اختيارات المحرر

محرقة الأوهام: كيف تسترد سيادتك النفسية وتتخلص من الشتات وزيف الرموز؟

بين الدهشة والألم، بكبسة الزر التي تنهال عليك بعدها “بسيل جارف” من المدخلات ليزحف إلى العقول كما لو فتحنا باب سد ممتليء، غرقنا بطوفان أشبه بعصور الظلام.

منشور عابر قرأته بتطفل، يتحدث عن وفاة لطبيب خالف ما اتفق عليه الأطباء وليس مكاني هنا أن أخوض بصحة نظرياته من عدمها، ليتفجر باب السد وتنهار عليَّ المنشورات والاقتراحات والفيديوهات تحمل غثًا بل قيئًا ليس من وجود الخرافة بحد ذاتها، فهي رفيقة الإنسان منذ فجر التاريخ؛ بل من هذا “الانقياد الجماعي” الهائل وراء أوهام تلبس ثوب العلم وتسوّق كأنها خلاص سحري من آلام الواقع.

هل فعلًا هذه هي قوة الخرافة؟! أم أنها حقيقة ولكن صاحبها مظلوم والكل يحاربه لنبوغه؟! أم هي سحر كلمات وحركات أذهبت العقول وسحرت أعين الناس بل واسترهبتهم؟!

لا يا صديقي فالخرافة خرافة، وكيد الشيطان كان ضعيفًا، والسحر مهما علا ولمع يبقى سحرًا، وتزيين وتنميق الكلمات ولي أعناق النصوص لن يصبح يومًا حقيقة.

هذا هو إعلان الإفلاس في (السيادة النفسية) لدى الأتباع وتجسيد دقيق لـ (التيه المزدوج)؛ فحين تغيب بصيرة الفطرة تحت هذا الركام من المدخلات المشوهة، لتتعفن الثمرة قبل نضجها لا لفساد في أصلها بل لانهيار الجذور التي تحملها.

قائمة مزدحمة ومتزايدة من أدعياء التدبر المنفلت، ومنكري السنة، وأرباب الذكورية القبيحة والنسوية المنفلتة، يجمعهم وعاء واحد: النفسية المتأزمة والارتباك المنهجي.

ضحايا الغرور المعرفي: خطر النظارة المستأجرة

ضحايا الغرور المعرفي

لنبدأ بهؤلاء، أصحاب الغرور المعرفي، صنف تعلموا أدوات نقدية مشوهة وظنوا أنهم بامتلاك بعض المصطلحات الفلسفية صاروا قادرين على نقد الجبال الراسية من علوم سلف الأمة. قشرة زائفة تغطي فجوات من الجهل العميق؛ هم لا يبحثون عن الحق بل يبحثون عن التميز الزائف فيرتدون نظارة مستأجرة يلبسها لهم كل متلاعب بالكلمات، فيرون الحق بعيونِ أعدائه.

هنا تكمن العلة المركزية لهذا التيه فهو ليس عجزًا في أدوات العقل، بل هو انحراف البوصلة عن نور الوحي كمرجعية عليا إلى “الأنا” المتضخمة التي تتوهم الكفاية بذاتها.

 قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ﴾1  فهنا نرى أن الطغيان الفكري يولد من رحم رؤية الغنى لا من حقيقة الغنى نفسه، فالإنسان كلما تضخم في عينه ركامه المعرفي أو بريق ذكائه ظن أنه قد جاوز مرحلة الافتقار لمشكاة النبوة ليقع في فخ الاستغناء الذي هو عين الهلاك.

طغيان يبدأ من جحود أصل الخلقة الضعيف ﴿مِنْ عَلَقٍ﴾2 لينتهي بتنصيب العقل حكمًا على النقل، لتتحول “الأنا” إلى صنم يُعبد من دون الله تحت مسمى التحرر الفكري أو التدبر الحر.

بينما الحقيقة أن السيادة والرسوخ لا يُنالان إلا بكمال الافتقار لله، والاعتراف بأن كل علمٍ يستغني عن الوحي هو تيهٌ يحجب الفطرة، ويُعفّن الثمرة قبل نضجها، فمن رأى غناه في نفسه فقد أعلن بداية سقوطه في مستنقع الأوهام.

عقدة المغلوب والعبودية المخملية: سر الانقياد وراء الخرافة

 سر الانقياد وراء الخرافة

الواقع المادي يضغط بشكل كبير، والشعور بالعجز يتنامى ليصبح مرضًا عضالًا مزمنًا، فهنا تتسرب الهزيمة النفسية ليفر المسكين ويلجأ إلى خلاص سحري لا يكلفه جهدًا، لتدخل اليه هذه الترهات والخرافات كمخدر موضعي تجعل له متنفسًا ليهرب من محراب العمل الخشن، ليغرق في العبودية المخملية؛ تلك القيود الناعمة من الشهرة والمال والاستهلاك التي تُصادر الإرادة وتحدد مسارات القرار.

فبالأمس خرج علينا فلان وأغرقنا بشبهات واهنة أوهن من بيت العنكبوت عند أصغر طالب علم ليتحدث بأسلوب الواثق معتليًا المنبر، بل ويتكلم كالرجال ويتحدى كالفرسان، ليقع في شر أعماله وتظهر أكاذيبه وادعاءاته بل وغاياته.

ثم يخرج إلينا المفكر المتدبر، منقذ العصر ومنجد الأمة، ليعلمنا ما لم نعلمه من أكثر من ألف وأربعمائة سنة بادعائه فهمًا للقران وتدبرًا لم يملكه أحد غيره، رحم الله سلف الأمة فقد ماتوا ولم ينهلوا من علمه وفكره! الذي أحل به الحرام وحرم الحلال واستخف بالعقول وتبعه خلق ليس عددهم بالقليل وصح فيهم قول المختار: غثاء كغثاء السيل.

ثم يتدفق الشلال فيعتلي الموجة من كان بالأمس من أشد الخصوم، ويحارب الإسلام ولا يدع شبهة ولا انتفاصة ولا كذبة إلا ويلصقها بالإسلام ليتوب ويرجع خاشعًا مدعيَّا أنه قد أناب، فيتحول بمجرد توبته إلى مرجع كوني يرفع للسماء.

ومن محارب للإسلام صار يلمَّع كواجهة للإسلام، وطبعًا تتبعه الجماهير ليسجلوا بواقعهم المأزوم وحالهم المهزوم انتصارًا ولو باللهاث خلف الدراما لا خلف اليقين والعلم، فتقدس الخرافة لأنها ببساطة تمنحهم شعورًا زائفًا بالسيطرة والفهم دون الحاجة لبذل جهد في التفكير والبحث والجهد.

إنه “زرار سكينر”، إشباع سريع للأوهام يفرز دوبامينًا زائفًا يطمس الحقيقة، ليشعر فيه الفارغ المهزوم بنشوة مؤقتة يرفع بها أقوامًا ويحط آخرين، فقط ليمارس قدرة افتقدها في واقعه المأزوم.

هل توقف الأمر هنا؟ لا، بل حتى من يخالف المألوف، ويدعي وصلًا بالغيب وعلمًا لم يؤت لأحد قبله، وهو المضطهد المحارب لأنه فريد عصره صاحب الفكر والعلم الأصيل والتفكر والتدبير، فمِن مَن ادعى بتسطيح الأرض إلى نظام الطيبات إلى مَن ادعى أنه المهدي وصاحب الزمان بمنشورات.

تشريح أصناف التيه وزيف الرموز: من هم حراس الوهم؟

في هذا المستنقع تتداخل الموروثات الشعبية مع الأزمات الاجتماعية فتطفو ظواهر تجسد حالة الشتات الصامت: فمن الفكر الذكوري العفن والنسوية المشوهة؛ يبدأ صراع أصنام وردات فعل متطرفة تفتقد للمروءة قبل الدين؛ كلاهما يصدر عن نفسية متأزمة مشبعة بالبغضاء تجاه المجتمع، يعيشون في سجن المفعول به حيث يحدد الخصم هويتهم.

مرورًا بمعاول الهدم (منكروا السنة والحدادية): فريقان يجمعهما سوء الأدب وبذاءة اللسان وتعاظم الأنا؛ أحدهم يطعن في الأصل (السنة) بدعوى العقل، والآخر يطعن في حملة الأصل (العلماء).

إلى أدعياء التدبر وأمثالهم: ممن يتحدون العقول بفراغ وترهات، مستغلين غياب التفكير النقدي وضعف الثقة في المؤسسات العلمية، أو ممن أعياه السؤال وفقد حقه بظلم من الإنسان.

وهنا نضع يدنا على مكمن الداء وعين الدواء؛ فالسلامة ليست شعارًا بل هي امتثال لقانون المرجعية السيادية، فلم يكن سلف الأمة يتركون ثغور الوعي مشاعًا لكل ناعق، بل وضعوا موازين صارمة لتمحيص المدخلات؛ فالعلم دين، والتساهل في مصدره هلاك، وكما روى الإمام مسلم في مقدمته عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ رحمه الله أنه قَالَ: «إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ»3.

وكذلك الأصل الذي سطره عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بقوله: “لا يزال الناس بخير ما أخذوا العلم عن أكابرهم، فإذا أخذوه من أصاغرهم وشرارهم هلكوا”4.

الأكابر هم أرباب الرسوخ الذين صفت تربتهم من شوائب الهوى، فصار علمهم دواءً لا ركامًا. أما الأصاغر فهم صغار القدر والمكانة، وإن بلغت شهرتهم الآفاق؛ أولئك الذين يبيعون المخدرات الفكرية التي تداعب غرور الأتباع، فتكون النتيجة حتمًا هي الهلاك المعرفي بضياع البوصلة عن جبال العلم والارتباط بفقاعات الترند الفكري.

لكن؛ لماذا يستميتون في الدفاع: الارتباط الشرطي بالعفن

الدفاع المستميت عن الرموز المضللة هو دفاع عن منطقة الراحة في مستنقع الجهل، فهؤلاء قدموا دينًا مخمليًا بلا تكاليف، فصار الدفاع عنهم هو دفاع عن الشرعية التي مُنحت للأتباع ليعيشوا في تفاهتهم بلا تأنيب ضمير.

إنهم يخشون بروتوكول البتر الذي يفرضه الحق؛ لأن البتر مؤلم والعيش في الركام أسهل من بناء (المحراب). قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾5. هذا هو التيه المزدوج بعينه.

بين المشرط وبروتوكول العودة للسيادة

بروتوكول العودة للسيادة النفسية

مواجهة هذا السيل لا تكون بالصراخ، بل بعمارة المحراب؛ بالعودة إلى أصل الفطرة ونبع الوحي الصافي. يجب أن نبتر عقدة المغلوب لنسترد سيادة الروح. فقلبك هو الصندوق؛ فاحذر من الذي يغذيه؛ هل هو الإشباع السريع للرغبات أم نور الوحي الذي يتطلب الصبر والرضا وحسن الظن واليقين؟

النجاة ليست في عدم السقوط في الأوهام، بل في سرعة الإفاقة، كما فعل حَنظَلةَ الأُسَيديَّ رضي الله عنه، فصرخته حين قال: “نافق حنظلة”، هي ذروة الصدق مع النفس؛ إذ كشف بها الفجوة بين حضور القلب في المحراب وبين انغماسه في ركام الدنيا.

ويأتي الرد النبوي: “ساعة وساعة”6 ليضع هندسة التوازن السيادي؛ فالنجاة ليست في بلوغ كمالِ الملائكة، بل في سرعة الإفاقة والعودة الدائمة من ضجيج المباحات إلى نور الوحي، ليبقى القلب حيًا بالافتقار، والجسد فاعلًا في الميدان دون أن يطمر أحدهما الآخر.

فلا تنتظر حتى تصبح مثاليًا لتنقد الباطل؛ اقتل وهم الكمال وابدأ بالصدق المطلق في مقامك الحالي. وتذكر: السيادة تُنتزع باليقين والعمل، لا بالتمني والتنظير من وراء الشاشات.


المراجع

  1. سورة العلق، الآية: 6-7. ↩︎
  2. سورة العلق، الآية: 2. ↩︎
  3. مسلم، أبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري (ت 261هـ)، صحيح مسلم، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، (القاهرة: مطبعة عيسى البابي الحلبي، 1374 هـ – 1955 م)، ج1، ص 14. ↩︎
  4. ابن عبد البر، أبو عمر يوسف بن عبد الله (ت 463 هـ)، جامع بيان العلم وفضله، تحقيق: أبو الأشبال الزهيري، ط1، (السعودية: دار ابن الجوزي، 1414 هـ – 1994 م)، ج2، ص 616. ↩︎
  5. سورة الكهف، الآيات: 103-104. ↩︎
  6. انظر؛ مسلم، صحيح مسلم، ج4، ص 2106، حديث رقم: 2750. ↩︎

حافظ غندور

باحث ومؤلف في فقه نفس العصر باحث في العلوم الدوائية والتحصين النفسي والشرعي مؤسس مشروع… المزيد »

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى