حدثني شيخ الزمان عن نبي الله سليمان قال فيما يرويه عن دعاة الإيمان:

في أمد سحيق، وقعر عميق، عاش بمملكة سبأ شعب عريق، مدينتهم مأرب وهي قطعة من اليمن الشقيق، تبعد عن صنعاء مسيرة ثلاثة أيام على التحقيق.

 إخوتي الكرام:

 اختص الله بالنعم سليمان، وسخر له الإنس والجان، فسبحان الواهب المنان، إذا أراد شيئا كان، سير الريح لحركته، وذلل الشياطين لخدمته؛ فمنهم من بنى القصور الشاهقات لرفعته، ومنهم من غاص عمق البحر لتستخرج منه الجواهر لمصلحته -وإن كل واحد منهم لتحت إمرته-

امتن الله على سليمان بغزير العلم، وحباه تفضلا منه بحسن الفهم، فالعلم منحة ربانية والفهم فتوح إلهية، فاشكر يزد لك في العطية، قال نبي الله سليمان كما حكى عنه رب البرية: (وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ)

أيُّها السادة الكرام:

تتجلى السمات الشخصية لأصحاب الأدوار الرئيسية في هذه القصة القرآنية ; فلسيمان شخصية وللهدهد شخصية ; فقد كان سليمانعليه السلامحازما في غير عنف، لطيفا في غير ضعف ألا تراه ذا يترصد ولرعيته يتفقد، فكم عدد الحاضرين؟

   وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ

أين هو بين الطيور؟ أم أنه ليس له اليوم ظهور؟

والله لأعرفن السبب! أو لأنتفن ريشه أو لأذبحنه عن كثب!

تالله -إن لم يقدم تبريره-ليرين العجب؟

غضب سليمان على الهدهد، فأرعد وأرغى وأزبد، وهدد وتوعد: (لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ)

مع هذا اللوم الصريح والعتب، فالعقوبة عند سليمان على قدر الذنب المرتكب، وما هي إلا ثوان يسيرة قطع خلالها الهدهد المسيرة، فحل الجندي في الحين ومعه الخبر المبين: (فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ)

إنه سبق صحفي ونقل فضائي حي، عنوانه الصدق والمصداقية وأساسه الجودة والاحترافية، من مملكة سبأ السبئية.

ترى ما هي المشكلة العصية؟ وماذا الذي استوقف الهدهد في ملابسات القضية؟

للهدهد موقف وشخصية، إذ الزم نفسه بالمنهجية، فبدأ خطابه بديباجة وافتتاحية، مبينا فيها وضع الراعي وحال الرعية، ثم ثنى بالمسألة الأساس التي لا تقبل الالتباس، الزلل فيها ظلم عظيم، وسواده كالليل البهيم فاستشنع الهدهد خضوعهم لغير الله!   واستبشع سجودهم للشمس وتعفيرهم لها الجباه!  تعجب الهدهد وقال: ألا يسجدون لرب البرايا، الذي يعلم الخفايا ويحيط بسرائر النوايا.

 إلهي! قد حزت الكمال والجمال والجلال، لك خضعت رقبتي، وذل لك جسمي، ورغم لك أنفي.

إليك وإلا لا تشد الركائب            وفيك وإلا فالمؤمل خائب

ومنك وإلا فالغرام مضيع            وعنك وإلا فالمحدث كاذب

 فالله –سبحانه وتعالى-متوحد متفرد في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله فليس له شريك ولا كفء ولا نظير: (فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا ۖ يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ ۚ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)

وفي الختام، دعا القوم إلى السجود لله أهل الكرم والجود، فهو-سبحانه وتعالى-أعظم معبود، يعلم السرائر وما خفي من المقصود، إنه كريم ودود.

يا له من هدهد متميز في رؤيته ورسالته وأهدافه!

هدهد واحد، انتصر للإله الواحد، وجموع غفيرة سجدت لشمس الظهيرة.

هدهد كان للحقيقة واعيا، وللحق راعيا وللتوحيد داعيا.

هدهد يحمل هما، ينشر علما، يصحح فهما، يزيل سقما.

هدهد يحلق في الفضاء، فيسمع دويا في الأرجاء، ويشاهد ما يدعوه للبكاء، فينقل أبرز الأنباء، ثم يشخص الداء ويصف الدواء.

هدهد جميل، دعا إلى أقوم سبيل، وحذر من شيطان التضليل، هكذا قص علينا الملك الجليل، في سورة النمل من التنزيل: (إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (23) وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ (24) أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (25) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (26))

وبعد الإصغاء والانتظار، استأنف سليمان الحوار في تبادل لبنات الأفكار: (قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ)

فمنهج التحري يستوجب التروي، والأصل في هذا المقام حسن النية والتصديق، وبعد البحث يتضح السر الذي استودع البئر العميق.

يوشك أن نصل إلى محطة الوصول، على أمل أنكم استفدتم من المحصول

إنها قصة بديعة جمعت بين سمو الفكرة وروعة الطبيعة، إنها وردة ندية تنشر عبق الإيجابية، أبطالها الهدهد والهدية، فالهدهد الداعية إلى الوحدانية والهدية هي الأدلة العقلية والنقلية وسر نجاحهما تنوع الخطاب في الرسالة الوعظية، فقد بلغ الهدهد عن رب البرية، ودلل على وجود الذات الإلهية حتى فاحت روائح التوحيد الزكية، فأسلمت بلقيس وأعلنت لله العبودية. وصل اللهم وسلم على خير البرية وأزكى البشرية.

502

الكاتب

عبد الغني حوبة

أستاذ بمعهد العلوم الإسلامية جامعة الشهيد حمه لخضر الوادي-الجزائر، خطيب بمسجد الصحابة تكسبت الوادي، ماجستير شريعة وقانون تخصص قانون دولي إنساني.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.