اختيارات المحرر

أول الطريق

بسم الله الرافع الخافض، المعز المذل، القائل في كتابه: {وتلك الأيام نداولها بين الناس}. 

لمّا كان البناء لا يقوم إلا على أساس متين، كان الحديث عن الإصلاح هو أول الطريق، وشرط لصحة  السير فيه. واستجابةً لذلك الداعي، أتناول في هذا النص القصير أوّل اللبنات في الطريق، وهو سؤال: كيف يكون الإصلاح؟ 

هذا عرض مختصر أتحدث فيه عن كيفية ظهور هذا السؤال، ثم أشير إشارات منهجية تخص الموضوع، أو أنصح نصيحة مشفق محب لأمته يرجو نفعها ولو بالقليل، وقبل أن أرجو أن تكون هذه الكتابة المختصرة ذات فائدة للقارئ، فأنا أكتبها لأفيد نفسي باستخراج أفكاري ونظمها لتعرض أمامي فتتحرر الفائدة. 

من أين يبدأ الطريق؟

قال لي شيخي مرة في حديث كان بيني وبينه مقولة نسبها إلى السلف علقت بذهني، قال لي: يقول بعض السلف: “رحم الله امرأً عرف زمانه فاستقامت طريقته”، هذه كلمة مركزية في موضوعنا، لكن سأتركها الآن حتى أنتهي من عرض مختصر مجمل لـ: كيف أجاب الإسلاميون -كل من حمل هَمّ الإسلام بشكل من الأشكال- عن سؤال كيف يكون الإصلاح؟ وهذا السؤال قد يعبر عنه أيضًا بـ: كيف نستعيد الخلافة الضائعة؟

وهنا لفتة ينبغي التنبه لها، وهي أن هذا السؤال قبل سقوط الخلافة العثمانية لم يكن موجودًا، إذ كانت الخلافة قائمة ولو صورية في بعض الأوقات، فلم يكن موجودًا بالصورة التي في ذهننا اليوم؛ لأن الخلافة تعني مرجعية الإسلام، نعم، قد تكون ثمة انحرافات، لكن الإسلام حاكم والجهاد قائم، فكان عبء التغيير أخف، وكان سؤال التغيير لا يحمل من العبء ما يحمله اليوم، حتى سقطت الخلافة، ووصلنا إلى زمان نُحِّيَ فيه الشرع، وغُرِّبت فيه الأمة، وسَيطر فيه نظام عالمي كُفري، جعلنا أتباعًا له ولو رغمًا عنا، بل صنع لنا واقعًا لا يمكن أن نكون فيه إلا أتباعًا، فقُيِّدنا، ودُجِّن وُلاة أمرنا، فزادوا في قيدنا، وتغلغل الفساد في مجتمعاتنا وبيوتنا، حتى صار الانحراف أكبر وأكبر، بل تجذَّر وأصبح الأمر يتطلب تغييرًا جذريًا شموليًا، وهذا التغيير الشمولي لا يأتي إلا بأن يتحد الجميع على الهجوم على هذا النظام الكفري المسيطر، كما قال تعالى: {وَقَٰتِلُواْ ٱلۡمُشۡرِكِينَ كَآفَّةٗ كَمَا يُقَٰتِلُونَكُمۡ كَآفَّةٗۚ} [التوبة: 36].

الرأي الأول: البناء من أسفل

يرى البعض أن المسار الأفضل للتغيير هو بالبناء من أسفل، ومن النصوص المركزية لدى أصحاب هذا الاختيار هذا النص الحديثي: “كيفما تكونوا يُوَلَّ عليكم”، وهو وإن كان أشار إلى ضعفه عدد من أهل العلم، لكن المعنى تجده موجودًا في كلام العلماء ومصنفاتهم، فعند قوله تعالى: {وَكَذَٰلِكَ نُوَلِّي بَعۡضَ ٱلظَّـٰلِمِينَ بَعۡضَۢا بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ} [الأنعام: 129]، ينقل القرطبي عن ابن عباس رضي الله عنه: “إذا رضي الله عن قوم ولَّى أمرهم خيارهم، وإذا سخط الله على قوم ولَّى أمرهم شرارهم” (الجامع لأحكام القرآن للقرطبي)، إذن، علينا بدء البناء من أسفل، علينا أن نكون صالحين أولًا فيخرج من بيننا والٍ صالحٍ تاليًا. 

الطريق يبدأ من إصلاح الناس

وهذه الفكرة هي الأبعد عن المواجهة، وإن كانت داخل دائرة المواجهة، فإن الطاغوت إنما يواجه المسلم لأنه مسلم، وتكون التوجهات سواء العقدية أو الفكرية لمجرد ترتيب الأعداء، لذلك يقول تعالى: {وَمَا نَقَمُواْ مِنۡهُمۡ إِلَّآ أَن يُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَمِيدِ} [البروج: 8]

لكن مما يرد على هذه الفكرة من إشكالات، أن الطاغوت لن يترك عملية الإصلاح هذه حتى تتم، فلا بد من صدام يومًا يرجع هذا المشروع إلى نقطة الصفر. 

الرأي الآخر: البناء من أعلى

ويرى البعض الآخر أن المسار الأفضل للتغيير هو بالبدء بالبناء من أعلى من الرأس، ومن النصوص المركزية لدى أصحاب هذا الاختيار هذا الأثر: “إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن”، ومعنى يزع: يكف، فهذا طريق تعجيل بالصدام مع الطاغوت. 

الإصلاح يبدأ من أعلى

ثم إن بعض من رأى هذا المسار اختار رفع السلاح، والبعض الآخر اختار المشاركة السياسية في الدولة، فمن اختار رفع السلاح، منهم من رفع السلاح على طاغوت الدولة، ومنهم من رفع السلاح على النظام العالمي الكفري، ورأس هذا النظام هي أمريكا، وإنه وإن كانت ثمة انتصارات جزئية، لكنه طيلة هذه السنوات لم يتحقق النصر الأكبر، أي تحقيق هدف إقامة الخلافة، وهنا سنعود إلى نفس الإشكال على أولئك الذين اختاروا المسار الأول، فإن عدم الاستعداد لمواجهة الطاغوت مثله أيضًا مواجهة الطاغوت بغير قوة وإعداد كافيين، خصوصًا وأن الفكر الجهادي دون حاضنة شعبية يموت، والحاضنة الشعبية اللازمة لا تتكون بين يوم وليلة، خصوصًا مع أمة تم تغريبها، وتقييدها، ثم إن الحفاظ عليها مرحلة أخرى أصعب. 

أما الذين اختاروا المشاركة السياسية، فيشكل عليهم بأنهم يحاربون الطاغوت من داخل منظومته وبالأدوات التي يتيحها لهم، فهذا وإن كان سبيلًا في مزاحمة الشر بالخير، لكن الهامش فيه محدود جدًا، إذ الطاغوت لن يقدم لك الأدوات التي تغلبه بها. 

لا يفوتني أنه حدث تمازج بين بعض هذه المسارات وإنتاج مسارات جديدة، لكنها في شكلها العام لا تخرج عن ما ذكرت وإن كانت قد تكون تحديثًا إلى الأفضل، وهو أمر سأتركه لأن القصد الإجمال، لكنه مما يؤيد ويؤكد ما سأقرره في ما يأتي.

دراسة الواقع قبل بداية الإصلاح

أعود إلى مقولة شيخي: “رحم الله امرأً عرف زمانه فاستقامت طريقته”، فأقول، نفهم من هذه المقولة، أننا قبل أن نحدد طريقة إصلاح الواقع المناسبة، أي المسار المناسب، يجب علينا أن ننظر في كل واقعٍ بحسبه، وندرسه حتى نخرج بالطريقة الأنسب لإصلاحه فنختارها لا أن يكون البحث مجردًا عن هذه المرحلة. 

وأنا أشير في قولي: “كل واقعٍ بحسبه” إلى أن يكون هدفنا هو انتصارات جزئية، ثم اتحاد هذه الانتصارات، ثم البحث عن الانتصار الكبير، بمعنى، قد صارت لنا دولة إسلام في بلاد الأفغان، وسوريا كذلك قد منَّ الله عليها، فهذه الانتصارات الجزئية، غدًا تتَّحِد، ثم تبحث عن الانتصار الكبير، وهذا ما سيخرجنا من قلب النظام العالمي، أن تسند كل دولة إسلام أختها، بعدها يمكن أن نواجه النظام العالمي، لكن قبل ذلك، لا يمكن أن تقف أي دولة وحيدة أمام النظام العالمي، فلا ينبغي إذن أن تكون المفاصلة مع النظام العالمي مرحلة أولى، بل هي النتيجة لكثير من المناورات والتنازلات، والنبي ﷺ لم يفاصل إلا بعد أن عاهد وصالح.  

إذن، قلت أنه يجب أن ننظر في كل واقع بحسبه، ونختار المسار الأمثل، والإشكالات التي أوردتها على كل فكرة، ليست بالضرورة تلزم في كل واقع، فهناك واقع قد يحتمل رفع السلاح، بل يجب، كالجهاد الفلسطيني، وهناك واقع قد لا يحتمله بل يكون مفسدة كحمل السلاح في عموم دولنا الإسلامية أو حمله في وجه النظام العالمي، وهناك واقع قد يقبل مشاركة الإسلاميين السياسية، وهناك واقع قد لا يقبله، لكن الاطّراد مع الفكرة مع إهمال الواقع هو ما سيلزم منه الاصطدام بالإشكال؛ بل بإشكالات كثيرة.

ثوابت على الطريق

هناك ثوابت مهما كان المسار المختار يجب العمل بها، من الثوابت أنه مهما كان المسار المختار، لا بد من الحفاظ على العمل الدعوي والتربوي، فخسارته خسارة للدين، تأملوا قول الراهب في قصة أصحاب الأخدود لغلام أصحاب الأخدود: “فإن ابتُليت فلا تدل عليّ”، فإنه وإن كان في نقطة الأمان بعيدًا عن الصدام؛ لكن بقاءه يعني بقاء الحق. 

العمل للدعوة من ثوابت الطريق

وهذا يجر إلى الثابت التالي، وهو أن الامتزاج بين الأفكار ضرورة لحياتها في الواقع، وهذا أيضًا ينظر فيه في كل واقع بحسبه، وهنا أنبه إلى ضرورة اللين مع بعضنا البعض في النصيحة، وتقديم إحسان الظن، ومحاولة تفهم الاجتهادات المختلفة، ومحاولة مد جسور التواصل، وبذل كل معنى يثبت الإخوة الإيمانية، وكذلك التفطن لألاعيب الطاغوت، وكيف يوقع بعضنا في بعض مستغلًا الخلاف الفكري مع أن الجميع يقصد خدمة الإسلام، فهذه ضرورة شرعية، وضرورة عقلية. 

والثابت التالي والأخير، وهو وإن لم يكن خيار رفع السلاح متاحًا في الأغلب، لكن التربية الجهادية أمر واجب، لأنه كما ذكرت أن كل مسلم مستهدف من حيث الأصل مهما اختار من مسار إصلاحي، ويدل على هذا أننا نرى تقسيم المسلمين إلى أصوليين ومعتدلين، فالأصولي هو المسلم الحقيقي، والمعتدل هو المسلم على الطريقة الأمريكية، والمسلم الأصولي قد رُفع العداء له، فيجب علينا أن نُعادي من اتخذنا عدوًا، وهكذا، فواجب علينا أن نحيط مساراتنا الإصلاحية بالقوة. وكذلك، فإن خيار رفع السلاح وإن تأخر فقد يكون وجوبه علينا قادمًا أقرب مما نتصور في ظل التغيرات السريعة في العالم، فيجب الاستعداد للقادم.

وهنا ألفت إلى أهمية دور المرأة بالنسبة للتربية الجهادية، فهي من يعمل على التربية في الأصل، لذلك، فإن خلف كل مجاهد مجاهدة، وخلف كل سلاح وردة، بذلت وقتها ونفسها إعدادًا وتثبيتًا. 

رحلة البناء طويلة وشاقة، فالصبر واجب، والاستعانة بالله واجبة، فاللهم أبرم لهذه الأمة أمرًا رشدًا، تعز فيه وليك وتذل فيه عدوك، ويعمل فيه بطاعتك، وينهى فيه عن معصيتك.

أحمد مكي

ابن لأمة عظيمة، يحبها، ويرجو من الله أن يساهم في عودتها إلى مكانتها، أو يموت… المزيد »

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى