الغاز المصري: بين البيع العلني والسرقة الخفية.. وجهان لسرقة واحدة

في الوقت الذي تعاني فيه البلاد من نقص حاد في الغاز الطبيعي أدى إلى انقطاع الكهرباء بالساعات الطوال عن معظم مدن وأحياء مصر الصيف الماضي ومرشح انقطاعه الصيف القادم أيضا، تتفجر في البحر المتوسط ثروات من الغاز الطبيعي باحتياطي 1.5 تريليون متر مكعب وبقيمة 200 مليار دولار إلا أن هذه الثروات تذهب من نصيب إسرائيل وقبرص.

سابقة خيانة: بيع الغاز لإسرائيل بربع ثمنه

بيع الغاز المصري

بدأت قصة الخيانة في 2005، حيث قامت الحكومة المصرية السابقة في عهد المخلوع حسني مبارك بالتعاقد مع إسرائيل لبيع غازها الطبيعي بقيمة 70 سنتًا للمليون وحدة حرارية (ما يعادل28,26 متر مكعب غاز) في حين يبلغ سعر التكلفة 2.65 دولار؛ أي بيعه بما يقدر بربع ثمنه. وزادت مصر في حصة تكريم إسرائيل فأعفتها من الضرائب لمدة ثلاث سنوات. أثارت القضية في وقتها الرأي العام وأقيمت المحاكم والطعون لوقف العقد الجائر الذي بلغت مدته عشرون سنة تبدأ من 2005 وتنتهي في 2025 مع الشرط اللامنطقي بعدم تغيير الأسعار لمدة 15 سنة! إلا أن المحكمة الإدارية العليا عام 2009 قبلت طعن الحكومة على قرار وقف التصدير الذي أصدرته سابقا محكمة القضاء الإداري واستمر تصدير الغاز بهذه الأسعار حتى بداية ثورة يناير 2011 حيث أعادت الثورة فتح ملف القضية وطالبت بوقف العقد وتزامنت هذه الأحداث مع سلسلة تفجيرات استهدفت خط نقل الغاز لإسرائيل في محافظة سيناء فأسقط في أيدي النظام وتم إيقاف العقد بعدها.

إلا أن الأمر لم يسلم حتى بعد خسائر ما يقرب من ست سنين، فقد تقدمت الشركة الإسرائيلية وشركة شرق البحر المتوسط لتصدير الغاز بشكاوى إلى محكمة “غرفة التجارة الدولية” ضد الهيئة المصرية العامة للبترول والشركة المصرية القابضة للغازات الطبيعية “إيغاس” لإلزامهما بدفع تعويضات عن الأضرار الفادحة التي لحقت بهما نتيجة لوقف مصر تصدير غازها إليهم، إذ أن ذلك أضطر إسرائيل لشراء الغاز بأسعار أعلى من المتفق عليها مع الجانب المصري. وبلغت قيمة التعويضات المطالب بها من الجانب الإسرائيلي في مجملها 5.3 مليار دولار، إلا أن غرفة التجارة الدولية خفّضت هذه التعويضات لما يقرب من 2 مليار دولار ألزمت مصر بدفعها.

وخرجت إسرائيل من الاتفاق بأقصى استفادة ممكنة، استيراد غاز وتأمين كهربائي لمدة ست سنوات بربع ثمنه مع إغفاء ضريبي لمدة ثلاثة سنوات منهم، وعلاوة على هذا: اثنين مليار دولار تعويض من مصر لعدم التزامها بتعاقد السرقة المبرم بينهما وانسحابها في منتصف التعاقد مما كلف إسرائيل شراء غاز لمحطاتها الكهربية بسعر أعلى من السعر المصري أو لنقل ربما بثمنه الحقيقي. بيد أن محطة إسرائيل مع الغاز المصري لم تتوقف بعد ولا زال في مصر ما يمكن السيطرة عليه.

الآبار.. ثروات مصر المسروقة من إسرائيل

في السنوات الأخيرة أشارت التقارير الجيولوجية أن منطقة بحر المتوسط تحظي بثروات هائلة من الغاز الطبيعي قد تشابه تلك التي اكتُشفت في الخليج العربي وقادته من البادية نحو التمدن والحضارة والثراء. وانطلقت عمليات التنقيب والبحث والحفر لاستخراج هذه الثروة، شاركت فيها معظم دول الحوض بما فيها مصر وإسرائيل وقبرص. إلا أن الأخيرتين قد أطلتا علينا مؤخرا باكتشافهما حقولا للغاز الطبيعي تجاوزت احتياطاتها 1.22 تريليون متر مكعب وتقدر بقيمة 220 مليار دولار. عند البحث والتقصي ظهرت المفاجأة!

حقول ليفياثان، شمشون، وأفروديت

الثلاثة حقول التي اكتشفتها كل من إسرائيل وقبرص (ليفياثان، شمشون، وأفروديت) تقع داخل المنطقة الاقتصادية الخالصة المصرية وهي التي تعرّف ب 200 ميل بحري من كل دولة. ويفصل بين حقلي ليفياثان وأفروديت 2 كم ويمتدان كليهما إلى المياه الإقليمية المصرية، على بعد 190 كيلومتراً شمال دمياط، بينما يبعدان 235 كيلومتراً من حيفا و180 كيلومتراً من ميناء ليماسول القبرصي. أما حقل شمشون التي استولت عليه إسرائيل فيبعد عن مصر 114 كيلومتراً بينما يبعد عن حيفا ٢٣٧ كيلو متر. بالإضافة لذلك فإن حقلي ليفياثان وأفروديت يقعان في السفح الجنوبي لجبل (إيراتوستينس) الغاطس المثبتة مصريته منذ عام 200 قبل الميلاد.

وبذلك تكون لمصر حقوق في هذه الحقول من حيث وقوعها في منطقتها الاقتصادية وتاريخيا من حيث وجودها في سفح جبل إيراتوستينس.

في قانون البحار

إذا كانت المسافة بين الدولتين أقل من 400 ميل بحري فحينئذ يلجأ الطرفان لترسيم حدودهما معاً، غير أن إسرائيل قد بدأت في مسلسل إعلان استخراج الغاز من البحر المتوسط قبل أن تقوم بترسيم حدودها مع دول الحوض، وفي 2009، أعلنت عن اكتشاف حقل “تمار” المقابل لمدينة صور اللبنانية وضمته إليها ولا زال النزاع قائما بينها وبين لبنان في حقوق هذا الحقل الذي يقع في المنطقة الاقتصادية المحاذية لإسرائيل غير أن إسرائيل قد ضمته إليها بوضع اليد وأعلنت عن استعدادها لاستخدام القوة لحماية احتياطات الغاز المكتشفة أمام شواطئها. وبعدها بعام أعلنت إسرائيل عن اكتشاف حقل ليفياثان في 2010 وباعترافها فإن هذين الحقلين يقعان في مناطق بحرية متنازع عليها. ومؤخرا في 2013 أعلنت إسرائيل عن اكتشاف حقل شمشون.

أكد العديد من الخبراء المصريين أن حقلي شمشون و ليفياثان يقعان داخل المياه الاقتصادية المصرية، ومن أهم وأول من أثار هذا الموضوع دكتور نائل الشافعي مؤسس موسوعة المعرفة ومحاضر في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، وهو أول من نشر خرائط الحقول في يونيو 2012، غير أن الرد المصري وقتها والذي صدر عن وزير البترول أدعى أن الخرائط غير دقيقة والحقول من حق إسرائيل وإن حقل ليفياثان يبعد ١٣٦ كيلومترًا من إسرائيل، مقابل ٢٠٤ كيلو مترا من دمياط، وبالتالي فهو أقرب لهم ومن حقهم، ونشرت جريدة الوطن تقريرا نقلت فيه عن رئيس هيئة المساحة الجيولوجية الأسبق د. أحمد عبد الحليم قوله إن قياسات د. نائل غير دقيقة والحقول من حق إسرائيل، ولكن هو بدوره قال أرقام جديدة غير أرقام وزير البترول!

حيث قال إن حقل ليفياثان يقع على بعد ٢٣٨ كيلو من شمال دمياط، ويبعد عن حيفا ١٢٤ كيلو فقط وبالتالي من حق إسرائيل طبعاً، وتضاربت الأرقام في الجانب المصري ولم تنشر إي خرائط للمنطقة برغم تحدي د. نائل للنظام بإظهار خرائطه الصحيحة لدعم أرقامه. أما إسرائيل فقد استمرت في استخراج الغاز من آباره لا تعبأ لأحد ووجهت اهتمامها لبيعه وتصديره.

خدعة جزيرة كاستيلوريزو

جزيرة كاستيلوريزو

بوضع اليد أصبحت الحقول المُكتشفة تحت إدارة الجانب الإسرائيلي وحان الوقت لتصدير إنتاج هذه الحقول، ومحطة وصولها هي أوروبا، أرادت إسرائيل خط أنابيب ثابت لتصدير الغاز لا تتنازعه يد أجنبية يمتد من إسرائيل فقبرص فاليونان فأوروبا، ولكن إذا تأملت الخريطة ستجد العقبة التي تقف في خط هذا الأنبوب: إن قبرص ليست متماسة مع اليونان في مياهها الاقتصادية، وهنا برزت أهمية جزيرة كاستيلوريزو اليونانية البالغ مساحتها 11 كم وتلتصق بتركيا بفاصل 1.5 كم فقط، وقد وافقت تركيا على منح الجزيرة مياه إقليمية بعمق 10 كم إلا أنها ما زالت معزولة عن اليونان.

في قوانين الجزر

إذا كانت الدولة تمتلك جزيرة كاليونان فإن مياهها الاقتصادية تحسب من عند هذه الجزيرة وليس من سواحل البلد ذاتها، ولذلك بموجب هذه الجزيرة فإن اليونان تطالب بحساب ال 200 كم الخاصين بها من عند سواحل هذه الجزيرة وبهذه الطريقة ستتمكن من الاتصال بقبرص.

هل عرفتم الآن الأهمية التي تعطيها الجزر للدول المالكة لها كجزيرتي تيران وصنافير؟!

اليونان وإسرائيل

مصر بوابة مجانية للعبور

في فبراير من 2012 نشرت جريدة الواشنطن تايمز هجوماً لاذعاً من الكاتب الصهيوني دانيال پايپس على تركيا، بخصوص الجزيرة مهددا بانفجار منطقة شرق المتوسط إذا لم تمنح منطقة اقتصادية خالصة لهذه الجزيرة بعمق 200 كم2. والغرض من ذلك أن تكون هذه الجزيرة حلقة التماس التي ستربطها باليونان وترتبط هي بقبرص وتربط اليونان بقبرص بإسرائيل؛ وبالتالي يتم تأمين خط أنابيب تصدير الغاز الإسرائيلي إلى أوروبا بعيدًا عن مصر وتركيا. ولكن يبدو أن تركيا رفضت الأمر فأُعلِن في أبريل 2012، عن تشكيل فريق مشترك بين إسرائيل وقبرص واليونان لإنشاء خط أنابيب غاز من حقول شرق المتوسط إلى جزيرة كريت. وهو الأمر الذي سيجعله يمر في المنطقة الاقتصادية الخالصة المصرية.

وساطة أمريكية لتمرير الغاز الإسرائيلي لأوروبا عبر مصر

هل تتذكرون الغرامة التي فُرضت على مصر من أجل إخلالها بعقد السرقة المبرم في عهد الرئيس المخلوع مبارك مع إسرائيل؟ الآن حان وقت استخدام هذه الغرامة كورقة ضغط من قبل أمريكا على مصر، فالشركات الإسرائيلية الأمريكية التي تعمل على استخراج الغاز الإسرائيلي تمارس الآن ضغوطا على الإدارة الأمريكية من أجل الوساطة بين مصر وإسرائيل لتصدير الغاز عبر الأخيرة.

ففي أبريل الماضي من 2016، قام المبعوث الأمريكي الخاص ومنسق شئون الطاقة بوزارة الخارجية الأمريكية أموس هوشستين بزيارة للقاهرة التقى فيها شريف إسماعيل رئيس الوزراء وطارق الملا وزير البترول والثروة المعدنية، وتضمنت الوساطة السماح لإسرائيل باستخدام البنية التحتية المصرية لتسييل الغاز الطبيعي ونقله، مقابل تسوية مسألة الغرامة المقررة على القاهرة وزيادة الاستثمارات الأمريكية بقطاع النفط المصري، إذ يبدو أن إسرائيل تواجه صعوبة شديدة في تنفيذ أي تعاقدات مستقبلية بسبب عجزها عن تسييل الغاز حيث يمنع القانون الإسرائيلي إنشاء محطات تسيل في البلاد لأسباب بيئية بينما تمتلك مصر محطتين أحدهما في دمياط والأخرى في إدكو.

وفي غفلة تامة عن الشعب يتم عقد الاتفاقات وإبرام العقود لبيع الغاز المصري ومن ثم يلغى العقد وتفرض غرامة على الدولة. وتتنازل الدولة أيضًا عن حقوقها وحقوق شعبها في الشراكة في حقول الغاز المكتشفة وترسم حدودها البحرية بمفردها في تغييب تام للشعب. وربما نكتشف لاحقًا أن الدولة قد سمحت لإسرائيل بتسييل غازها المكتشف في محطات التسييل الخاصة بنا بناء على طلب أمريكا؛ ومن ثم سيرسل من هناك إلى أوروبا لتحصل إسرائيل على ثمن الصفقة وتتنازل لمصر عن الغرامة المفروضة عليها من العقد السابق.

ويبقى الشعب يدفع ثمن العقود والاتفاقات القديمة والجديدة ولا يجني من ذلك سوى الفقر وانقطاع الكهرباء عنه في الصيف بالساعات الطوال نتيجة نقص الغاز في حين تقبع الدولة على كنوز غازية في المتوسط تنتظر اكتشافها أو لنقل عدم سرقتها.

المصادر

آلاء محمود

كن شخصاً إذا أتوا من بعده يقولون مر وهذا الأثر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى