرين من ملابسهن، وانتهكت أعراضهن، وأجبرت النساء والفتيات على البغاء والفحش بشكل لا يوصف، وحطمت رؤوس الأطفال مثل قشور البيض بضربها على الجدران وضربها بأعقاب أحذية الجنود….” ، وأقام الغزاة دولة لاتينية مكان الإمبراطورية البيزنطية استمرت إلى سنة 1261، والمهم هو الأثر الدائم لذلك حيث لم تتعاف الإمبراطورية البيزنطية من الضعف الذي أصابها من الاجتياح اللاتيني حتى لحظة فتح العثمانيين القسطنطينية بعد قرنين.

موقف المؤرخين من الحملة

ستيفن رنسيمان

بالطبع لو فتحنا أي كتاب تاريخ عن هذه المرحلة سنجد الكثير مما يقال، فمثلاً يقول ستيفن رنسيمان أحد أشهر مؤرخي الحروب الصليبية تحت عنوان “نهب القسطنطينية سنة 1204” : “ليس لنهب القسطنطينية مثيل في التاريخ” ثم يسرد تفاصيل ما قام به البنادقة والفرنسيون والفلمنكيون:

“اندفعوا كالرعاع المسعورة يجوبون الشوارع…ولم تجر التفرقة بين القصور والأكواخ فيما تعرضت له من الهجوم والتدمير، وأخذ الجرحى من النساء والأطفال يلفظون أنفاسهم في الشوارع، وظلت مناظر النهب وسفك الدماء المريعة مستمرة ثلاثة أيام حتى أضحت المدينة الضخمة الجميلة شبيهة بسوق اللحوم، وهتف المؤرخ نكيتاس في صدق، إن المسلمين لأكثر منهم رحمة”.

ثم تحدث عن قيام “الإمبراطورية اللاتينية 1204-1261” في القسطنطينية وانتقال الأقاليم الأوروبية التي كانت تابعة لبيزنطة إليها وتشتت البيزنطيين بين ثلاث إمارات في الأناضول واليونان برزت من بينها نيقية بصفتها حاضرة الإمبراطورية الشرعية في نظر اليونانيين “على أن الفاتحين المظفرين لم يتبينوا في غمرة فرحهم سنة 1204 ما ترتب على حملتهم من نتائج جوفاء، كما أن معاصريهم بهرهم أيضاً الفتح”، ولكن “لم يرتكب في حق الإنسانية من الجرائم ما هو أشد من الحملة الصليبية الرابعة…وفي المجال الفسيح لتاريخ العالم، تعتبر نتائج الحملة الصليبية الرابعة فاجعة في جملتها….وفي تلك الأثناء انغرست بذور الكراهية بين العالمين المسيحي في الشرق والغرب…وما ادعاه الصليبيون من مفاخرات خادعة، بأنهم أنهوا الانشقاق، ووحدوا الكنيستين، كل ذلك لم يتحقق، بل حدث بدلاً من ذلك أن همجيتهم ووحشيتهم خلفت من الذكرى ما لا يغتفر لهم، وقد يدافع الزعماء المسيحيون فيما بعد عن الاتحاد مع روما، وقد تعلقوا بالأمل في أن الاتحاد سوف يؤدي إلى إقامة جبهة متحدة إزاء الترك، غير أن أقوامهم لن يتبعوهم، فليس بوسعهم أن ينسوا الحملة الصليبية الرابعة”.

وتقوّم الموسوعة البريطانية الحدث كالتالي: “في 13 إبريل (نيسان/ أفريل) 1204، اندفع الصليبيون في المدينة لنهبها، وبعد مجزرة عامة، استمر النهب مدة سنين…إن فترة الحكم اللاتيني، 1204 إلى 1261، كانت أكثر الفترات دماراً في تاريخ القسطنطينية، حتى تماثيل البرونز أذيبت وحولت إلى نقود، وسرق كل شيء له قيمة، وانتزعت الآثار المقدسة من المحاريب والهياكل وأرسلت إلى المؤسسات الدينية في غرب أوروبا” والطريف في كل هذا أن ذريعة الصليبيين كانت استعادة الشرعية البيزنطية التي يمثلها الإمبراطور البيزنطي إسحق الثاني.

المؤرخ ول ديورانت

أما المؤرخ ول ديورانت فيقول في موسوعته الشهيرة “قصة الحضارة”: “وازداد نهمهم لطول ما حُرموا من فريستهم الموعودة، فانقضوا على المدينة الغنية في أسبوع الفصح وأتوا فيها من ضروب السلب والنهب ما لم تشهده روما نفسها على أيدي الوندال أو القوط، نعم إنه لم يقتل في هذه الحوادث كثيرون من اليونان، فلعل عدد القتلى لم يتجاوز ألفين، اما السلب والنهب فلم يقفا عند حد…وعانت كنيسة أيا صوفيا من النهب ما لم تعانه فيما بعد على يد الأتراك عام 1453….وبذلت محاولة ضئيلة للحد من اغتصاب النساء، وقنع الكثيرون من الجنود بالعاهرات، ولكن (البابا) إنوسنت الثالث أخذ يشكو من أن شهوات اللاتين المكبوتة لم ينج منها الكبار أو الصغار، ولا الذكور ولا الإناث، ولا أهل الدنيا أو الدين…ولم تفق الإمبراطورية البيزنطية من هذه الضربة القاصمة، ومهد استيلاء اللاتين على القسطنطينية إلى استيلاء الأتراك عليها بعد مائتي عام من ذلك الوقت” .

موسوعة تاريخ الحضارات

وتقول موسوعة تاريخ الحضارات العام إن الفرنجة عندما انكفئوا أمام المسلمين، استعاضوا عن خسارتهم بأراضي بيزنطية، وغاب عن بصرهم الهدف الديني للحملات الأولى، فاستولوا على قبرص سنة 1191 “، ودخلوا القسطنطينية ونهبوها في السنة 1204، وأسسوا فيها إمبراطورية سريعة الزوال”، ونحن لا نعلم مدى أطماع بعض قادة الحملة الرابعة، ولكن الواقع “هو أن البندقيين وفرسان فرنسا الشمالية قد دخلوا القسطنطينية عنوة في أوائل السنة 1204 وعملوا فيها نهباً واستلاباً وأقاموا على أنقاض بيزنطية “إمبراطورية لاتينية” ضعيفة”، وهذه الحملة لم تخدم التقارب بين المسيحيين، بل أوجدت هوة يستحيل اجتيازها، ويمكن القول “إن الانشقاق الديني الذي لا يزال قائماً حتى أيامنا هذه إنما يعود تاريخه إلى السنة 1204 لا إلى السنة 1054 [التي وقع فيها الانشقاق رسمياً]” .

برناردين كلتي

وتقول برناردين كلتي في كتابها “سقوط القسطنطينية” في فصل “كارثة الحملة الصليبية الرابعة” إنه في يوم 12/4/1204 استباح اللاتينيون المدينة لمدة ثلاثة أيام فدمروا وسلبوا القسطنطينية الجبارة، واستهجن البابا إينوسنت الثالث ذلك لأن اتحاد المسيحية صار آنذاك مستحيلاً إلى الأبد، وقد نسي الصليبيون الأرض المقدسة ويمينهم المقدس (بتحرير القبر المقدس في فلسطين)، ونهبوا الكنائس وربطوا خيولهم في كنيسة سانتا صوفيا وجعلوا الأديرة مسرحاً للرذائل وعذبوا الرهبان، واقتلعوا التماثيل وأحرقوا المكتبات وسلبوا قبور الأباطرة وحطموا الرخام وصهروا القطع الفنية، وأشعلوا النار لمدة ثمانية أيام في منطقة قطرها ميلان ونصف “وبهذا الأسلوب تم تسديد ضربة قاضية إلى أجمل مدينة في العالم”.

وعندما نجح اليونانيون باستعادة سيادتهم على القسطنطينية سنة 1261 “لم تكن هناك طريقة يستطيعون بها إعادة الإمبراطورية إلى سالف مجدها فقد كانت القسطنطينية المنهكة التي أفقرها النهب أشبه ما تكون بامرأة عجوز ذهب شبابها إلى الأبد…لقد فقدت القسطنطينية روعتها إلى الأبد..وقد كان الساسة المغامرون الذين ضعضعوا الإمبراطورية سنة 1204 مسؤولين بصورة مباشرة عن سقوط القسطنطينية بعد مئتي عام وعن القضاء على المسيحية في الشرق”.

موسوعة تاريخ العالم

وتقول موسوعة تاريخ العالم (باللغة الإنجليزية) إن الصليبيين اجتاحوا القسطنطينية واستولوا عليها سنة 1204، وهو أول احتلال للمدينة في التاريخ، وقد صاحب نهبها أهوال لا نظير لها.

فيما يقول المؤرخ برنارد لويس: “كانت القسطنطينية، قبل قرنين ونصف من فتحها على أيدي الأتراك، قد عانت غزواً أشد عنفاً من جانب الغزاة الغربيين” .

ويضع المؤرخ فيليب مانسيل الحملة الصليبية الرابعة في إطار الغزوات التي تعرضت لها القسطنطينية على مر تاريخها: “بنيت الأسوار لأن القسطنطينية –كما كتب أحد البيزنطيين- كانت “المدينة التي يشتهيها العالم”، فلم تتعرض مدينة لعدد الهجمات ونوبات الحصار التي تعرضت لها القسطنطينية: من القوط (في العامين 378 و467) والهون (441) والسلاف (540 و559 و581) والأفار (617) والفرس والأفار (626) والعرب (669-679) والبلغار (813 و913 و924) والروس (اربع مرات بين العامين 860 و1043) والبجناك (1087) ولم تتعاف المدينة مطلقاً من نهبها على أيدي حملة صليبية غربية في العام 1204، نظمتها منافستها التجارية: البندقية، وبعد أن عادت المدينة إلى البيزنطيين في العام 1261، أدت الهزائم المتكررة للإمبراطورية البيزنطية أمام أعداء مسلمين والحروب الأهلية بين الأباطرة المتنافسين إلى تقليص عدد سكان المدينة من ذروته التي بلغت أربعمائة ألف إلى نحو خمسين ألف يوناني …وبحلول العام 1400، كانت المدينة قد تقلصت إلى مجموعة من البلدات الصغيرة تفصلها المزارع والبساتين”.

213

المصادر
الكاتب

محمد شعبان صوان

باحث وكاتب من فلسطين.

اترك تعليقًا

*
*
*

موضوعات ذات صلة
مشاركة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.