الأفكار والأيديولوجيات وصناعة الاستراتيجيات

منذ أن تحوّلت “الاستراتيجيا” إلى كلمة سرّ في دوائر القرار والنخب الأكاديمية، غدت صورة الاستراتيجي أشبه بصورة الكاهن الحديث الذي يُنتظر منه أن يقدّم الإجابات الحاسمة عن أعقد أسئلة السياسة والحرب وبناء الدولة. غير أنّ هذا الافتتان بالمفهوم -كما تروّجه الكتابات الغربية السائدة- أخفى وراءه مسارًا طويلًا من التحيّزات المعرفية التي حاصرت الاستراتيجيا في إطار عسكري أو تقني، وجرّدتها من أحد أهم منابعها: عالم الأفكار والأيديولوجيات الذي يسبق القرار ويؤطّره ويمنحه معناه.

فأن تُعرَّف الاستراتيجيا بوصفها فنّ تنظيم الفعل الإنساني وتنسيق الوسائل والمسارات لبلوغ غايات محددة، لا يكفي ما لم نُدرك أنّ هذه الغايات نفسها ليست معطًى بريئًا أو محايدًا، بل هي ثمرة منظومة فكرية وأيديولوجية تحكم نظرة الفاعلين إلى ذواتهم وإلى العالم من حولهم. ومن هنا يصبح البحث في الاستراتيجيا دون استصحاب دور الأفكار والأيديولوجيات نوعًا من القفز إلى المستوى الأعمق الذي تتشكّل فيه الخيارات الكبرى للدول، وتُعاد فيه صياغة مفاهيم مثل “المصلحة” و”التهديد” و”الأمن القومي”.

في هذا السياق يحاول هذا المقال الاقتراب من الاستراتيجيا ليس باعتبارها تقنية لإدارة الموارد أو فنًّا لحسم المعارك فحسب، بل باعتبارها حقلًا مركّبًا تتداخل فيه المسارات التاريخية بالمقولات الفكرية، وتتشابك فيه الأيديولوجيا مع تعريف الأهداف وتحديد الأعداء وبناء التحالفات. وهو اقتراب يهدف إلى تحرير المفهوم من احتكاره الغربي الحديث، وإعادة إدخاله في أفق نهضوي أشمل، يحتل فيه الفكر والأيديولوجيا موقعهما الطبيعي كأحد أهم مُدخلات الصناعة الاستراتيجية.

الاستراتيجيون.. من الافتتان إلى مأزق المفهوم

مراكز الفكر

لقد أظهرت نخب السياسات الخارجية والداخلية في العالم منذ زمن بعيد افتتانًا لافتًا بما يُعرف بـ”الاستراتيجيين” كشخصيات استثنائية يُبنى مجدهم على افتراض قدرتهم على الإجابة بثقة عن أهم الأسئلة وأكثرها تعقيدًا المتعلقة بالدبلوماسية، وفنون إدارة الدولة، والتفكير الممتد في الزمن، وقدرتهم على ربط مركز القرار السياسي بالأهداف العملياتية، والتنسيق بين مختلف عناصر القرار داخل الدول التي يتداخل فيها الأمني والثقافي والاقتصادي؛ لأجل الفعل السياسي النهائي.1

وامتد افتتان نخب السياسة بالاستراتيجيات إلى نخب الأكاديميا بشكل واسع جدًا، فتعددت التعريفات والتقسيمات حتى صارت مخاطرة علمية أن يحاول الباحث وضع تعريف جامع مانع للمفهوم، وهو ما جعل رحلة البحث في الاستراتيجيا صعبة جدًا لدرجة جنوح معظم الباحثين للتركيز على المعاني الشاملة الواسعة دون التركيز على أبعاد مهمة جدًا تؤثر حتمًا في صياغة الاستراتيجيات مثل الأفكار والأيديولوجيات.

إشكالية تعريف الاستراتيجيا

إن وضع أي مفهوم للاستراتيجيا يُعتبر مخاطرة كما سبق الإشارة إليه، لذلك؛ سيكون من العبث تقديم تعريف جديد لا يُعترف به إلا من قِبَل صاحبه، وكما هو الحال مع المفاهيم المعقدة التي تقاوم التعريفات البسيطة، فمن الأفضل عدم محاولة تحديد حدودها الغامضة والمتنازع عليها، مثل: أين ينتهي التكتيك وأين تبدأ الاستراتيجية؟ بل التركيز على جوهرها، أي ما يميزها جوهريًا، واستبعاد ما يفتقر إلى عناصرها الأساسية بحيث لا يمكن اعتباره استراتيجية، بل شكلًا آخر من أشكال تنظيم الفعل الإنساني، ففي جوهرها: الاستراتيجية هي تنظيم الفعل الإنساني من خلال التنسيق بين الوسائل والمسارات، ولكن على مستوى معين وبغرض تحقيق نوع محدد من الغايات،2 وفي محاولتنا الاقتراب من المفهوم نحاول فهم الاستراتيجية كحقل عام تؤثر عليه الكثير من المدخلات ويتشكل من عدة عناصر، أهمها الفكر والأيديولوجيا، في محاولة تحديد المفهوم.

الاستراتيجيا كغيرها من المصطلحات في العصر الحديث هي سجينة لثقافة الحداثة الغالبية، ومعظم الدراسات الموجودة تعتبر اليونان مولدها الأول، وعصر الأنوار والحداثة مولدها الثاني الذي جعلها أداة شاملة للتفكير المتعدد الأبعاد والمستويات للحرب وضبط نتائجها التدميرية! وهو تحيز واضح جدًا وإلغاء لمسار إنساني متعدد الحضارات؛ فاستصحاب جوهر المفهوم المركب من الغايات والتنسيق بين الوسائل والمسارات يجعل الصين والحضارة الإسلامية والشرقية حاضرة بمفاهيمها في مجال الاستراتيجيا وإن لم تكن تسميها تعريفًا بالمصطلح اليوناني استراتيجيا، غير أن هيمنة المنظومة المعرفية الغربية وتوسعها العسكري لا يزال يفرض تحديًا يتمثل في عدم  قدرتنا على إنتاج تعريفات خارج تراكمات الفعل الغربي، وهو ما قد يجعل البحث في دور الأفكار والأيديولوجيات في صناعة الاستراتيجيات أكثر فاعلية في مسار بناء نهضوي محتمل.

المسار التاريخي لمفهوم الاستراتيجيا

جنرال العقائد العسكرية الفرنسي (Vincent Desportes)
جنرال العقائد العسكرية الفرنسي (Vincent Desportes)

تُعتبر كتابات جنرال العقائد العسكرية الفرنسي (Vincent Desportes) ومحاضراته مثال على هذا التحيز المعرفي، فهو يقدم كليًا مفهومًا غربيًا للاستراتيجيا، ويعزوه إلى الأصل اليوناني ويذكر أنه اختفى قرونًا من التاريخ! وهو تحيز مفهوم بالنظر للفاعلية الحضارية التي تتحرك داخلها المفاهيم التي يقدمها، وهو المسار الطويل الذي تتلقاه نخبنا الجامعية والأكاديمية والمعرفية وحتى العسكرية في برامج التبادل والتكوين وهو ما يحكم اليوم الباراديم “النموذج” المعرفي للدول والجماعات.

ترسخ مفهوم الاستراتيجيا الحديث فعليًا في أعمال أنطوان دو جو ميني (Antoine de Jomini)، وكارل فون كلاوزفيتز (Carl von Clausewitz) في بداية القرن التاسع عشر.

ثم تطور مفهوم الاستراتيجية تاريخيًا من المجال العسكري إلى مفهوم أشمل يربط بين السياسة، والاقتصاد، والمجتمع. في البداية، حُصرت الاستراتيجية في قيادة الجيوش زمن الحرب، لكن مع أعمال جوليان كوربت (Julian Corbett) سنة 1911، توسع المفهوم ليشمل «فن توجيه القوة نحو الأهداف المنشودة».

بعد الحرب العالمية الأولى، ومع الحاجة إلى تعبئة اقتصادية شاملة، ظهر مصطلح الاستراتيجية الكبرى (Grand Strategy) الذي يعني تنسيق جميع قوى الدولة لتحقيق أهدافها. استخدمه كل من الروسي ألكسندر سفشين (Aleksandr Svechin) بمفهوم “الاستراتيجية التكاملية”، والإنجليزي بازل ليدل هارت (Basil Liddell Hart)، والألماني لودندورف (Ludendorff) الذي تحدث عن “الحرب الشاملة”. كما اقترح الأميرال الفرنسي كاستيكس (Castex) مفهوم “الاستراتيجية العامة” سنة 1937، لتعني فن توجيه جميع قوى الأمة العسكرية والسياسية والاقتصادية  والثقافية، في السلم والحرب وفي مجالات البر والجو والبحر.

وفي منتصف القرن العشرين، ظهر مصطلح “الاستراتيجية الكلية” أو “الاستراتيجية الشاملة” في الولايات المتحدة، ثم تحدث الفرنسي الجنرال بوفغ (Beaufre) عن “الاستراتيجية التامة” التي تشمل جميع مجالات العمل السياسي والاقتصادي والثقافي.3

منذ الخمسينيات، تبنت الشركات المدنية أيضًا مصطلح الاستراتيجية، فانتقل من المجال العسكري إلى الاقتصادي والإداري، مما أدى إلى اتساع معناه وفقدانه شيئًا من دقته الأصلية، وأصبح يُستخدم لوصف أي عملية تخطيط أو قرار مهم.

إن هذا المسار في تطورات المفهوم هو ما يجعل فكرة المقال منسجمة مع مضمونه، فنحن إذ نسعى إلى فهم المسار والسياق نسعى إلى تحديد النطاق الذي ندخل منه إلى فهم الاستراتيجيا ودور الأفكار والأيديولوجيا فيها؛ فالاستراتيجيا التي نبحث نطاقها هي الاستراتيجيا العليا المتعلقة بالدول وليس تلك المتعلقة بالشركات والأشخاص، والسياق الذي نبحث فيه هو أحد أهم الأدوات والمناهج التي تصنع سلوك الدول المهيمنة علينا في العالم الحديث.

الأفكار المحركة: كيف تشكل الأيديولوجيا هوية الدول؟

إذا كانت الاستراتيجية تمظهرًا للغايات السياسية، فبذلك تُصبح السياسة هي عنصر الاستراتيجيا الرئيسي؛ فإن السياسة في جوهرها تمظهر للأفكار والأيديولوجيات، وكنتيجةٍ تصير الأفكار والأيديولوجيات هي الروابط التي تجمع مكونات الاستراتيجية الكبرى وتمنحها التماسك المنطقي.

يمكن تعريف الفكرة بأنها تمثيل مجرد لعنصر معين من الواقع، وقد تكون بسيطة أو معقدة، علمية أو أخلاقية أو اقتصادية أو دينية. ومن هذا المنظور، تُعدّ الأفكار الوحدات الأساسية للفكر والمعنى. وبرزت أحداث في التاريخ كانت الأفكار محركها الأساسي مثل تأثير فكرة المساواة على الثورة الفرنسية، أو فكرة الحرية والانعتاق على ثورة الجزائر، وفي المقابل فإن تسييس الأفكار يعتمد غالبًا على كونها جزءًا من منظومة أو شبكة من الأفكار تُعرف بالأيديولوجيا.

في الاستراتيجية الكبرى، تشير الأيديولوجيا إلى مجموعة مترابطة من الأفكار القابلة للتطبيق التي تتناول هوية الدولة ومكانتها في العالم وأهدافها وقيمها ومصالحها، إضافةً إلى الأسس التي تُبنى عليها علاقاتها مع الآخرين. 

تُسهم الأيديولوجيا في تشكيل صورة الدولة للعالم وتحديد كيفية إدراكها وتفاعلها معه. وفي المجتمعات التعددية، تتنافس الأيديولوجيات فيما بينها من أجل السيطرة، كما أن المجموعات دون الوطنية المشاركة في وضع الاستراتيجية الكبرى تكون غالبًا منقسمة على أسس أيديولوجية، وعندما تُهيمن أيديولوجيا معينة فإنها تؤثر بشكل مباشر في خيارات الاستراتيجية الكبرى من خلال منح المعنى والاتجاه للفعل السياسي الخارجي للدولة.4

في المقاربات الاستراتيجية نتجاوز البحث في بنية الأفكار والأيديولوجيا -وإن كانت مهمة جدًا- لنلتزم فقط بتأثير الأيديولوجيا سواء كان سلبيًا أم إيجابيًا، ولا تزال الدراسات الأكاديمية جارية ومنسقة في اعتبار الأيديولوجيا مجموعة من الأفكار “الديماغوجية”5 التي ترفض الاختبار العلمي التي تخدم توجهات جماعات ضيقة، وبين من يراها أداة فعالة في دفع الأفراد نحو الحركة والفاعلية والانتظام، وفي كل الحالات لا يُختلف في تأثيرها سواء كان سلبيًا أم إيجابيًا على مسار الاستراتيجيات الكبرى.

إن للأيديولوجيا تأثيرًا على الاستراتيجية الكبرى من خلال وظيفتها المعرفية وقدرتها الجدلية، ومع ذلك  تبقى شدة هذا التأثير غير محددة بدقة، فهي ليست قابلة للقياس بسهولة، لكنها بالتأكيد ليست منعدمة. يأتي السؤال الأكثر أهمية الآن: كيف تُحدث الأيديولوجيا أثرها؟

وظيفة الأيديولوجيا وتأثيرها على الاستراتيجيا

التوازن الأيديولوجي أحد الأبعاد الأساسية في الاستراتيجيا في النظام الدولي

توفر الأيديولوجيات للفاعلين السياسيين إجابات جاهزة ومريحة لمختلف المواقف والتحديات، كما تمنحهم طريقة لفهم العالم وموقعهم فيه. بهذا المعنى، تشبه الأيديولوجيا الثقافة من حيث أنها تؤدي وظيفة “الفلتر” أو “المرشح” في عملية اتخاذ القرار. ويحمل هذا التصور معنيين رئيسيين:

  • الأيديولوجيا ليست مجرد تمثيل ذهني مشترك، بل هي أيضًا أداة جدلية بمثابة دليل أو “كُتيّب تشغيل” يحتوي على اختصارات معرفية جاهزة تساعد الفاعلين على فهم المواقف بسرعة وصياغة مطالب سياسية بشأنها.
  • الأيديولوجيا تنشئ نظامًا معياريًا، أي نظامًا من التبرير والشرعية يقيّد بعض الخيارات ويُشرعن أخرى، وهذه الوظيفة “المُسكِّنة” للأيديولوجيا تمكّنها من إخماد الغموض وفرض البديل السياسي الذي يسود في النهاية.

وتعمل هذه الآلية التبريرية أساسًا عبر الجدال والسرديات غير أن ما يُعدّ نهجًا مناسبًا لتبرير استراتيجية كبرى يعتمد على السياق الذي تُمارَس فيه الأيديولوجيا، وهو ما يمنحها معناها وقوتها العاطفية القادرة على إلهام الانتماء والهوية.6

ولا يقتصر تأثير الأيديولوجيا على الاستراتيجيا من خلال وظيفتها المعرفية فقط، بل تؤثر في عنصر حاسم آخر في الاستراتيجيات المتمثلة في تعريف التهديدات، فالاستراتيجيا تتعلق بتحقيق الأهداف الجماعية للأمن القومي، وتحديد هذه الأهداف يثير خلافات بين المجموعات الداخلية التي تتبنى أفكارًا متباينة حول ماهية التهديدات الحقيقية. فامتلاك القدرة على تحديد أولويات التهديدات يمنح فائدة سياسية، سواء من حيث المكانة المادية أو السلطة الرمزية. ومن ثم تنشأ صراعات داخلية بين الكتل السياسية حول تحديد طبيعة التهديد واختيار الوسائل الأنسب لمواجهته.

ولذلك فإن المعتقدات الأيديولوجية الأساسية تمارس دورًا كبيرًا في تحديد ما يعتبره الفاعلون تهديدًا؛ لأن السياسة الداخلية تقوم على مجموعات تتميز إلى حد كبير بأسس أيديولوجية. وغالبًا ما تروج هذه الكتل لسياسات تتماشى مع معتقداتها الفكرية، والتي لا تتشارك فيها مع خصومها السياسيين، وتُعتبر إيران مثالًا واضحًا على ذلك إذ تتأثر سياستها الخارجية وسلوكها العسكري على الأرض، وتفاوضها بالشد والجذب بين التيار الإصلاحي والتيار المحافظ.

وإضافة إلى الوظيفة المعرفية وتعريف التهديد تؤثر الأيديولوجيا في بنية الاستراتيجيا، فإذا قلنا أن الاستراتيجيا تتعلق بثلاث نقاط: هي التصميم وتعبئة الموراد والتنفيذ، فالأيديولجيا تؤثر على هذه المستويات، فعلى مستوى التصميم، تُعبّر الأيديولوجيا عن الفكر السياسي للمجتمع، إذ تُبرز المبادئ والأهداف السياسية التي تنظم من خلالها الأمة علاقاتها مع العالم الخارجي.

أما على مستويي التعبئة والتنفيذ، فللأيديولوجيا دور أساسي -وإن لم يكن حصريًا- في تحديد الموارد والوسائل المناسبة لتحقيق أولويات الاستراتيجية الكبرى، فالأيديولوجيا تمثل مجموعة المعتقدات حول نوايا الفاعلين الأجانب والطريقة الأنسب لاستخدام موارد الدولة في التعامل معهم.

ومن ثَمَّ، كلما اتسعت الفجوة الأيديولوجية بين التيارات السياسية، ظهرت اختلافات أوضح في السياسات المتبعة والوسائل المستخدمة لتحقيقها.

التوازن الأيديولوجي في النظام الدولي

يُعدّ التوازن الأيديولوجي أحد الأبعاد الأساسية في الاستراتيجيا، وهو يعبّر عن الطريقة التي تتفاعل بها الأيديولوجيات داخل النظام الدولي لتوجيه السلوك السياسي والعسكري للدول، فالتنافس الأيديولوجي بين الدول يمثل في جوهره لعبة صفرية، حيث تنظر كل دولة إلى الأخرى باعتبارها خصمًا يهدد مصالحها وقيمها وهو ما يقلل فرص التعاون الدولي، إلا في حالات استثنائية، مثل وجود عدو مشترك، أو مصالح هجومية موحدة، أو تهديد داخلي مشترك، أو رغبة في حماية مبادئ فكرية متقاربة. ومع ذلك، تبقى الاستراتيجية الهجومية الخيار المفضل للدول في ظل الاستقطاب الأيديولوجي، خصوصًا في الأنظمة الثنائية القطبية، حيث يزداد الانقسام بين المعسكرات المتنافسة.

يُعدّ تصدير الأيديولوجيا أداة رئيسية في هذا التوازن، إذ تلجأ الدول إلى نشر أفكارها وقيمها السياسية خارج حدودها لتحقيق هدفين رئيسيين:

  1. التأثير على الدول الأخرى أو الجماعات داخلها؛ من أجل إضعاف تماسكها الاجتماعي والسياسي أو الحد من نفوذ الخصوم الأيديولوجيين.
  2. توسيع شبكة التحالفات الدولية عبر كسب أنصار يتبنون نفس التوجهات الفكرية؛ مما يعزز موقع الدولة في النظام الدولي.

يهدف تصدير الأيديولوجيا إلى تعزيز الأمن القومي وردع التهديدات الخارجية، ورفع تكلفة أي هجوم على مصالح الدولة. ويعتمد نجاح هذه الاستراتيجية على قدرة الدولة على تأطير تصرفاتها ضمن خطاب أيديولوجي يمنحها الشرعية والتأييد الداخلي والخارجي.

ختامًا: الصراع السعودي الإيراني أنموذجًا

الصراع السعودي الإيراني

يُعدّ الصراع بين إيران والسعودية في الشرق الأوسط مثالًا واضحًا على التوازن الأيديولوجي. فإيران تتبنى توجهًا ثوريًا شيعيًا يسعى لتصدير الثورة، بينما تتبنى السعودية توجهًا سنيًا محافظًا يسعى للحفاظ على النظام التقليدي. ينعكس هذا الاختلاف في مواقف وتحالفات البلدين الإقليمية، كما في الحرب اليمنية، حيث دعمت إيران جماعة الحوثيين المتقاربة معها فكريًا، بينما دعمت السعودية الحكومة اليمنية السابقة والتحالف المناهض للحوثيين.

يمتد هذا التنافس أيضًا إلى ملفات أخرى مثل الأزمة السورية والأزمة اللبنانية عام 2017، حيث يسعى كل طرف إلى توسيع نفوذه الإقليمي عبر أدوات أيديولوجية وسياسية واقتصادية. ومع ذلك، لا يمكن تفسير هذه الصراعات بالأيديولوجيا وحدها، إذ تتداخل معها عوامل مادية وعسكرية وسياسية تشكل الإطار العام لهذه المواجهات.

يمثل التوازن الأيديولوجي عنصرًا رئيسيًا في فهم الاستراتيجيا، إذ يُستخدم كوسيلة لتحقيق التفوق الرمزي والسياسي إلى جانب القوة المادية، من خلال توجيه الرؤى، وتبرير السياسات، وبناء التحالفات بما يخدم المصالح القومية ويعزز مكانة الدولة في النظام الدولي.

الهوامش

  1. Alexander Kirss, Does Grand Strategy Matter? strategic studies quarterly winter, 2018. ↩︎
  2. Vincent Desportes, La stratégie en théories , politique étrangère 2:2014. ↩︎
  3. Vincent Desportes, La stratégie en théories , politique étrangère 2:2014. ↩︎
  4. THIERRY BALZACQ and RONALD R. KREBS, THE OXFORD HANDBOOK OF GRAND STRATEGY, p 160; 2021. ↩︎
  5. أسلوب سياسي يعتمد على استغلال مشاعر الجماهير وعواطفهم، خاصة الخوف والتحيزات، لكسب التأييد الشعبي بدلاً من الاعتماد على الحجج المنطقية أو الحقائق. ↩︎
  6. THIERRY BALZACQ and RONALD R. KREBS, THE OXFORD HANDBOOK OF GRAND STRATEGY, p 165; 2021. ↩︎

ميلود شيبانة

مهندس عمليات، وباحث في الشؤون الاستراتيجية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى