انتشر تداول النظريات التي تدَّعي أن سبب الحروب التي يخوضها الغرب في بلاد المسلمين هو موارد الطاقة (النفط، والغاز الطبيعي… الخ) وما يتعلق بها من مخططات معلقة لنقل الغاز الطبيعي! وانطلاقا من هذه النظرية تسعى تلك المقالات لحصر الصراع، ليس في سوريا فحسب بل في العراق وليبيا وتونس الخ، على الثروات الطبيعية!

مقدمات الصراعات والحروب

والأصح أن يُتكلم عن أنواع “مقدمات الصراعات والحروب”، فهذه المقدمات يمكنها أن تختلف من حالة إلى أخرى، إلا انه كيفما كانت مقدمات الصراعات، فإنه يصعب في غالب الأحيان فصل الصراع نفسه عن العقيدة، فبغض النظر عن مقدمات الحرب-أي الأسباب التي أدت إلى نشوبها-الحرب نفسها تُخاض غالبا عن عقيدة، إذ مثلا الذي يحدد الهوية هي العقيدة، والذي يحدد أنواع المصالح المادية وكيفية تحقيقها هي العقيدة. ويتراجع الدافع العقدي للوراء فقط في حالة تكون فيها الأطراف المتصارعة تحمل نفس العقيدة!

والإسلام بصفة خاصة لا يعرف إلا صراع العقيدة، خصوصًا في صراعاته مع الكفار، وليس أبلغ دليل على ذلك من غزوة بدر التي خصها الله مرتبة ودرجة خاصة عالية، فسبب خروج الرسول كانت أموال قريش، فمقدمات غزوة بدر كانت مما يمكن أن يُعتبر “صراع على الثروة”. وأقتبس بخصوص مقدمات غزوة بدر من تاريخ الطبري: [لَمَّا سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَبِي سُفْيَانَ مُقْبِلًا مِنَ الشَّامِ، نَدَبَ الْمُسْلِمِينَ إِلَيْهِمْ، وَقَالَ: “هَذِهِ عِيرُ قُرَيْشٍ، فِيهَا أَمْوَالُهُمْ، فَاخْرُجُوا إِلَيْهَا، لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُنَفِّلَكُمُوهَا”](أ.هـ).

غزوة بدر حجر أساس للصراع العقدي

غزوة بدر وضعت الحجر الأساسي للصراع المسلح لدولة الإسلام وجعلتها صراعا عقائديا محضا مهما كانت مقدمات الحرب. ألم يقل الرسول للمسلمين في بدر لما جاء جيش قريش يدافع عن مال قافلة أبي سفيان: “قُومُوا إِلَى جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ”(صحيح مسلم)، وعن أَبِي مُوسَى الأشعري قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: الرَّجُلُ يُقَاتِلُ حَمِيَّةً وَيُقَاتِلُ شَجَاعَةً وَيُقَاتِلُ رِيَاءً، فَأَيُّ ذَلِكَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ صلى الله عليه وسلم: “مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ”(صحيح البخاري). وعن سَعِيد بْنِ زَيْدٍ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: “مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دِينِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ”(سنن الترمذي).

هل يُعاب على العقيدة أن يكون من بين أهم أدوارها التحشيد والتعبئة؟

وقد يقول البعض أن الخطابات العقائدية التي يستعملها الغرب إنما هي فقط للتحشيد والتعبئة الشعبية ضد الإسلام لكن الأهداف مادية غير عقدية! أقول، وهل يُعاب على العقيدة أن يكون من بين أهم أدوارها التحشيد والتعبئة؟ أليس الإسلام يعبئ أتباعه في معاركهم: “قُومُوا إِلَى جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ”(صحيح مسلم). {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ ۚ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ۚ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ (65)} (الأنفال).

الحرب الحرب الصليبية المعاصرة حرب عقائدية وليست حرب ثروات 2

تدمير المسجد الأموي بحلب

فبغض النظر عن مقدمات الحرب-أي الأسباب التي أدت إلى نشوبها-الحرب نفسها تُخاض غالبا عن عقيدة، والحروب التي خاضها ويخوضها الغرب ضد البلدان الإسلامية حروب عقائدية بامتياز، وأبسط دليل قاطع على ذلك هو أن الغرب لا يكتفي بأخذ النفط والغاز والامتيازات والصلاحيات لشركاته، بل حرصه الأكبر ينصب على منع تطبيق الشريعة واستبدالها بقوانين وضعية، وتغيير مناهج التعليم وحذف كل ما هو إسلامي منها، بل ومنع حتى الشعارات الإسلامية كراية الرسول، وفرض نظرته للحياة الخ! فالغرب يدافع عن طريقة حياته بفرضها على الآخرين، يفرضها عن طريق الحرب المباشرة وعن طريق الأمم المتحدة والبنك الدولي وعن طريق العملاء في السياسة والثقافة والأمن الخ…

حرب استئصالية وجودية

فسُنَّة الله في الأرض أن لا شيء يبقى مستقر متجمد في حالة ووضع معين، ما عندك إما يتمدد وينتشر أو ينحصر وينكمش فينقرض، والغرب يعي هذا جيدا لذلك يعمل جاهدا على نشر وفرض عقيدته عن الحياة في بلاد المسلمين، فتطبيق الشريعة في بلاد المسلمين يعني بالنسبة للغرب انهزامه العقدي، يعني انحصار عقيدته، ويعني ناقوس خطر ينذر بنهاية حضارته، لذلك يقول الغرب أنه يدافع عن حضارته وأمنه في أفغانستان والعراق وسوريا الخ!

فالغرب يدرس التاريخ جيدا ويدرس تجاربه وتجارب الآخرين ويتعلم ويضع، إلى جانب سياسات قصيرة المدى، سياسات متوسطة وبعيدة المدى، وله إلى جانب السياسات والأهداف والمصالح المرنة المتغيرة القابلة للتغيير والمساومة، سياسات عقائدية ثابتة غير قابلة للمساومات! ومن هذه الثوابت فرض عقيدته على الآخرين ومنع العدو الرئيسي لعقيدته، وهو الإسلام، من التواجد في أي بقعة من الأرض كنظام يُسيِّر حياة الناس السياسية والاقتصادية والاجتماعية والحربية!

الحرب الحرب الصليبية المعاصرة حرب عقائدية وليست حرب ثروات 4

هذه الحقائق العقدية يعلمها الغرب جيدا وكتب عنها منظروه ومفكروه وسياسييه ومؤسساته للأبحاث الاستراتيجية! أما بعض المُغيَّبين من المسلمين فيريدون نفي هذه الحقائق، رغم أن المسلمين هم أولى أن يؤمنوا بها إِيمَانًا قطعيا يقينيا لا يغفلوا عنها أبدا في تعاملهم مع دول الغرب والكفار عموما، ألم يقل الله {وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا ۚ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ وَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (217)}(البقرة).{وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ۗ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىٰ ۗ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ۙ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (120)}(البقرة)، … {وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً (89)}(النساء)، … {وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ (109)}(البقرة)!

غنائم واستحقاقات ثانوية

إذًا صراعات الغرب مع المسلمين هي ابتداءً صراعات عقدية، أما ما يستولي عليه الغرب من موارد طبيعية في بلاد المسلمين فهذه يمكن اعتبارها غنائم واستحقاقات ثانوية، فهذه سُنَّة الحياة، المنتصر يملك السلطان على البلاد وخيراتها!

ألم تكن جيوش المسلمين تفرح بالغنائم والفيء والخراج التي تكسبها من انتصاراتها ومن فتحها لبلاد الكفار؟ ألم يقل الرسول صلى الله عليه وسلم: “جُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي”(مسند احمد)، ألم يجعل الله الغنائم والفيء حلالا للمسلمين ومن بين الواردات المالية لدولة الإسلام: {فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (69)} (الأنفال)، … {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَانَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ (41)} (الأنفال).

 {مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ (7)} (الحشر)، … {وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا (20)} (الفتح). وألم يكن من بين المسلمين، حتى في عهد الرسول، من كان يخرج للمعارك ابتداءً من أجل الغنائم، لكن دون أن يغير ذلك من الهدف العقائدي الأساسي والسائد للمعركة!

فكَوْن الغنائم والفيء والخراج يفرح به المسلمون وتُعد من الواردات المالية لدولة الإسلام، ويغتني بها المسلمون، فهذا لا يعني بحال أن حروب المسلمين (الحروب التي شرعها الله) هي حروب من أجل الأرض أو الثروة أو الهيمنة والنفوذ، وإن كان كل هذا خير يتحقق وينتعش منه المسلمون ويفرحون به! فهذا من فضل الله، أحَلَّ للمسلمين كل هذه المصالح المادية، لكن أحَلَّها تحت سقف تحقيق العقيدة أوَّلاً، فهي من ثمرات الصراع العقدي الذي يخوضه المسلمون، ثمرات يسخرها الله لمن آمن به وصارع من أجله {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ (96)} (الأعراف).

الإسلام شرعة حياة وليس عقيدة كهنوتية

بل المنافع المادية أحَلَّها الله حتى في شعيرة الحج التي مقاصدها التجرد من كل الدنيا والتفرغ لعبادة الله في أطهر وأقدس أرض اصطفاها سبحانه {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ ۚ فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ ۖ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (198)} (البقرة). {ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم} أي “لا حرج عليكم في الشراء والبيع قبل الإحرام وبعده”! … فلا حرج في الذهاب لقضاء فريضة الحج وجعل ذلك فرصة أيضا للتجارة!

Embed from Getty Images

فالعقيدة الإسلامية ليست عقيدة كهنوتية تفصل الدنيا عن الآخرة، تفصل المادة عن الروح، تفصل العبادة عن التجارة، تفصل القتال في سبيل الله عن الغنائم والفيء والنفوذ، بل العقيدة الإسلامية هي مزج فريد بين كل هذا، هي إيمان بالله والسعي لتطبيق شريعته وقتال في سبيله، والمادة والأرض والثروات والنفوذ هي وسائل تُستثمر في سبيل الله، في سبيل فرض شريعته، وهي ثمرات دنيوية يَمُنُّ بها الله على من قاتل في سبيل الله وكانت غايته الأولى وسعيه هو إعلاء شرع الله!

فإذا كان هذا هو شأن العقيدة الإسلامية والصراع العقدي عند المسلمين، فلماذا ننفي عن الغرب الدافع العقدي في حروبه ضد المسلمين ونجعل دوافعه ابتداء من أجل الثروة والأرض والنفوذ؟ فكما يفرح المسلمون بالغنائم والفيء والخراج الذي يحصلون عليه بفتحهم لبلاد الكفار عبر خوض حروب عقدية وينتفعون من ذلك ويغتنون به، كذلك يضع الغرب اليوم في حسبانه النفط والغاز والمعادن ويفرح لكل هه الغنائم حين يخوض حروبه العقدية ضد المسلمين! فحروب الغرب ضد المسلمين عقدية بالدرجة الأولى والباقي ثمرات ومغانم غزوه العقدي!

فاعتبار المعارك التي يخوضها الغرب ضد المسلمين أنها ابتداءً من أجل الطاقة أو الثروات، اعتبارٌ مُضَلِّل وخطير!

هي العلمانية التي تنبذ الدين عن تنظيم الحياة

ولعل البعض يقول إن الغرب علماني مادي ولا يؤمن بالنصرانية فكيف تكون حروبه ضد المسلمين عقائدية صليبية؟ فهؤلاء لم يدركوا حقيقة عقيدة الغرب التي يحارب من أجلها ويفرضها على المسلمين، فهي ليست الديانة النصرانية المُحَرفة، بل هي العلمانية التي تنبذ الدين عن تنظيم الحياة، لكنها تعترف بالدِّين النصراني (وتتسامح -إلى حين-مع بعض الجوانب الشعائرية من الإسلام للمسلمين) كضرورة روحية تلعب دور الطبيب النفساني لكن لا شأن له بالتشريع والسياسية! فالغرب حين يتكلم عن الحملة الصليبية فإنه يقصد بها عقيدته العلمانية المنَظِّمة للحياة، بجانبها الروحي والتاريخي النصراني! فالغرب يقارع الإسلام بمبدئه وعقيدته العلمانية وليس بديانته النصرانية!

وبالتالي فالمال والنفط والغاز والمياه وغير ذلك يسعى الغرب إلى تحصيله من بلاد المسلمين تحت مضلته العقدية، فالغرب في تعامله مع البلدان الإسلامية لا يفصل مصالحه المادية عن مصلحته الأولى الثابتة وهي المصلحة العقدية: فرض العلمانية ومنع شريعة الإسلام من التطبيق! فالغرب يسعى لتحييد عقيدة المسلمين من الصراع حتى يخضع الكل لعقيدته ومن ثم لتصريف خيرات المسلمين حسب عقيدته ولمصالحه!

الحرب الحرب الصليبية المعاصرة حرب عقائدية وليست حرب ثروات 6

وتبعا لهذا كله فصراع المسلمين مع الغرب هو صراع ضد علمانيته التي يفرضها على بلاد المسلمين، فمشكلة المسلمين ليست مع العلمانية التي يطبقها الغرب في بلاده، فالغرب حر في النظام الذي يختار لدولته وحياته، كما أن مشكلة المسلمين ليست مع ديانة الغرب النصرانية، بل الإسلام يضمن للنصارى واليهود حرية ممارسة دياناتهم حتى في بلاد المسلمين!

التنكر للدين لن يقلل من شراسة الحرب

ولعل من يحاولون إنكار الطابع العقائدي للصراع في الشام والعراق، ويعلنون مثلا أن ثورة الشام ليس هدفها إقامة خِلَافَة إسلامية، لعلهم يظنون أنهم بهذا الإنكار سينجحون في تفادي شحن الغرب عقائديا ضد المسلمين، ومن ثم تخفيف وطأة الغرب وشراسته ضد المسلمين، إذ يظنون أن الحروب العقائدية تكون أكثر شراسة وضراوة من حروب المصالح المادية!

وهذا قولٌ غير صحيح، فأشرس الحروب في تاريخ البشرية هي الحرب العالمية الأولى والثانية اللتين كانتا ابتداءً معارك على الموارد الطبيعية، إذ غالبية الأطراف المتناحرة كانت تحمل نفس العقيدة، لكنها اختلفت على الثروات والنفوذ! ثم ألم تكن الحرب الاستئصالية في الشام والعراق ضد أهل السنة منذ بدايتها في القمة من البشاعة والوحشية؟ أليس الغرب، ومنذ بعثة محمد صلى الله عليه وسلم، مشحون ابتداءً عقائديا ضد المسلمين ويحاربهم اليوم في سوريا بكل أنواع الأسلحة؟ فلما يريد البعض إخفاء الإسلام والمسلمون يُذبحون بالجُملة وبأبشع الطرق، فإن كان إخفاء الإسلام لن ينجيكم من الموت، فالأولى والواجب أن تموتوا من أجل الإسلام وفِي قتال من أجل التمكين لشريعة الإسلام!

الحرب الحرب الصليبية المعاصرة حرب عقائدية وليست حرب ثروات 8

خلاصة

الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية الذي تنضوي تحته عدة فصائل من ثورة الشام كالجبهة الإسلامية وحركة أحرار الشام، يعملون تحت مظلة أمريكا وعملائها الأتراك وآل سعود وقطر، فهم من يقوم على تسليحهم وتمويلهم، ومن ثم تجد مشايخ هذا الائتلاف الأمريكي ومنظريه، يحاولون إضفاء شرعية إسلامية على ركونهم لدول الكفر، فلجؤوا إلى عدة وسائل لهذا السبيل، منها الالتفاف على النصوص الشرعية المتعلقة بالولاء والبراء للخروج بفتاوى تبيح “الاستعانة” بالغرب في صراع الثوار في سوريا. ومن هنا يأتي ادعائهم أن الصراع مع الغرب في الشام ليس صراعا عقائديا بل صراع إقليمي دولي على الطاقة، وكأن الشرع يبيح للكفار أن ينهبوا خيرات المسلمين ويتحكموا فيها.

ثم لو سلَّمنا جدلا أن الغرب يخوض في الشام صراعا عن الطاقة وليس صراعا عقائديا، ويمكن التوصل إلى توافقات معه، إذًا فَلْيُجب أصحاب هذه النظرية عن الأسئلة التالية:

  • لماذا يعترض الغرب على قيام دولة إسلامية في الشام ويحارب ذلك بكل الوسائل؟
  • لماذا يفرض عليكم الغرب دولة مدنية علمانية؟
  • لماذا يفرض عليكم الغرب عدم المساس بالمنظومة الأمنية والمخابراتية في سوريا؟
  • لماذا تخشون حتى حمل راية التحرر الحقيقية، راية عقيدة المسلمين، الراية التي تمحي الوطنية وتجمع المسلمين، راية رسول الله، راية “لا إله إلا الله محمد رسول الله”؟

 

692

الكاتب

فاروق الدويس

مسلم مُتابع للأحداث في البلدان الإسلامية خاصة، يحاول المساهمة في معركة الأمة المصيرية بأبحاث ومقالات سياسية فقهية تحليلية،معركة لا يمكن للأمة الانتصار فيها بدون اكتساب وَعْي وفَهْمٍ، بدون كسبها يبقى المسلمون وقُودًا وحُطامًا وغثاءً يستعملهم النظام الدولي لتثبيت هيمنته على بلدانهم وفرض عقيدته على شعوبهم!

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
مشاركة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.