
معهد الذمية: محاولة جديدة لتخريب وتفتيت المجتمعات العربية والمسلمة
الحرب على أمتنا العربية المسلمة مستمرة ومتصاعدة على كافة الجبهات: جبهة القتال، وجبهة الفتنة وتفتيت الأمة، وجبهة العقيدة وتغيير الهوية، وجبهة القيم والتوجهات عبر تغيير السلوك، وجبهة الاستهلاك حيث شهوات النفس وتمييع الشخصية وركونها وإخلادها وتثاقلها إلى الأرض رضا بالحياة الدنيا.
في هذا المقال نتناول أحد أهم هذه الجبهات القديمة المتجددة المتعلقة باللعب بجبهة الفتنة وتفتيت الأمة، من خلال ورقة الأقليات الدينية بمعناها الواسع كأحد الحروب على الأمة. حيث تقوم أهم محاور الحرب الثقافية والدينية على أمتنا العربية المسلمة على فرية مكذوبة تدعي أن تاريخ هذه المنطقة هو فقط قصة الاعتداءات على الأقليات المسلمة وغير المسلمة.
وأن أحد مسالك تفجير المنطقة هو التوترات الدينية، فمنطقة الشرق الأوسط كما تدعي الصهيونية هي أرض الأقليات الدينية وليست أرض الأمة العربية.1
فقد كان محور السياسة الصهيونية منذ بداياتها وحتى اليوم هو توطيد علاقاتها مع الشيعة (قبل الثورة الإيرانية) والدروز والطائفة المارونية، لأن هذه القوى تقع في دائرة الضواحي بالنسبة للسنة، وهي من ثم قادرة على أن تخلق نوعًا من الضغط الجانبي على القدرة السنية.2
فسياسة الكيان في التعامل مع الأقليات كانت تسير بأسلوب واحد، أساسه متغيرين أساسيين: تقوية النعرة الطائفية من خلال إبراز التميز العرقي والديني أو كلاهما، ثم خلق قيادات طائفية وتدريبها خارج الوطن العربي وبصفة خاصة الولايات المتحدة الأمريكية.3
والسياسة الصهيونية لتخريب عالمنا العربي والإسلامي لا تنفذ فقط من قبل مسئولي ومنتسبي الكيان؛ لكنها تمتد لكل يهودي صهيوني خارج الكيان؛ وخصوصًا في أمريكا، حيث يقوم اللوبي الصهيوني بمختلف توجهاته وتخصصاته في الدفع بالاستراتيجية والسياسة الصهيونية للأمام، ودعمها بكل ما يمكنه من جهد وموارد.
وفي هذا المقال نتناول أحد جهود اليهود المتصهينين في أمريكا ممثلًا في منتدى الشرق الأوسط، الذي يديره الصهيوني المتعصب دانيال بايبس، لدعم الجهود الصهيونية لتفتيت العالم العربي والإسلامي وإضعافه عبر ورقة الأقليات.
إطلاق معهد الذمية

ففي نهاية العام الماضي أطلق منتدى الشرق الأوسط4 مشروع معهد الذمية (Dhimmitude Institute)؛ تحديدًا يوم 24 ديسمبر 2025م، وهو مبادرة بحثية تهدف إلى تقديم دراسات متقدمة حول معاملة الأقليات الدينية في ظل الحكم الإسلامي، بدءًا من الاضطهاد التاريخي للمسيحيين واليهود وغيرهم من غير المسلمين، وصولًا إلى مظاهره المعاصرة في العالم الإسلامي والغرب.
وبحسب كلام مديره التنفيذي: “لم تكن محنة الأقليات الدينية، من مصر إلى باكستان إلى إندونيسيا، أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى، ومع ذلك لا تزال من أقل الظواهر فهمًا في السياسة العالمية. لذلك وجد معهد الذمية ليُجري أبحاثًا دقيقة وذات صلة بالسياسات تحتاجها الحكومات والمدافعون عن الحقوق لمواجهة هذا القمع الممنهج”.
والمشروع مستوحى من عمل للباحثة اليهودية بات يئور وزوجها5 وإحياء لإرثها الفكري، الذي كشف عن الآليات االعقدية والسياسية التي أخضعت السكان غير المسلمين للحكم الإسلامي من خلال الذمة.
وهو الأمر الذي يُساعد في تفسير بعض أنماط التوفيق الثقافي التي تتبناها الدول الغربية تجاه العالم الإسلامي، فضلًا عن التوجهات السياسية الأوسع نطاقًا الناشئة في أوروبا وخارجها لدمج المسلمين الأوروبيين. وكذلك يُساعد في فهم قرارات السياسة الخارجية الغربية تجاه العالم الإسلامي، وهل يكمن وراء عملية صنع القرار الغربي في هذا المجال شعورٌ بالترهيب ناتج عن الخضوع النفسي لمفهوم الذمة؟
مفهوم الذمية كما تقدمه يئور
يشمل مفهوم الذمية كما تقدمه يئور جميع الجوانب الديموغرافية والعرقية والدينية للنظام السياسي. ويصف الأوضاع القانونية والاجتماعية لليهود والمسيحيين الخاضعين للحكم الإسلامي. كما يشمل التاريخ والحضارة الإسلامية وتاريخ تلك الشعوب غير المسلمة التي غُزيت واستُعمرت بالجهاد. وكذلك العلاقة بين الجماعات الذمية العرقية والدينية المتعددة، ونوع العقلية التي طورتها نتيجة لظروفها التاريخية الخاصة التي استمرت لقرون، ولا تزال قائمة حتى اليوم.
وترى يئور أن الذمية لا يمكن فهمها إلا في سياق الجهاد، لأنها تنبع منه. حيث يُعيد إحياء الإسلام التقليدي روح الجهاد ضدّ دار الحرب، وفرض الذمّة على الأقليات غير المسلمة، وهو ما يمثل خطرًا على العالم كله وفي مقدمته الغرب.
كيف يطبق معهد الذمية المفهوم؟
يستخدم معهد الذمية هذا المفهوم لتحليل كيفية أن استمرار الهيمنة السياسية والاجتماعية والاقتصادية للمسلمين على غيرهم والتسامح المشروط معهم يؤثر على العلاقات بين الطوائف وسياسات الدولة في العالم المعاصر. وذلك من خلال أبحاث تدمج الدراسات التاريخية مع البحوث الميدانية لبيان كيفية حدوث ذلك، من خلال النماذج التاريخية والمعاصرة في كل من المجتمعات ذات الأغلبية المسلمة والمجتمعات الغربية.
ولذلك يدعو الباحثين من مختلف دول العالم؛ وخصوصًا البلدان التي يتم التركيز عليها في المرحلة الأولى، إلى تقديم أبحاث؛ بنظام المكافأة، عن “الذمية في العالم المعاصر” تستند إلى أدلة تجريبية، وتشمل مجالات البحث في المرحلة الأولى المواضيع التالية:
1- المظاهر المعاصرة للذمية:
القيود القانونية والإدارية والاجتماعية المفروضة على المواطنين والمقيمين غير المسلمين في المجتمعات ذات الأغلبية المسلمة.
2- دراسات حالة عن التمييز والإكراه:
الضرائب التفاضلية، والقيود المفروضة على الممارسة الدينية أو البناء الديني، ومعوقات التوظيف، والفصل العنصري في الحياة العامة.
3- الأقليات الدينية والدولة:
معاملة المسيحيين واليهود والهندوس والبوذيين والأيزيديين وغيرهم في ظل أنظمة متأثرة بالشريعة الإسلامية أو العرف الإسلامي.
4- الذمية في الغرب:
أو ما يسمى “الذمية الحضارية” في الديمقراطيات الغربية، أو ما يطلق عليه”الرقابة الذاتية والخضوع للضغوط الإسلامية التي تُقيّد بشكل متزايد حرية التعبير والنقاش العام” داخل المجتمعات الديمقراطية.
5- الجندر والتسلسل الهرمي:
كيف تعزز البنى الأبوية والمجتمعية عدم المساواة في المكانة الاجتماعية وتقيّد الحريات الدينية والمدنية.
6- أصوات مسلمة من أجل الإصلاح:
انتقادات داخلية تدعو إلى المساواة والتعددية وحقوق الإنسان العالمية في السياقات الإسلامية.
7- الذمية والاستقرار العالمي:
كيف يُسهم استمرار ممارسات الذمية في تأجيج التوتر على الساحة الدولية، مما يُزعزع استقرار الديمقراطيات الغربية، ويُعمّق الانقسامات المجتمعية، ويُعيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية في الدول ذات الأغلبية المسلمة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وجنوب آسيا.
النطاق الجغرافي

تشمل المرحلة الأولى من البحث: إيران، مصر، سوريا، العراق، باكستان، لبنان، تركيا، ماليزيا، إندونيسيا، ودول الخليج (بما فيها المملكة العربية السعودية). باعتبارها المناطق العشر المحورية كمراكز تاريخية للحكم الإسلامي، وفي نفس الوقت مجتمعات حديثة يواجه فيها غير المسلمين؛ مواطنين ومغتربين وعمال مهاجرين، أشكالً متفاوتة من عدم المساواة والإقصاء والإكراه.
ماذا بعد؟
لو نظرنا حولنا وما يجري من اتصالات مع الأقليات الدينية والعرقية في إيران ولبنان، والأصوات المتعالية لأقباط المهجر من المصريين، وما يجري في سوريا من الأقليات المختلفة فيها، وما يجري في السودان.
وما يقوم به الكيان الصهيوني والمنظمات الصهيونية في أمريكا من تواصل وحوارات وبرامج مع مسلمي أندونيسيا وماليزيا وباكستان، وما يجري من ترتيبات في السر والعلن بين دول الخليج والكيان في إطار الاتفاقات الإبراهيمية، وما يتوقع من اتفاقات في الأيام القادمة، وغير ذلك كثير في باقي البلدان العربية والإسلامية، سنتأكد أن الحرب قد أعلنت بشكل لا شك فيه، إلا لذي عمى مزمن أو مرض في قلبه لا يرجي برؤه.
ولو نظرنا لمعنى إنشاء هذا المعهد سواء للجهة التي تتبناه، أو لجهة الفكر الذي يقوم عليه، والباحثة التي يحيون فكرها بالعمل، أو للأموال التي ستنفق عليه، أو للفئات المستهدفة من الباحثين التي ستقوم بتلك الأبحاث في بلادنا العربية والإسلامية وغيرها، أو للموضوعات المطروحة للبحث في المرحلة الأولى، أو لمنهج البحث ذاته وما يحمله من سموم، أو ما يحمله من توجهات ليس فقط لتفتيت الأمة، وإنما كذلك لبث السموم بين الأمة وبين أوروبا وأمريكا وغيرهما من الأمم بتنظير فكرة الإرهاب الإسلامي، بل دمغ الغربيين بالنقص والخوف وإذلال الذات تقربًا وخوفًا من المسلمين، وما يعنيه ذلك من تخريب العلاقات بيننا وبينهم، وتخريب حياة المسلمين في تلك البلدان وتهديدها، لوجدنا كم نحن مقصرون في حق أمتنا.
فهل لا توجد مؤسسة أو جماعة من التي تنفق ملايين الدولارات كل عام على ما لا يفيد تتبنى مشروعًا مضادًا لمشروع الذمية؟ يقوم على متابعة إنتاج هذا المعهد، ومن يموله ومن يقوم على إدارته ومن يسهم في أبحاثه ومن ينشرها، وترجمة تلك الأبحاث، وقبلها كتابات يئور وزوجها ومن يسيرون على خطاها، والتعريف بها للحكومات والفقهاء والباحثين وعموم المسلمين والغربيين، وتصميم استراتيجية علمية وإعلامية للرد عليها في الداخل والخارج، أم نظل نتلقى الضربات ونسكت صامتون صمت أهل القبور؟
الهوامش
- حامد ربيع، كيف تفكر إسرائيل،دار الوفاء، ص72. ↩︎
- المصدر نفسه، ص73. ↩︎
- المصدر نفسه، ص147. ↩︎
- منتدى الشرق الأوسط، منظمة تُعنى بتعزيز المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط وحماية الحضارة الغربية وحلفاؤها من التطرف الإسلامي، وذلك من خلال مزيج من الأفكار والعمل الميداني. وقد تبنت الحكومة الأمريكية بشكل متكرر أفكارًا سياسيةً له. ↩︎
- وُلدت بات يئور في القاهرة، وحصلت على اللجوء في لندن كلاجئة عديمة الجنسية عام 1957، ثم أصبحت بريطانية بعد زواجها، واستقرت في سويسرا. منذ عام 1971، ألّفت خمسة كتب وعشرات المقالات عن غير المسلمين في ظل الإسلام، واتخذت اسمًا مستعارًا مستوحى من التوراة، وهو بات يئور / “ابنة النيل”. تبع مقالها الأول، “اليهود في مصر” (1971)، دراسة رئيسية بعنوان “الذميون: اليهود والمسيحيون في ظل الإسلام” (1985). لا يزال هذا الكتاب مدخلاً أساسياً لعملها الرئيسي الثاني، “تراجع المسيحية الشرقية في ظل الإسلام: من الجهاد إلى الذمية” (1996)، الذي رسّخ مكانتها كباحثة رائدة في هذا المجال. ثم جاء كتابها “الإسلام والذمية: حيث تصطدم الحضارات” (2002)، الذي تناول نزعة الذمية في القرن العشرين، وساهم في تقييم جاد لأيديولوجية الجهاد التقليدية. أما كتابها الأخير، “يورابيا: المحور الأوروبي العربي” (2005)، فقد قدّم فهماً للتحول التدريجي لأوروبا إلى “يورابيا”، وهي امتداد ثقافي وسياسي للعالم العربي/الإسلامي. ويصف التحول التدريجي لأوروبا إلى “يورابيا”، وهي امتداد ثقافي وسياسي للعالم العربي/الإسلامي. ↩︎



