التربية غريزة أساسية وضعها الله -سبحانه وتعالى- في البشر، فنجد الأُمي والمتعلم الجاهل، والحليم المسلم، والمسيحي واليهودي والكافر، جميعهم يقومون بتربية أبنائهم بطريقة عفوية.

فالهدف من التربية هي تنشئة الأبناء، عن طريق تعليم العادات والتقاليد وغرس المعلومات والمعارف، التي من شأنها تجعلهم قادرين على مواجهة الحياة.

أما التربية في الإسلام فلها ضوابط شرعية، من حيث طريقة الثواب والعقاب والتعليم ونقل الخبرات، حتى تسمية الأبناء؛ فلابد أن نختار لهم أسماء طيبة محببة للنفوس.

وبالتالي لها هدف خاص وهو تنشئة الأبناء بما يتوافق مع الشريعة الإسلامية، بما يجعل الابن عبدًا صالحًا يعرف أحكام العبادات والمعاملات متلمسًا تقوى الله والإخلاص في أقواله وأعماله.

دور المربي في العملية التربوية

المُربي هو أساس عملية التربية؛ فعن طريقه يتم إكساب الطفل المعارف والعادات، لذلك دوره كبير جدًا، فكلما زادت العلاقة توطدًا بين الأب وابنه، ازدادت شخصية الابن في النضج السليم والتعامل المناسب في المواقف والمحن التي تواجه الابن والاعتماد على النفس وقلة الشعور بالكبت والإحباط، بالمقارنة مع أولئك الذين لم ينالوا نفس القسط من التربية المتوازنة وقوة العلاقة بين الأب والأبناء. فقوة الشخصية تكتسب في الأساس من الأب.

أما من الناحية السلوكية: فلن يستقيم الابن إلا باستقامة الأب السوي، الذي يربي أبناءه على الفضائل والقيم الإسلامية في تزكية نفس الابن وتربيتها على التطهير الذاتي من الرذائل والفواحش الباطنة والظاهرة.

قال تعالى: (وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَٰلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا).

وقال تعالى: (وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا).

في الأولى مات الأب وطفلاه صغيران، وربما مات الأب قبل أن يولدا، فشاء الله -جل وعلا- برحمته أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما، لم يربهما أبوهما ولم يتعب في تنشئتهما، ولكنه فقط كان صالحًا، فالصلاح ضريبة يسيرة لمن يسرها الله له.

وفي الثانية رسالة تنبيه لكل الآباء مفادها أن التقوى والقول السديد يغني الأبناء حتى وإن كانوا ضعفاء عن الأب؛ فإن الله -جل وعلا- سيتولى أمرهم.

الثواب والعقاب وأهميتهما في التربية

التربية

كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يثيب أصحابه بكلمات بسيطة لا تحتاج مجهودًا؛ فمثلًا في حديث “ربح البيع أبا يحيى” نجد أنه -صلى الله عليه وسلم- رفع معنويات سيدنا “صهيب الرومي” بكلمات بسيطة عوضته عمّا ترك من مال ومتاع لأهل الشرك. وفي بعض الأحيان كان -صلى الله عليه وسلم- فقط يسمي أصحابه -رضوان الله عليهم- بأسماء جميلة؛ إثابة لهم عن فعل أو قول، فهذا هو سيدنا “أبو بكر” سماه بالصديق؛ لأنه صدقه دون أن يراه. وغيرها من الأساليب الرائعة في الإثابة. كما أن ليس كل الأبناء يمكننا أن نثيبهم بنفس الأشياء، فلابد أن نعرف مواطن الإحساس في قلوب أبنائنا كي نصيب ما نرم إليه.

أما العقاب، فلابد أن نؤتيه بحرص كبير، سواء كان في السن المناسب الذي نبدأ فيه العقاب، أو نوع العقاب ماديًا كان أو معنويًا. فلا نضرب قبل سن العاشرة؛ لحديث النبي -صلى الله عليه وسلم- عن صلاة الأبناء:

مروا أبناءكم بالصلاة لسبع سنين، واضربوهم لعشر سنين، وفرقوا بينهم في المضاجع.

بعض النقاط الهامة في التربية

التربية

هناك بعض النقاط لننشئ جيلًا على المنهج والعقيدة الصحيحة؛ ليصبح جيلًا يقود الأمة.

تعليم العقيدة منذ الصغر

من أهم الخصائص الواجبة تجاه طفلك في الصغر، هو تعليمه المنهج الذي يتربى عليه، والذي ينشئ عليه لأنه أصبح من الأمور التي تقودنا بالواقع، ولذلك عندما يواجه أي من المواقف الصغيرة حينها سيكون على بنية أساسية بالواقع وما يدور حوله. لابد من الممارسة العملية لتعويد الأطفال على العادات الإسلامية التي نسعى إليها، لذا يجدر بالمربي الالتزام بها؛ كآداب الطعام والشراب وركوب السيارة، وبذلك ترسم بسلوكها نموذجًا إسلاميًا صالحًا لتقليده وتشجيع الطفل على الالتزام بخلق الإسلام ومبادئه التي بها صلاح المجتمع، وبها يتمتع بأفضل ثمرات التقدم والحضارة، وتُنمي عنده حب النظافة والأمانة والصدق والحب المستمد من أوامر الإسلام، فيعتاد أن لا يفكر إلا فيما هو نافع له ولمجتمعه فيصبح الخير أصيلًا في نفسه.

يعد ترسيخ العقيدة وتحقيق العبودية في كل أمر من أمور الحياة أهم أهداف التربية الإسلامية وكل الأهداف تنبثق منه، وقد جبل الله -عز وجل- النفوس على التوحيد، ولكنها تحتاج أن تتعلم أصول الإيمان وجزيئاته.

وأصْلَحُ أوقات غرس العقيدة هي السنواتُ الأولى في حياة الطفل؛ لأنه يصغي إلى المربي بكل جوارحه ويقبلها دون نقاش، كما أن خياله الواسع يساعده على تخيل الجنّة والنار وأهوال القيامة والملائكة وعالم الجن وغيرها مما يتصور.

وترسيخ العقيدة الصحيحة يأتي عن طريق التلقين، فأولُ ما يلقّن الطفل كلمة التوحيد، إذ أن السلف يعلمون الطفل في أول حياته كلمة التوحيد، ويؤذِّنون في أذنيه عند ولادته؛ ليكون أول ما يقرع سمعه.

وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-:

افتحوا على صبيانكم أول كلمة بلا إله إلا الله ثم يُعَلّم القرآن.

وَتَعَلُّمُ الصِّبيان القرآن أصل من أصول الإسلام، فينشؤون على الفطرة ويسبق إلى قلوبهم أنوار الحكمة قبل تمكّن الأهواء منها.

تربية الطفل على حفظ القرآن الكريم

التربية

قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ).

لذا من الواجب على المُربي أن يعوّد ابنه على تلاوة القرآن والعمل به قبل حفظه.

قال الأحنف بن قيس يعظ معاوية في فضل الولد: “يا أمير المؤمنين! هم ثمار قلوبنا وعماد ظهورنا، ونحن لهم أرض ذليلة وسماء ظليلة وبهم نصول على كل جليلة. فإن طلبوا فأعطهم، وإن غضبوا فارضهم، يمنحوك ودهم ويحبوك جهدهم”.

وذاك لأن أطفالنا هم فلذة كبدنا ويجب علينا مراعاة الله فيهم والحفاظ عليهم، وحمايتهم وتربيتهم من كل النواحي.

كيف تحبب لطفلك الصلاة؟

الصلاة ركن أساسي من أركان الإسلام، فمن الواجب عليك أن تحافظ على عمود الدين، وأن تزرع في طفلك محبة ومعرفة الله، والطريق إليه، وأخذه معك إلى المسجد، وتروي له قصصًا عن الصحابة وحفاظهم على الصلاة، وغرس أسس وثوابت محبة القرب من الله في قلوبهم بصلاتهم، ونشأتهم على ذلك الطريق. (إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ). وقد قال رسول الله: “مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرقوا بينهم في المضاجع”.

الأخلاقيات في التعامل

مرر على أبنائك قصص الأنبياء والصحابة، وقصص رسول الله في التعامل مع أهل بيته؛ فهي ركن أساسي في حياة أطفالنا وتربيتهم على الهمم والعقائد الصحيحة والأخلاقيات النبوية الشريفة.

ومن بعض القصص تعلم طفلك كيف كانت الصحابة في حياتهم وأخلاقياتهم وسلوكياتهم في التعامل بين المسلمين، وغرس العقائد المنهجية في التعامل بين أصحابه ورفاقه في حياته اليومية، بسلوكيات مهذبة وواجبة التعامل وحسن التصرف في الألفاظ والسلوكيات عن طريق كيفية معيشة الصحابة -رضوان الله عليهم- وحسن خلقهم، وزرع الصفات الحميدة الواجبة في غرس القيم الأخلاقية في نفوس أطفالنا؛ لأنهم هم نبع حياتنا وطليعة المستقبل التي نسعى له؛ لتكون منهاجًا على أخلاقيات النبوة. واقرأ أيضًا أبناؤك يحتاجونك.

مواجهة الحقائق الواقعية المسيطرة على عقول أطفالنا

التربية

لا تدعهم يغتالون طفلك فكريًا.. الإعلام ومفاسد القنوات الكرتونية التي تبث في عقولهم عادات وتقاليد الغرب، وتشبع غريزتهم حتى يمتلئ الطفل داخليًا وفكريًا بأفكار متلبسة بالعالم الغربي، الذي سيطر على أفكاره واحتل كل أركان عقله، الذي مازال في النمو، وأصبحت عقولهم بتلك الآلة الغريبة المربعة -التي تسمى التلفاز- مبرمجة بالغزو الخارجي عن طريق أفلامهم التي بثت في عقول أطفالنا معنى الاحتكار للملكية الشخصية، وعدم التعاون مع الآخرين وسوء السلوكيات بالألفاظ الخارجة التي تنشر على قنواتهم، وذلك سبب الاستسلام لمحاولاتهم للخضوع تحت صنم أفكارهم ونزع عقائدهم الأخلاقية والإيمانية التي تربينا عليها ويجب ألا نتركها.

ولكن لنا بعض البرامج والمناهج التي تكون سببًا في خروجنا من الواقع المظلم بأطفالنا إلى طريق النور والحرية. ومنها: تنمية مهارات الطفل عقليًا وجسديًا، كما قال سيدنا عمر بن الخطاب:

علموا أولادكم السباحة والرماية وركوب الخيل.

وتنمية المهارات أيضًا بالتدريب على زرع القوة الداخلية، وبناء نقاط قوته وزرع الهمم من الصغر ليصبح قائدًا للأمة، وتعليمه الصدق والأمانة وتربيته أن يكون همه الأكبر الدين والدفاع عنه وليس الدنيا. كما قال أحدهم: “قولوا لأبنائكم ناموا لتستيقظوا لصلاة الفجر، بدلًا من أن تقولوا لهم ناموا لتستيقظوا للمدرسة”.

وأخيرًا اعلم أيها الأب وأيتها الأم، أن أبناءك أمانة، ولن تجد وعاء يحفظ لك أمانتك أقوى من وعاء التقوى وصدق القول والنية، وإخلاصها لله، وإن حفظتها حفظك الله وربى لك أبناءك.

14150

الكاتب

نور صفي الدين

الذين تسد بهم الثغور.

التعليقات

  • شعبان بن يوسف منذ 3 سنوات

    أشكر الله لكم على كتابة هذا الموضوع المفيد .

    رد

    اترك تعليقًا

    *
    *

    موضوعات ذات صلة
    القائمة البريدية

    اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.