كيف تستفيد بما بقي من رمضان؟

إذا سألتك ماذا يمثل رمضان بالنسبة لك، ما سيكون جوابك؟ ربما تقول أنه شهر الغنائم؛ فتغتنمه بأقصى ما عندك لتتحصل على أكثر عدد من الحسنات، وربما سيكون جوابك أنه شهر التربية؛ حيث يربيك على ترك أي شيء من أجل الله، ولو كان حلالًا في دين الله ليس به أي حرمة، لكنه الامتثال الخالص!، وربما تقول أنه يعيد فيك ما سرقته منك الأيام؛ فبعد انشغال دائم بالدنيا تعود إلى الله تقف بين يديه في الصلاة تستمع إلى كلامه في خضوع تام، تكون للعبادة الأولوية فيختلف يومك بحسب العبادات وليس بحسب أمور الدنيا فقط؛ فتستيقظ للسحور ثم صلاة الفجر، وتؤخر نومك حتى تقوم بعضًا من الليل، وتتنازل عن أي عادات طعام أو شراب كنت تتبعها ككوب القهوة ووجبة الفطور قبل أي شيء… وربما تقول غير ذلك!

ثم ها هو شهر الكنوز والفضائل يوشك أن ينتهي، مر منه الكثير ولم نشعر به وبقي القليل من أيامه ولياليه، فهل نحسن توديعه؟ هل تعتق رقابنا ويُغفر لنا؟ هل ندرك ليلة القدر وننهل من كنوزها ما ينير لنا ما بقي من أعمارنا فنسير وفق مراد الله؟

لنفعل، دعنا نفكر فيما نحتاج من رمضان، هل فقط نحتاج الغنيمة؟ او الرجوع إلى الله فترة، أو إلى تربية وقتية؟ هل تغيرت حياتك منذ أول رمضان فُرِض عليك صيامه؟ هل خرجت منه بثمرته المرجوة منه -وهي التقوى-؟

هل اتخذت وقاية بينك وبين محارم الله؟ هل تخشى الله حقًا؟ أم ما زلت في ظلمات المعاصي تتخبط بين هذا وذاك، تتيه بين ثنايا دنيا فانية؟!

ما المشكلة إذًا؟

إذا عدنا إلى أصل ما خُلِقنا لأجله سنجد أنه لأمرين:

أولًا: العبادة

«وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ»

لم نُخلَق هملًا ولا عبثًا -حاشاه ربي سبحانه-، وإنما لتوحيد الله في الأرض وعبادته حق عبادته، ولم يكن ذلك خاصًا بشهر دون شهر أو يوم دون يوم.

ثانيًا: عمارة الأرض

قال –تعالى-:(وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ)

ولم تكن عمارة الأرض وفق هوى عندنا، وإنما وفق مراد الله منا، وفق شرعته ودينه، فنحن عباد لله ولسنا نملك شيئًا من الدنيا، ولا حتى نملك أنفسنا فبين لحظة وأخرى تذهب روح وتولد أخرى، والله الملك وحده لا إله إلا هو. قال –سبحانه-:( الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ)، وقال:( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ).

ومن هذا ندرك مدى أهمية الاتباع، ندرك أنه حجر الأساس في ذلك الدين القيم، وقد فضح الله مدّعي المحبة بقوله تعالى:(قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم)، وفي تلك الآية حكايات وحكايات تدبرية؛ فمنها علمنا أنه إنما يقاس الحب بالاتباع؛ فليس كل مدعٍ للحب صادق، والله عليم بصير! فعلى من نكذب؟، وثانيًا علمنا أن الغاية ليست أن تحب ربك وإنما الغاية كل الغاية أن يحبك ربك -كما قال ابن القيم رحمه الله-، فكانت أولى ثمرات الاتباع أن يحبك الله، وما أدراك ما حال من أحبه الله! نسأل الله أن يجعلنا منهم!.

ما نتبع ومن نتبع؟

نتبع دين الله سبحانه وتعالى المتمثل في كتابه وسنة نبيه -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-، ومن الآية السابق ذكرها اتضح أن علينا اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو القائل:” عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ”. فلننظر إلى هؤلاء، إلى من وجب علينا اتباع سنتهم والتأسي بهم في أمرنا كله.

كيف كان رمضان وكيف أصبح؟

قد كان رمضان شهر العبادة قبل أن يصبح شهر اللهو والانشغال بأمور الدنيا. رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو المغفور له، وهو العابد لله كما أراد ربنا -سبحانه وتعالى- طوال العام، وهو من هو من الكرم والجود وحسن الخلق كله صلوات ربي وسلامه عليه، كان يزيد من عباداته في ذلك الشهر فكان أجود ما يكون في رمضان، وكان يزيد أكثر في العشر الأواخر منه فيعتكف طلبًا لليلة القدر؛ فليلة القدر خير من ألف شهر، وبعد ذلك كيف لمسلم عاقل أن يضيعها؟!

قال ابن عباس -رضي الله عنهما-:” كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان جبريل يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، فلَرسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة” رواه البخاري.

وعن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-:” أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان” رواه مسلم.

وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول:” تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان” رواه البخاري.

فأين نحن الآن من ذلك كله؟ قد أصبح رمضان يأتي فينتظر الناس مسلسلاته وبرامجه، وحلاوة الإفطار في التجمعات التي لا تخلو من محرم فاختلاط محرم أو غيبة أو إسراف وبذخ أو ذلك كله مجتمع أو غير ذلك، إلا من رحم ربي. حتى صلاة التراويح الكثير يأتونها ولا يتدبرون ما يُتلى عليهم من كتاب الله، تلك الآيات التي لو أنزلت على جبل نراه خاشعًا متصدعًا من خشية الله، تلك التي كان يسمعها غيرنا فيبكوا ويبكوا وهم على ما هم فيه من صلاح واتباع لله ورسوله، فكيف بنا نحن وقد عم المنكر فينا وشاع، وقل المعروف وشح؟ قال رب العزة -سبحانه-:(أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها)، أما آن أن نحطم تلك الأقفال ونستمع إلى كلام ربنا خاضعين منيبين إليه راجين منه العفو والهداية؟!

في أفضلية ذلك الشهر

قد جاء في الكتاب والسنة ما يدل على عظم فضل ذلك الشهر؛ حيث أنزل فيه هدايتنا ونجاتنا: كتاب الله.

قال -تعالى-:(شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ) البقرة-آية ١٨٥. وفي تلك الآية يتجلى معنى أن ذلك الكتاب الذي بين يديك هو هدايتك في تلك الدنيا، فكيف يجب أن تتعامل مع هدايتك وسبيلك الوحيد؟ كيف يجب أن تتعامل مع كلام الله خالقك ورازقك ومتوليك ومدبر أمرك؟ لا شك أننا إن أدركنا ذلك وآمنّا حق الإيمان به لتغيّر تعاملنا مع القرآن، فلا نجد هجرانًا ولا قسوة قلب وعمى بصيرة.

وبما أن رمضان شهر نزول القرآن، كان الجو مناسبًا تمامًا لأن يستقبله الإنسان بقلبه فيؤمن به ويتدبره وبجوارحه فيعمل بما فيه.

عن أبي هريرة رضي الله عنه: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” إذا كان أول ليلة من رمضان صُفِّدَت الشياطين ومردة الجن، وغُلِّقَت أبواب النار، فلم يفتح منها باب، وفتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب، وينادي مناد كل ليلة يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار وذلك كل ليلة” رواه البخاري.

فماذا نريد بعد ذلك لنجلس طويلًا سويًا نحن وكتاب الله نتدبره ونفهم معانيه ونبحث حول المراد منه وكيفية العمل به لننجوا ونفلح؟ ولكن كيف لشياطين الإنس أن تتركك تتعرف على هدايتك ونور طريقك؟!

قال القرطبي-رحمه الله-:” فإن قيل: كيف نرى الشرور والمعاصي واقعة في رمضان، فلو صفدت الشياطين ما وقع ذلك؟

فالجواب: أنها إنما تُغَلُّ عن الصائمين الصوم الذي حوفظ على شروطه وروعيت آدابه، أو أن المـراد أن المصفد هم بعض الشياطين وهم المردة لا كل الشياطين، أو المقصود هو تقليل الشرور فيه وهذا أمر محسوس، فإن وقوعها فيه أقل من غيره، لذلك لا يلزم من تصفيد جميعهم أن لا يقع شر ولا معصية…”.

فعليك أنت على أية حال أن تتمسك بأن تتعرف على الله وعلى كتابه وما أراد منك، فما بعد الهدى إلا الضلال؛ أنت إما مهتدي في هذه الدنيا وإما ضال، لا شيء بين ذلك، فاختر بين سبيل آخره جنة وآخر آخره الأخرى أعاذنا الله وإياكم منها. عليك أن تستمع إلى المنادي بقلبك في كل ليلة الذي ينادي عليك أنت ويقول “يا باغي الخير أقبل!” فكيف تعرض عنه وتتيه في بحر من المحرمات واللهو؟! كيف تصد عنك ما يناديك ليهديك؟

ومع العتق من النيران يأتي غفران للذنب ما تقدم منه كله؛ لتنشط الهمم الفاترة ويقوى العزم الضعيف. قال -صلى الله عليه وسلم-:” من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفِر له ما تقدم من ذنبه” رواه البخاري.

ما علينا فعله الآن

إلى جانب الإكثار من فعل أي نوع من الطاعات أردت في تلك الأيام والليالي لكسب المزيد من الحسنات فالطاعات كثيرة ومنها: صلة الأرحام، والبر، والصدقة بأنواعها، وتفريج الكربات، وقضاء الحوائج، الإكثار من الذكر بأنواعه كأذكار الصباح والمساء وتلاوة القرآن وغيره؛ فليلة القدر خير من ألف شهر! وإن استطعت الاعتكاف فأنعم به تأسيًا برسول الله –صلى الله عليه وسلم-! وقد قال –صلى الله عليه وسلم-:” من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه” رواه البخاري. ولكن حتى تخرج من هذا الشهر بثمرته المرجوة منه، وتعيشه كما كان يعيشه رسول الله –صلى الله عليه وسلم- وصحابته والتابعين لهم بإحسان، عليك أن تقوم بالآتي ذكره -حسبما هُدِيت إليه-.

أولًا: أحسن الظن بربك

فالله يفعل ما يشاء، قادر على أن يبدل حال قلبك في لحظة، قادر على أن يعلمك ويفهّمك ويهديك صراطه مستقيمًا، وأن ييسر لك ذلك كله فتراه يفتح لك كما لم تتوقع وأنت تتلو كتابه، تراه يوصل إلى قلبك بعض المعاني التي كنت بحاجة إلى معرفتها، تتلمس معية الله لك في أمورك كلها إن أنت أحسنت الظن به وتوكلت عليه حسن التوكل.

ثانيًا: تعامل فيه مع كتاب الله على أنه هدايتك الوحيدة

تعامل فيه مع كتاب الله على أنه هدايتك الوحيدة وأنت تائه ضال وحدك في ظلام حالك بين شبهات وشهوات ودنيا مُزيّنة فانية،  قال تعالى:(كتابٌ أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد). تقرأ كل آية على أنها لك أنت تحدثك وتذكرك وتنذرك أنت، كما تبشرك أنت بجنة تجري من تحتها الأنهار لك فيها ما أحببت كله إن أنت آمنت بالله وعملت عملًا صالحًا. قال رب العزة –سبحانه-:(وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقًا قَالُوا هَٰذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)

ثالثًا: وأعرض عن الجاهلين

دعك من التفاهات كلها من نقاشات ليس من ورائها طائل سواءً على وسائل التواصل الاجتماعي أو في الواقع، ومن ملهيات شتى وإن أقسموا لك بحِلِّها فليس الآن وقتًا يضيع! وذلك فضلًا عن إعراضك عن المحرمات، فليس ثم حجاب أقوى من الحجاب الذي تنسجه المحرمات بينك وبين الله. قال الشافعي –رحمه الله-:

شَكَوتُ إِلى وَكيعٍ سوءَ حِفظي    فَأَرشَدَني إِلى تَركِ المَعاصي
وَأَخبَرَني بِأَنَّ العِلمَ نورٌ        وَنورُ اللَهِ لا يُهدى لِعاصي

فللذنب تبعات وآثار يتركها فيك فمنها حرمان الطاعات ومنها نقص الرزق وغير ذلك، وإن وقعت مرةً أو مرات لا تيأس من نفسك واستعن بالله عليها وأكمل طريقك إلى الله.

رابعًا: اجعلها نقطة البداية الجديدة في حياتك

والانطلاقة العظيمة إلى مرضاة الله سبحانه وتعالى، وليكن شعارك (إني ذاهبٌ إلى ربي سيهدين)، فاذهب إلى ربك بكُلِّك ولا تتوانى في ذلك، كن على يقين أن الله سيهديك، فحاشاه جل وعلا أن يرد عبدًا أناب إليك وتوكل عليه واستعصم به، فما رفعت أيدٍ إلى الرحمن راجية وردها خائبة أبدًا! قال -سبحانه-:(وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعِ إذا دعانِ فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون).

واعلم أنك البعيد وليس الله سبحانه، وأنك الخاسر وحدك ببعدك ذاك؛ فالله غني عنّا وعمّا في السماوات والأرض جميعًا قال الله عز وجل في الحديث القدسي:”يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم، كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئًا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئًا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني، فأعطيت كل واحد مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخْيَط إذا أدخل البحر” رواه مسلم. وقال تعالى:(إن يشأ يذهبكم ويأتِ بخلق جديد، وما ذلك على الله بعزيز)، وقال –عز وجل-:( مَّنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا).

فلما كانت هي نقطة البداية، كان لزامًا عليك أن تكمل طريقك بعد انتهاء رمضان، لا أن تركن إلى الدنيا ثانيًا وتدع قلبك يظلم بعد نور حل عليه وأضاء لك بصيرتك وحياتك؛ فدين الله منهج حياتك طوال عمرك ليس في شهر دون شهر ويوم دون يوم. قال تعالى:(قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له).

وأخيرًا

أقول كما قال –صلى الله عليه وسلم-:”قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض!”، هكذا كان يشحذ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الهمم، فهلّا لبينا نداء رسول الله وقمنا إلى جنة عرضها السماوات والأرض؟ هلّا تركنا ضلالنا البعيد وأقبلنا على أخرانا أضعاف إقبالنا على دنيانا؟ هلّا فهمنا مقدار الدنيا عند الله فأعطيناها قدرها في قلوبنا لا أكثر من ذلك؟ قال -تعالى-:(الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة ويصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجًا أولئك في ضلال بعيد).

فإياك أن تكون ممن استحب الحياة الدنيا على الآخرة، فاستحب لقاء الخلق عن لقاء الخالق! ربنا تعالى الذي له الجمال كله وله الجلال كله، كيف نبيع لقاءه والنظر إلى وجهه بعرض من الدنيا قليل؟ كيف نبيع دين الله –سبحانه- ونركن إلى ما يفنى ويهترئ، ونحن نرى ذلك في كل لحظة وحين! فسبحان من يرينا آياته في الآفاق وفي أنفسنا لنؤمن به ونحذر يوم نهايتنا نحن كما ينتهي كل شيء حولنا في تلك الدنيا فكل شيء إلى زوال، ونحن كذلك إلى فتات من تراب مسوّى مع الأرض التي نمشي نعصي ربنا عز وجل عليها الآن، ونتكبر ونتعالى بعضنا على بعض، نذنب ونجاهر بالذنوب، فأي تبجح هذا وأي نسيان وغفلة؟

لننفض تلك الغفلة والظلمة عن قلوبنا، ونصاحب كتاب ربنا؛ فهو خير منذر ومذكر ومبشر ومطمئن، هو خير هادي وصاحب في الطريق! قال –تعالى-:(إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا).

الخنساء محمد

فتاة مُسلِمة، مهتمة بالبحثِ عن الحق، واتِّباعهِ، ونَشْرِهِ بين الناسِ؛ لِيَعُم الأرض بدلًا عن الباطل… المزيد »

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

  1. جزاكم الله خيرا .. وبارك فيكِ وأحسن إليكِ.. موضوع جيد متماسك الأركان … اسعدني المقال والعرض ….
    أين يا أختاه جديدك لهذا العام !!؟… ودت أن أتعلم منك !
    د. محمدفخرالدين الرمادي
    17 رمضان 1440~22 مايو 2019م

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى