
قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ… هندسة الغَلَبة
توقفنا طويلاً عند معجزة “الفتية” الذين آووا إلى الكهف، سحرتنا تفاصيل نومهم الطويل، وكلبهم الباسط ذراعيه بالوصيد، ولحظة استيقاظهم التي هزت أركان مدينة بأكملها. لكننا في غمرة انبهارنا بالمعجزة، تجاوزنا مرور الكرام “اللحظة السياسية” الأخطر في السورة؛ تلك اللحظة التي تلت موتهم وانكشاف أمرهم، حين انقسمت المدينة إلى فريقين أمام أجسادهم الهادئة.
عدالة القضية لا تبني دُولاً
هناك، وعلى أعتاب ذلك الغار، لم يُحسم الجدل بمنطق “الأتقى”، بل بمنطق “الأقوى”. يقول القرآن في إيجازٍ يزلزل القناعات الرخوة: {قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا} [الكهف: 21]. هنا، تبرز الحقيقة العارية التي نتحاشى مواجهتها:
إنّ الحق الذي لا يملك “غلبة” يبقى حبيس الكهوف، أما الذي يكتب التاريخ، ويصيغ الرواية، ويبني “المسجد” ليبقى أثراً خالداً، هم أولئك الذين يملكون ناصية القرار وأدوات التأثير.
هذه هي الرسالة المركزية التي يجب أن نستوعبها قبل فوات الأوان: لا يكفي أن تملك إيمان أهل الكهف لتنتصر قضاياك، بل يجب أن تملك أيضاً نفوذ “الذين غلبوا على أمرهم” لكي لا تضيع تضحياتك.
فالقداسة وحدها لا تحمي القضايا، والمظلومية الطاهرة لا تبني دولاً. إنّ أعظم مآسي التاريخ لم تكن في غياب المؤمنين، بل في عجزهم عن التحول إلى “أهل حل وعقد” يملكون القدرة على فرض إرادتهم في اللحظات الفارقة. فإذا ظلّ أهل الحق في “كهوفهم” الفكرية والروحية، تاركين ساحة “الغلبة” لغيرهم، فلا يلومنّ إلا أنفسهم حين يجدون تضحياتهم قد تحولت إلى مجرد ذكرى، تُبنى فوقها مساجد أو متاحف، بأيدي أولئك الذين عرفوا كيف يغلبون على الأمر!
من فقه “النصوص” إلى فقه “السنن”: إعادة تعريف أهل الحل والعقد
لطالما حُبس مصطلح “أهل الحل والعقد” في أقبية التاريخ الفقهي، وصُوِّر لنا كمجلسٍ وقور من العلماء والوجهاء يُستدعى عند الأزمات الكبرى، ويظهر في لحظات استثنائية من عمر الخلافة. غير أنّ القراءة السننية للقرآن -كما في آية الكهف- تنقلنا من هذا التصور “الشكلي” الجامد إلى تعريف “وظيفي” حي؛ فأهل الحل والعقد، في جوهرهم، هم الذين يملكون القدرة الواقعية على الحل والعقد؛ أي على تفكيك الأزمات وصياغة المسارات. إنهم القوة الضاغطة التي تملك القدرة على “حل” العقد السياسية والاجتماعية، و”عقد” التحالفات والمواثيق التي تُغير مجرى التاريخ.

في عالمنا المعاصر، لم يعد “أهل الحل والعقد” مجرد أسماء في كتب الفقه، بل باتوا شبكات تأثير معقدة: مراكز أبحاث، لوبيات ضغط، منصات إعلامية، دوائر مال، وخبراء يصيغون السياسات. وهنا تتضح المشكلة الحقيقية:
ليست أزمة الأمة في غياب “الحق”، بل في غياب القوة المنظمة التي تحمي هذا الحق وتفرضه ضمن معادلات الواقع.
وهذا المعنى يلتقي مع ما قرره ابن خلدون في حديثه عن العصبية، حين بيّن أن الأفكار -مهما سمت- لا تقوم في الواقع إلا بمنعة تحميها وسندٍ يدفع عنها.
الغَلَبة في السيرة: قوة بلا انفصال عن القيم
إنّ استقراء السيرة النبوية يكشف عن هندسة غَلَبة منضبطة بالقيم. لم يكن عرض النبي ﷺ نفسه على القبائل حركة دعوية عفوية، بل سعياً واعياً إلى مراكز القرار. وحين انتقل إلى يثرب، ركّز على النقباء؛ أولئك القادرين على تحويل الإيمان الفردي إلى قرار جماعي.
لكن من المهم هنا ضبط المفهوم:
الغَلَبة في المنظور الإسلامي ليست غلبة البطش ولا الهيمنة المجردة، بل غلبة الحق حين يمتلك أدوات الحماية والبناء. فالقوة في ذاتها ليست معيار صدق، لكنها شرط لفعالية الصدق في عالم تحكمه السنن.
بين عجز الأتقياء وسطوة الأقوياء
الخطأ الاستراتيجي الذي يقع فيه كثير من المخلصين اليوم هو الاكتفاء بالإيمان الفردي، والاعتزال الشعوري داخل “كهوف” الوعظ، وبالتالي الانسحاب من ساحة التأثير. فالشيطان -عدو الإنسان الأول- لا يكتفي بإغواء الأفراد، بل يستهدف مفاصل القرار. وإذا كان الباطل قد أتقن بناء لوبياته التي تُشرّع، وتُموّل، وتُطبّع، فكيف يُتصور أن يُواجَه بمجرد صدق النوايا؟
هندسة الغَلَبة تقتضي الانتقال من ردّ الفعل إلى الفعل، ومن الاحتجاج الخارجي إلى الحضور المؤثر من الداخل؛ لا على سبيل الذوبان، بل على سبيل التغيير. فبدلاً من مهاجمة الإعلام، لنكن نحن الإعلاميين المؤثرين، وبدلاً من الشكوى من القوانين، لنكن نحن القانونيين الذين يصيغونها. إنّ الهدف ليس مجرد الوصول إلى السلطة، بل أن نكون “القوة الغالبة” التي تجعل الحق هو الخيار الوحيد المتاح على الطاولة.
ميكانيكا الغَلَبة: من الشعور إلى الفعل المنظم
التاريخ لا تصنعه الجموع الهائجة، بل “الأقليات المنظمة“ التي تتقن فن التسلل إلى مفاصل القرار. ولهذا فإنّ نموذج “الذين غلبوا على أمرهم” اليوم ليسوا خطباء الميادين، بل مهندسي السياسات.
1. درس الغَلَبة المنحرفة (النموذج الصهيوني)
تُظهر تجربة ثيودور هرتزل كيف يمكن للباطل أن ينتصر حين يحسن هندسة الغَلَبة. فنجاحه، رغم عدم امتلاكه جيشاً ولا شعباً موحّداً، لم يمنح مشروعه شرعية أخلاقية، لكنه كشف خطورة ترك أدوات التأثير بيد الخصوم. لقد حوّل فكرة دينية إلى مصلحة استراتيجية للقوى الكبرى، لا لأنه كان محقاً؛ بل لأنه فهم منطق المصالح.

لم يضيع وقته في إقناع الملايين، بل ركّز جهده بالكامل على “أهل الحل والعقد” في زمانه؛ من القياصرة، والملوك، ورجال المال. لقد آمن هرتزل بأن “القوة” لا تأتي من الحق المجرد، بل من “القدرة على المساومة”. لقد حوّل مشروعه من “حلم ديني” إلى “مصلحة استراتيجية” للقوى العظمى. هذا هو “اللوبي” في أبسط وأخطر صوره: أن تجعل صانع القرار يرى أنّ مصلحته الشخصية أو السياسية تكمن في تنفيذ أجندتك.
وهذا المثال لا يُستدعى للإعجاب، بل للتحذير: حين يفرّط أهل الحق في أدوات القوة، يستعملها غيرهم ولو كانوا على باطل.
2. من “الناشط” إلى “الخبير”
أكبر فخ يسقط فيه المؤمنون بقضاياهم هو الاكتفاء بـ “النشاط العاطفي”. في موازين “أهل الحل والعقد”، كلمة “خبير” تزن ألف كلمة “ناشط”. لكي تغلِب على الأمر، يجب أن تتوقف عن مهاجمة النظام من الخارج وتستعد لـ “الاختراق الوظيفي”. إنّ مراكز الأبحاث، ودوائر الاستشارات القانونية، ومجالس إدارات المصارف، هي “الكهوف المعاصرة” التي تُصنع فيها المعجزات. عندما يتسلل “أهل الحق” بصفاتهم المهنية (كخبراء تقنيين، أو مستشارين استراتيجيين)، فإنهم يملكون “صلاحية التوقيع” التي تزن أكثر من مليون هتاف.
إنّ “هندسة الغلبة” تبدأ عندما يكون “أهل القرار” بحاجة إليك، لا عندما تكون أنت بحاجة إليهم.
3. الإزاحة الهادئة لا التصادم الأعمى
علمتنا تجارب “اللوبيات” الناجحة أنّ التغيير الجذري يحدث بـ “التراكم النوعي” وليس بـ “الانفجار العشوائي”. الشيطان يتبع سياسة “الخطوات”؛ يبدأ بكلمة في منهج دراسي، ثم ثغرة في قانون، ثم مشهد في فيلم، حتى يصبح المنكر معروفاً والمعروف منكراً بـ “قوة الغلبة”. المواجهة المباشرة مع الأنظمة غالباً ما تنتهي بالحق في سلة المهملات.
البديل هو “بناء القوى الموازية“. عليك أن تصنع “أهل حل وعقد” خاصين بك؛ إعلاماً يفرض الرواية، اقتصاداً يحمي القرار، ونخبة فكرية تصوغ المصطلحات. حينها، لن تضطر لطلب الإذن من أحد، بل ستفرض “مسجدك” فوق الكهف كما فعل الذين غلبوا على أمرهم، لأنّ القوة هي التي تمنح الشرعية للحق في واقع الناس.
4. التحالفات الذكية
صلح الحديبية نموذج على أنّ الغَلَبة قد تُبنى بالدبلوماسية كما تُبنى بالسلاح. التحالف ليس خيانة، ما دام مضبوطاً بالبوصلة، وموجّهاً نحو تعزيز القدرة لا تذويب الهوية. وعليه فالتزمُّت في بناء التحالفات هو “انتحار استراتيجي”. “أهل الحل والعقد” اليوم هم شبكة معقدة من المصالح المتداخلة؛ ولكي تخترقها، عليك أن تتقن لغة المصالح. عليك أن تبحث عن “المساحات المشتركة” مع القوى القائمة لتعزيز نفوذك، دون أن تفقد بوصلتك.
قراءة سننية في الحالة السورية
ومن باب إسقاط هذه القواعد على الواقع، يمكن النظر إلى التجربة السورية بوصفها محاولة في طور التشكل للانتقال من مرحلة الصمود إلى مرحلة إدارة الغَلَبة. فما تحقق هناك ـ بصرف النظر عن مآلاته النهائية ـ يشير إلى إدراكٍ متنامٍ بأنّ الإيمان وحده لا يدير دولة، وأنّ القوة تحتاج إلى عقل ينظمها.
هذه قراءة سننية أولية لا حكماً نهائياً؛ فالسنن لا تُقاس بلحظة، لكن الدرس واضح: من يملك إدارة المصالح، يملك فرصة حماية المبادئ.

إنّ اعتراف العالم بالحكومة السورية الجديدة وبدء تدفق الاستثمارات الاقتصادية هو “لوبي” واقعي بُني على ركيزتين: قوة السلاح التي تفرض الأمر، وقوة العقل التي تديره. لقد انتقلت القضية السورية من “مظلومية تبكي في الكهوف” إلى “دولة تفرض شروطها في المحافل الدولية”. وهذا هو الدرس الأهم: أنّ مَن يملك القدرة على إدارة المصالح، هو وحده مَن يملك القدرة على حماية المبادئ.
الخاتمة: نداء الخروج من الكهف
خلاصة هندسة الغَلَبة أنّ الحق بلا قوة تحميه مشروع استنزاف، وأنّ الإيمان المنفصل عن النفوذ عزلة اختيارية. لقد خلّد القرآن ذِكر ﴿الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ﴾ ليضع أمامنا قانوناً لا يتبدل: أنّ الله عز وجل يورث الأرض لعباده الصالحين الذين أحسنوا الجمع بين القيم والقدرة. خرج أهل الكهف من فجوتهم ليجدوا أنّ العالم قد تغير، وأنّ الذين خلّدوا ذكراهم هم أصحاب القرار. واليوم، نداء التاريخ لنا هو ذاته: اخرجوا من “كهوف” الانتظار، وتغلغلوا في مفاصل الغلبة، واصنعوا لأنفسكم مكاناً بين “أهل الحل والعقد”؛ فإما أن تكونوا أنتم من يقرر بناء “المسجد”، أو سيأتي غيركم ليبني فوق أنقاضكم ما يشاء.