اختيارات المحرر

سقوط حواضر الإسلام في القرن الإفريقي (هَرَر ونموذج التوسع الحبشي)

إن سقوط مدينة هَرَر عام 1887م لم يكن مجرد واقعة عسكرية معزولة، بل كان “الضربة القاضية” لمشروع سياسي إسلامي في المنطقة، ونتيجة مباشرة لتقاطع الأطماع الاستعمارية الأوروبية مع طموحات “منليك الثاني” التوسعية، مستغلاً فراغ القوة الذي خلفه الانسحاب المصري.

“يمثل العصر الذي سبق الحقبة المصرية (التي بدأت عام 1875م) العصر الذهبي المتأخر لإمارة هَرَر الإسلامية، تحت حكم أسرة “علي بن داود”، فكيف كان وضعها السياسي والاقتصادي والديني والعسكري آنذاك؟

1. الوضع السياسي: استقلال “بيت داود”

في عام 1647م، نالت هرر استقلالها عن سلطنة عدل الكبرى، ليقيم علي بن داود إمارة وراثية حكمت ذريته من بعده. وقد واجهت هذه الإمارة، قبل وصول المصريين، صراعاً وجودياً للحفاظ على هويتها الإسلامية واستقلالها في محيط مضطرب. كان الأمير يمثل فيها السلطة العليا، ويساعده في إدارة الحكم مجلس يضم أعيان البلد. وتمتعت هرر بالسيادة الكاملة، وأبرز دليل على ذلك هو سكها لعملتها الخاصة داخل المدينة، مما يشير إلى استقلالها الاقتصادي والسياسي الواضح.1

2. الوضع الاقتصادي: “ميناء البر”

​​كانت إمارة هَرَر تُعرف قبل عام 1875م بلقب “ميناء البر”، إذ مثلت عقدة تجارية حيوية تربط بين أعماق القارة الأفريقية وموانئ البحر الأحمر الرئيسية مثل: زيلع وبربرة. ولم تكن القوافل التجارية المحملة بسلع المنطقة النفيسة -كالعاج، والبن الهرري الشهير، والقات، والجلود- لتَمُر إلا عبر بوابات هرر الخمسة، التي كانت تتحكم في حركة التجارة وتضمن أمنها.

ميناء بربرة في إمارة هَرَر
ميناء بربرة

كما تميزت هَرَر بكونها الإمارة أو الدولة الوحيدة في منطقة القرن الأفريقي التي سكت عملتها المحلية الخاصة، المسماة “المهلاق” (Mahallaq)، وذلك قبل انتشار العملات الأجنبية والمصرية لاحقاً، مما كان دليلاً واضحاً على سيادتها الاقتصادية واستقلاليتها.2

3. الوضع الديني والثقافي: “مدينة الأولياء”

 اشتهرت هَرَر بـ “مدينة الخمس وثمانين مسجداً” وبتسمية “مدينة الأولياء” لكثرة علمائها، حيث انتشرت فيها الخلاوي والزوايا التي تدرس الفقه الشافعي واللغة العربية، مما جعلها مقصداً لطلاب العلم من كافة أنحاء القرن الأفريقي (مثل الصومال والعفر والأورومو والقوميات المسلمة الأخرى).

وتميزت سياسة المدينة قبل عام 1875م بالصرامة تجاه الأجانب، وخاصة الأوروبيين، حيث كان يُمنع دخول غير المسلمين إليها. وقد وصف هذا المنع الرحالة ريتشارد بيرتون الذي دخلها مُتخفياً عام 1854م كأول أوروبي يزورها.3

4. الوضع العسكري والدفاعي: (البوابات الخمسة)

أما على الصعيد العسكري والدفاعي، فقد حصّنت المدينة نفسها بأسوارها الشهيرة (الجُغول) التي بُنيت في القرن السادس عشر واحتوت على خمس بوابات تاريخية هي:

  • باب شو (للقوافل القادمة من الغرب).
  • باب زيلع (للتجارة مع الساحل).
  • باب إرسبرت.
  • باب أسمادين.
  • باب بدرو.

لم تكن هذه الأسوار مجرد بناء مادي، بل كانت ترمز للحدود الفاصلة بين “دار الإسلام” داخل المدينة والمحيط القبلي الذي كان في حالة صراع أو تحالف هش مع السلطة المركزية.

وبالتالي، يمكن وصف وضع الإمارة في تلك الحقبة بأنه “استقلال قلق”؛ فبينما كانت مركزاً حضارياً ودينياً لا يُضاهى، كانت تفتقر إلى جيش نظامي قادر على الدفاع عن هذا الثراء في مواجهة الأطماع المتزايدة في منطقة القرن الإفريقي المضطربة.

الحقبة المصرية (1875 – 1885م) 

تحركت القوات المصرية بقرار عسكري مباشر، حيث جُهزت حملة قوامها حوالي 1200 جندي بقيادة محمد رؤوف باشا. بدأت الرحلة من ساحل زيلع، وكان الزحف بطيئاً بسبب التضاريس الجبلية الوعرة. ولم يكن الوصول سهلاً، إذ وقعت مناوشات مع القبائل المحلية على الطريق، لكن التفوق في السلاح والتدريب مكّن القوات المصرية من بلوغ أسوار المدينة وفتحها في أكتوبر 1875.

استقر الوجود المصري في قلب مدينة هرر المسورة، واتخذوها مركزاً إدارياً لإقليم واسع. لم يكتفِ المحتلون بالمدينة فقط، بل أقاموا نقاطاً عسكرية ومراكز مراقبة في المناطق المحيطة لتأمين طرق التجارة الواصلة بين الهضبة والساحل الصومالي.

تحولت هَرَر خلال ذلك العقد (1875-1885) من إمارة تقليدية إلى مدينة أُدخلت عليها نظم إدارية حديثة في عدة جوانب:

  • العمران والهوية: أعاد المهندسون المصريون تخطيط بعض الشوارع، وبنوا “سراي” للحكم ومنشآت صحية. كما قاموا بترميم وتوسيع المساجد، وأبرزها المسجد الجامع، مما أعطى المدينة طابعاً يجمع بين أصالتها الإسلامية والتنظيم المصري.
  • التغيير الاجتماعي: دخلت اللغة العربية بقوة في المعاملات الرسمية والتعليم، وأرسلت القاهرة علماء لتدريس المذاهب الفقهية، مما خلق رابطاً روحياً قوياً بين العاصمتين.
  • الزراعة والتطوير: أدخل المصريون محاصيل جديدة لم تكن معروفة بكثرة، وحسّنوا وسائل جمع وتصدير المحاصيل المحلية، ونظموا الأسواق بوضع قوانين تجارية واضحة وموازين رسمية.
  • الجانب الصحي: أُنشئت أول صيدلية ومستشفى في المدينة، وهو ما مثّل نقلة نوعية في حياة السكان الذين كانوا يعتمدون كلياً على الطب الشعبي.

غير أن هذا التحديث توقف تحت ضغط الثورة المهدية والاحتلال البريطاني. عندما غادر المصريون في مايو 1885م، تركوا خلفهم مدينة متطورة عمرانياً ولكنها مكشوفة عسكرياً وسياسياً.

منليك الثاني والأطماع التوسعية تحت الغطاء الأوروبي

الملك منليك الثاني
الملك منليك الثاني

تبنى منليك الثاني -ملك إقليم شوا ومستقبل إمبراطور إثيوبيا- سياسة “التمزيق التدريجي” استعداداً للانقضاض على هرر. وقبل التوجه نحوها، عمل على تصفية الحزام الإسلامي الذي كان يشكل عمقاً استراتيجياً لها:

  • إمارة ولو (Wollo): سحق حركات المقاومة فيها (1878-1880م) وفرض التنصير القسري على زعمائها.
  • إمارة أروسي (Arsi): خاضت قبائل الأورومو المسلمة مقاومة أسطورية بلغت ذروتها في معركة “أزوليه” (Azule) عام 1886م، حيث قُتل الآلاف من المدافعين. 

استنجاد الأمير بأمراء المسلمين عالميا وإقليميا

​أولاً: المراسلات مع الدولة العثمانية (الخلافة)

​كان الأمير عبد الله ينظر إلى هَرَر كجزء من الكيان الإسلامي الواسع، وحاول استعادة الحماية العثمانية التي كانت قائمة اسمياً خلال الوجود المصري.

​فحوى الرسائل: استنجد الأمير بالسلطان العثماني (عبد الحميد الثاني) طالباً الدعم العسكري أو الاعتراف السياسي لإضفاء شرعية دولية على إمارته تحميه من أطماع الحبشة.

​لكن الدولة العثمانية في تلك الفترة كانت تمر بمرحلة ما سمي “الرجل المريض” وبضغوط أوروبية هائلة، فلم تكن قادرة على إرسال جيوش إلى عمق القرن الإفريقي، فاكتفت بالدعم المعنوي والاعتراف الذي لم يترجم إلى قوة على الأرض.4

​ثانياً: المراسلات مع حكام المناطق الإسلامية المجاورة

​حاول الأمير بناء تحالف إقليمي سريع لمواجهة “الخطر الداهم” مع سلاطين المسلمين المجاورة فأرسل رسائل إلى زعماء قبائل “العيسى” و”الأوجادين” وسلاطين الساحل، محذراً إياهم من أن سقوط هرر يعني سقوط قلاع الإسلام في المنطقة الواحدة تلو الأخرى.

​ حرض الأمير على الجهاد في سبيل الله في مراسلاته لتحفيز القبائل المحيطة. ويذكر المؤرخون أن خطاباته كانت تركز على حماية “الحرم الهرري” ومنع تحويل المساجد إلى كنائس.5

​ثالثاً: المراسلات مع القوى الأوروبية (كمحاولة يائسة)

​بشكل يثير الدهشة، حاول الأمير اللعب على التناقضات الاستعمارية بمراسلة بريطانيا وإيطاليا فكتب للقنصل البريطاني في “زيلع” طالباً الحماية البريطانية، ظناً منه أن بريطانيا لن تسمح لمنليك بالسيطرة على طريق التجارة، لكن بريطانيا كانت قد عقدت تفاهمات ضمنية مع منليك لتسهيل توسع الحبشة مقابل استقرار معين في المنطقة.6

​تشير الوثائق إلى أن الأمير عبد الله كان يتحرك في “وقت ضائع”، فالمصادر تذكر بوضوح في الصفحة 16 من دراسة R.A. Caulk أن الأمير رفض نصيحة بعض مستشاريه بالاستسلام المبكر، وظل يرسل الرسل حتى اللحظات الأخيرة قبل معركة تشيلانكو، آملاً في وصول إمدادات من اليمن أو الحجاز، لكن العزلة الجغرافية والتفوق التقني للجيش الحبشي كانا أسرع من وصول أي نجدة.

​بعد قرار إخلاء الحاميات المصرية من السودان وشرق أفريقيا نتيجة الثورة المهدية، استعاد الأمير عبد الله بن محمد حكم هرر. ويذكر المؤرخ محمد فؤاد شكري في كتابه “مصر وإفريقيا” أن هذا الانسحاب خلق فراغاً سياسياً في منطقة القرن الأفريقي، حيث ترك المصريون وراءهم مدينة منظمة إدارياً لكنها مكشوفة عسكرياً أمام الأطماع الإقليمية المتزايدة، خاصة بعد أن فقدت الحماية التي كان يوفرها الجيش المصري النظامي.

ميزان القوى ودور السلاح الأوروبي

​كان التفوق العسكري لجيش الملك منليك الثاني عاملاً حاسماً في سقوط الإمارة، ويؤكد المؤرخ ريتشارد بانكهيرست في كتابه “The Ethiopian Borderlands” أن منليك استغل علاقاته الدبلوماسية مع إيطاليا وفرنسا للحصول على أكثر من 20,000 بندقية حديثة من طراز “ريمنجتون” و”تشاتسيبو”. هذا الدعم اللوجستي الأوروبي جعل جيش “شوا” يتفوق بمراحل على جيش هرر الذي كان يعتمد، بحسب وصف بانكهيرست، على الرماح والسيوف وبعض البنادق القديمة التي خلفها المصريون.

​معركة تشيلنكو (يناير 1887)

​وقعت المواجهة الفاصلة في منطقة “تشيلنكو”، حيث حاول الأمير عبد الله صد الزحف الإثيوبي، ويشير جيه سبنسر تريمينغهام في مرجعه الكلاسيكي “Islam in Ethiopia” إلى أن المعركة لم تكن متكافئة؛ إذ سحقا نيران المدفعية والمشاة المسلحين ببنادق حديثة صفوف المتطوعين من قبائل الهرري والأورومو والصوماليين في وقت قياسي، ويروي تريمينغهام أن الأمير اضطر للفرار بعد رؤية جيشه ينهار أمام القوة النارية الهائلة التي لم يعهدها سكان المنطقة من قبل.

معركة تشيلنكو

سقوط المدينة والتحول السياسي والديني

​دخل منليك مدينة هَرَر في 9 يناير 1887، وقام بتعيين “رأس مكونن” حاكماً عليها. ويوثق أحمد إبراهيم شلبي في “موسوعة التاريخ الإسلامي” أن دخول منليك للمدينة لم يكن عسكرياً فحسب، بل كان يحمل طابعاً رمزياً؛ حيث تم تحويل طابع المدينة الإسلامي تدريجياً عبر بناء الكنائس في مراكز حيوية، وفرض نظام “الجبار” (نظام القنانة والضرائب العينية) على المزارعين الهرريين، وهو ما غير التركيبة الاجتماعية والاقتصادية للمدينة المسورة للأبد.

التواطؤ الدولي والاعتراف بالوضع الجديد

​لم تتدخل القوى الأوروبية لمنع سقوط هرر، بل باركت هذا التوسع ضمنياً. ويذكر سيد نوفل في كتابه “الأوضاع التاريخية لشرق أفريقيا” أن بريطانيا التي كانت تسيطر على عدن فضلت وجود قوة إثيوبية مستقرة في هرر تضمن تدفق الإمدادات الغذائية واللحوم، على وجود إمارة إسلامية قد تضطرب فيها الأمور، مما جعل السقوط يتم تحت بصر القوى العظمى آنذاك ودون أي اعتراض دولي.

​كانت المواجهة في 6 يناير 1887م، وقعت معركة تشيلانكو بين جيش منليك (20 ألف مقاتل ببنادق حديثة) وجيش الإمارة (4-5 آلاف بمعدات تقليدية).

​وكانت النتائج: سقوط سقطت المدينة في 9 يناير، وتحويل “مسجد الفتح ” (المسجد الجامع في وسط المدينة) ” إلى كنيسة “ميداني عالم” (وهي ما تزال قائمةً حتى اليوم كرمز لتلك الحقبة)، وفرض جزية حربية باهظة.7

كان سقوط هرر، عاصمة المسلمين في القرن الإفريقي، نقطة تحول ديموغرافية، لم يكن مجرد احتلال عسكري، بل بداية لعملية “Amharization” (الأمهرة) وتغيير البنية الاجتماعية للمدينة من خلال:

  • ​توطين جنود “النافتينيا” (حملة البنادق) في محيط المدينة.
  • ​تهميش اللغة الهررية والتعليم الإسلامي الرسمي.
  • ​تحويل هرر من “مركز تجاري عالمي” إلى “مركز إداري إقليمي” تابع لأديس أبابا.8

النضال والكفاح المسلح ضد نصارى الحبشة

بعد سقوط هرر عام 1887م، لم يستسلم المسلمون للنصارى الحبشة، بل بدأت سلسلة من حركات المقاومة والنضال التي اتخذت أشكالاً متعددة، من الثورات القبلية المسلحة إلى الحركات الدينية والسياسية المنظمة.

1. مقاومة القبائل الصومالية والأورومو (القرن التاسع عشر)

مباشرة بعد سقوط المدينة، اندلعت ثورات محلية قادتها قبائل الأورومو (وخاصة قبائل “إيتو” و”أرسي”) وقبائل الصومال المحيطة بهرر. واعتمدت هذه المقاومة على حرب العصابات لقطع طرق الإمداد عن القوات الإثيوبية المتمركزة في “القلاع”9

2. حركة “الدراويش” بقيادة السيد محمد عبد الله حسان (1899 – 1920)

كان السيد محمد عبد الله حسان ينظر إلى سقوط هرر كجرح غائر في جسد الأمة الإسلامية، ودعا القبائل الصومالية للوحدة تحت راية الجهاد لاستعادة الأراضي المغتصبة، فقاد حركة الدراويش، التي اعتبرت أضخم نضال إسلامي مسلح ضد القوى الاستعمارية (البريطانية والإيطالية) والتوسع الإثيوبي في آن واحد.

حركة "الدراويش" بقيادة السيد محمد عبد الله حسان

يذكر جيه سبنسر تريمينغهام في كتابه “Islam in Ethiopia” أن تلك الحركة كانت مصدر إلهام لمسلمي هرر، حيث مثلت الأمل في كسر الطوق العسكري الذي فرضه منليك الثاني وحلفاؤه الأوروبيون.

3. ثورة “رأي” (Raayyaa) ونضال الأورومو المسلمين

شهدت المناطق القريبة من هرر ثورات متقطعة قادها زعماء محليون وعلماء دين، رفضوا سياسات التمييز الثقافي والديني، وكان هدفها الحفاظ على الهوية الإسلامية واللغة المحلية أمام محاولات “الأمهرة” (الدمج القسري في الثقافة الأمهرية)، ووثق الباحث محمد حسن في كتابه “The Oromo of Ethiopia” كيف تحول الإسلام في هذه المناطق من مجرد دين إلى “أيديولوجية مقاومة” وحدت القبائل ضد الإدارة المركزية في أديس أبابا.

4. حركة “كولوب” (Kulub) في الأربعينيات

في منتصف القرن العشرين، وتحديداً في عام 1947م، ظهرت حركة سياسية سرية في هرر تُعرف باسم “كولوب”، طالبت تلك الحركة بحقوق المسلمين السياسية والتعليمية، وحاولت استعادة نوع من الحكم الذاتي للمدينة.

وواجه الإمبراطور هيلا سيلاسي هذه الحركة بقسوة، حيث اعتقل زعمائها وقام بنفيهم، لكنها ظلت حية في الوجدان الشعبي كأول حركة سياسية منظمة بعد السقوط العسكري.

الإمبراطور هيلا سيلاسي
الإمبراطور هيلا سيلاسي

يتناول تريمينغهام هذه التحولات السياسية، موضحاً أن الوعي القومي الصومالي والإسلامي بدأ يتشكل في هرر كجزء من حركة التحرر الإفريقية الكبرى.

ولم يكن النضال المسلم بعد سقوط هرر مجرد مواجهات عسكرية، بل كان نضالاً من أجل البقاء الثقافي. تمكن سكان هرر من المحافظة على “أسوارهم الثقافية” عبر الكتاتيب والمساجد، مما جعل المدينة تحتفظ بهويتها الإسلامية الفريدة حتى يومنا هذا، رغم كل محاولات التغيير الديموغرافي.

ختاماً

تظل قصة هَرَر جرحاً غائراً في ذاكرة الأمة، فهي لم تسقط لقلة إيمان أهلها أو شجاعتهم؛ بل سقطت ضحيةً
لـ “التشتت والفرقة” في وقت كان فيه أعداؤها يتكتلون ويدعم بعضهم بعضاً بالسلاح والمال والسياسة.

​ إن احتلال إمارة هَرَر عام 1887م لم يكن مجرد استيلاء على أرض، بل كان محاولة لكسر “منارة” إسلامية فريدة. لقد تآمرت القوى الأوروبية (إيطاليا وفرنسا وبريطانيا) مع القوى المحلية لتمكين “منليك الثاني” من مدينة لم تكن يوماً تابعة له، وذلك لضمان تفتيت القوة الإسلامية في القرن الإفريقي ومصادرة مقدراتها الاقتصادية والروحية.

رحم الله شهداء “تشيلنكو” وكل من قضى نحبه مدافعاً عن ثغور المسلمين، إن دماءهم وتضحيات علماء هَرَر تظل منارة تذكرنا بأن الحق لا يموت ما دام وراءه مُطالب، وأن وحدة الكلمة هي السبيل الوحيد لاستعادة العزة وحماية ما تبقى من حواضرنا.

المصادر

  1.  Avishai Ben-Dror, Emirate, Egyptian, Ethiopian: Colonial Experiences in Late Nineteenth-Century Harar, Syracuse University Press, 2018, page. 24. ↩︎
  2. Richard Pankhurst, Economic History of Ethiopia, 1800-1935, Haile Selassie I University Press, 1968, page. 452. ↩︎
  3. Sir Richard Burton, First Footsteps in East Africa, Longman, Brown, Green, and Longmans, 1856, pp. 200-210 الذي وصف المدينة بـ “تمبكتو الشرق”). ↩︎
  4. (Abir, Mordechai. Ethiopia: The Era of the Princes; The Challenge of Islam and the Re-unification of the Christian Empire, 1769-1855, Longmans, 1968, p. 17-22 (Refers to the Islamic networks) ↩︎
  5. ( Caulk, R. A. “The Occupation of Harar: January 1887”, Journal of Ethiopian Studies, Vol. 9, No. 2, 1971, p. 10. ↩︎
  6. (Pankhurst, Richard. The Ethiopian Borderlands, Red Sea Press, 1997, p. 310. ↩︎
  7. Harold G. Marcus, The Life and Times of Menelik II, Oxford University Press, 1975, pp. 89-91.
    ​Caulk, R. A., “The Occupation of Harar: January 1887”, Journal of Ethiopian Studies, Vol. 9, No. 2, 1971, pp. 15-20 ↩︎
  8. Ewald, Janet, “The Nile Valley and the Red Sea Edge”, in The Oxford Handbook of Modern African History, 2013, p. 112 ↩︎
  9. يشير ريتشارد بانكهيرست في كتابه “The Ethiopian Borderlands” إلى أن هذه القبائل شنت غارات مستمرة رداً على نظام “الجبار” (الضرائب الباهظة)، مما جعل السيطرة الإثيوبية خارج أسوار المدن الكبيرة غير مستقرة لسنوات طويلة. ↩︎

سيد محمد حسن

إذا أردت فهم الحاضر فادرس الماضي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى