
كيف تنجو بقلبك من فخ الخوارزميات؟
إذا كانت الخوارزميات قد نجحت في تحويل وعائنا النفسي إلى مستودع للمدخلات العشوائية، فإن الاستفاقة من هذه الإصابة الصامتة لا تتحقق بمجرد الوعي بالمرض، بل ببدء عملية جراحية لاسترداد السيادة المسلوبة.
إننا اليوم نعيش أمام معضلة وجودية؛ حيث تسبق المعلومة القدرة على الفعل، مما أدى إلى ترهل في الإرادة وتشوّه في بوصلة الفطرة. ومن واقع خبرتي التي امتدت لعقدين في أروقة الصيدليات وعالم تركيب المستحضرات العلاجية، أدركتُ قانونًا لا يخطئ: “لا نفع من مادة فعّالة تُسكب في وعاء ملوث”.
إن التراكم المعلوماتي دون تمثيل عملي يورث “عسر هضم وجودي”، يمنع امتصاص الحقيقة، وهذا ما يفسر قول ابن القيم في ذم العلم بلا عمل: «لو نفع العلم بلا عمل؛ لما ذمَّ الله سبحانه أحبار أهل الكتاب»1؛ فالعلم ترياق يفسد بفساد الوعاء. لذا، فإن السيادة بل استعادة الذات تبدأ بـ (البتر) قبل (البناء). والسؤال الآن كيف نحمي حصوننا الداخلية من هذا السيل الجارف؟
قانون البتر: لماذا يصبح الامتناع قمة القوة؟

إن السيادة الروحية تقتضي أولًا ممارسة فعل الرفض؛ ففي بيئة رقمية مصممة لاستنزاف الانتباه، يصبح الامتناع هو أعلى درجات القوة. إن التخلية هنا ليست ندمًا عابرًا، بل هي جردٌ شجاع لركام العبوديات الصغرى التي تتسلل عبر الحواس.
إننا في زمن السيولة الرقمية2 لا نواجه أفعالًا مجردة، بل نواجه سيل خطرات يقصف وعينا على مدار الساعة؛ فإذا لم نستعمل مشرط البتر في أول الطريق، تحولت هذه الخطرات إلى أغلال تكبّل محرك الفعل عندنا. وهذا ما أصله ابن القيم بدقة جراحية في تشريح مسارات السقوط حين قال:
«دافع الخطرةَ؛ فإن لم تفعل صارت فكرةً، فإن لم تفعل صارت إرادة، فإن لم تفعل صارت عزيمة، فإن لم تفعل صارت فعلًا، فإن لم تتداركه بضده صار عادةً».3
إن مفهوم «تَرْكُ مَا لَا يَعْنِيهِ»4، يتجاوز مجرد كفّ اللسان، ليمتد إلى تطهير الوعي من فُضول المباحات والبحث في حقائق الغيب أو المسائل الافتراضية التي لا تزيد المرء إلا حيرة. فمن كمال إسلامك أن تبتعد عن كل ما لا يخصك ولا يفيدك في معادك، سواء كان ذلك “ترندًا” عابرًا أو جدلًا عقليًا عقيمًا؛ فممّا لا يعني الإنسان أيضًا الانشغال بتفاصيل الحِكَم في الخلق والأمر على حساب الواجبات العملية.
فالسيادة تبدأ حين يقرر الإنسان ألا يكون وعاؤه إسفنجة تمتص لغوًا لا يثمر أثرًا، بل انشغالًا بما ينفع ويُفيد في الدين والدنيا.
هندسة الزجاجة المصمتة: الصلابة في زمن السيولة

هنا نطرح مفهومًا مركزيًا في استعادة السيادة، وهو الزجاجة المصمتة5، وهي حالة من الاستقلال الشعوري التام؛ حيث يُشبه قلب الإنسان الصادق زجاجةً صافية تشرق بنور الوحي واليقين من الداخل، لكنها مصمتة ومنيعة أمام رياح الخلق وضجيج “الترند” من الخارج.
أنت ترى الواقع، وتراقب حركة العالم من خلف هذا الزجاج المتين، لكنك لا تسمح لاضطرابات الوسائل أن تعبث بلهب إرادتك في محرابك الخاص. إنها تفعيل لمقام ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾6 كحالة دفاعية تمنع النظارات المستأجرة من تحديد قيمتك بناءً على أرقام أو تفاعلات وهمية.
السيادة هنا هي ألا يكون وعاؤك مستباحًا؛ وهي ما تتوافق مع الاستقلال الذاتي، لكننا نعيد تأصيله بمرجعية الوحي؛ فالسيادة هي ألا يكون وعاؤك مستباحًا، وأن تتحرر من عبودية المدخلات لتبلغ حقيقة العبودية لله وحده.
ما سماه ابن القيم “حمية الفضول” حين قال: «التقوى ثلاث مراتب.. الثالثة: الحميةُ عن الفُضول وما لا يعني»7، هو في جوهره الرد الفلسفي والشرعي الاستباقي على ما يسمى اليوم باقتصاد الانتباه؛ حيث تتسابق الخوارزميات لتحويلك إلى منتج مستباح.
فمن خلال هذه الحمية عن الأغيار وفضول المباحات، يسترد الإنسان سيادته على وقته وانتباهه، وهي التي تُكسب العبد سرورَه وفرحهُ وبهجَتَهُ8؛ لأن النفس لا تسكن إلا إذا انقطعت عن اللهاث خلف السراب الرقمي وعادت لسكينة محرابها الأصيل.
الفعل المُرغم: كسر صنم المزاج والشغف

إن الانتقال من التيه إلى السيادة يمر عبر جسر الفعل المُرغم. في زمن عبادة المزاج وما تروجه مدرسة الإيجابية الزائفة من انتظار الشغف، تُسترد السيادة بإرغام الجسد على القيام بالواجب تحت مقصلة الصدق، حتى لو كانت النفس تئن تحت وطأة الفتور.
إن المحرك المكبّل هو رمز لجاهزيتك المعطلة بخيوط التسويف. ولن ينطلق هذا المحرك بانتظار تحسن المشاعر، بل بالإدراك اليقيني بأن «أعظم الرِّبْح في الدُّنيا أن تشتغل نفسك كلَّ وقتٍ بما هو أولى بها وأنفعُ لها في معادها»9.
وكما في مهن اللحام والأكسجين؛ لا يمكن وصل الحديد وإصلاح الهياكل إلا بلهبٍ مركزٍ يحرق الشوائب، كذلك الروح لا تنطلق إلا بمشرط الاسترداد الذي يبتر الأعذار الواهية ويقطع شهوة الساعة التي قد تُباع بها الجنة.
والقانون الحاكم هنا هو قوله ﷺ: «أَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ»10، فهذا القليل الدائم هو الجسر الذي يكسر وهم الإرهاق ويعيد إليك زمام المبادرة، وهو ما يتقاطع مع رؤى علم النفس السلوكي حول العادات الذرية وأثرها في إعادة تشكيل الهوية خلال العمل لا من خلال الأمنيات.
الخاتمة
السيادة الروحية هي انتزاع لحقك في أن تكون عبدًا لله وحده، محصنًا من عبودية الوسائط والارتهان للخوارزميات.
تبدأ الرحلة بتطهير الوعاء من الفضول، لتمر بالزجاجة المصمتة لحماية القلب، فتنتهي بالفعل المُرغم لاستعادة الإرادة. فمن أراد العبور من الركام إلى النور، فعليه أن يدرك أن “المحراب لا يفتح أبوابه إلا لمن صدق في خلع نعليه”: نعل التعلق بالخلق، ونعل الشتات في الوسائل.
فالعارف يخرج من الدنيا ولم يقضِ وطره من شيئين: «بكاؤُهُ على نفسه، وثناؤُهُ على ربِّه»11. فهل أنت مستعد اليوم لكسر صنم المزاج وبناء حصنك النفسي المستقل؟
المصادر
- ابن قيم الجوزية، الفوائد، تحقيق: محمد عزير شمس، ط4، الرياض: دار عطاءات العلم، وبيروت: دار ابن حزم، 1440هـ – 2019م، ص 45. ↩︎
- يُنظر: زيجمونت باومان، الحداثة السائلة، ترجمة: حجاج أبو جبر، ط1، بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2016م. (للاستزادة حول أثر “السيولة” في تآكل الهياكل النفسية المعاصرة). ↩︎
- ابن القيم، الفوائد، مرجع سابق، ص 45. ↩︎
- قال ﷺ: «مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ». أخرجه الترمذي (2317)، وصححه الألباني في صحيح الترمذي. ↩︎
- وهو المفهوم الذي استلهمناه من وصية شيخ الإسلام ابن تيمية لتلميذه ابن القيم في التفريق بين “القلب الإسفنجة” الذي يتشرب الشبهات والركام، وبين “القلب الزجاجة” الذي يرى بصفائه ويدفع بصلابته. [انظر؛ ابن قيم الجوزية، مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة، تحقيق: عبد الرحمن بن حسن بن قائد، ط3، الرياض: دار عطاءات العلم، وبيروت: دار ابن حزم، 1440هـ – 2019م، ج1، ص 395]. ↩︎
- الزمر: 36. ↩︎
- ابن القيم، الفوائد، مرجع سابق، ص 45. ↩︎
- المرجع نفسه، ص 45. ↩︎
- المرجع نفسه، ص 45. ↩︎
- أخرجه البخاري (6465)، ومسلم (783). ↩︎
- ابن القيم، الفوائد، مرجع سابق، ص 45. ↩︎



