تناولنا في المقال السابق ” تعرّف على اعترافات القاتل الاقتصادي جون بيركنز – الجزء الأول ” كيف يقوم النظام العالمي الإمبريالي الجديد بنهب ثروات الشعوب وتم عرض بعض النماذج كـ الإكوادور، إندونيسيا، بنما. و الآن نستكمل باقي النماذج.

جواتيمالا والاغتيال الاقتصادي:

guatemala-1954

شركة الفاكهة المتحدة يونيتد فروت، أُنشأت في أواخر القرن التاسع عشر وتنامت حتى أصبحت واحدة من أكبر الشركات نفوذًا في أمريكا الوسطى، على الجانب الآخر في جواتيمالا وفي تجربة ديموقراطية فريدة تم انتخاب جاكوبو آربينز رئيسًا للبلاد في وقت كان يمتلك فيه اقل من 3% من سكان جواتيمالا 70% من الأراضي الزراعية.

وعد آربينز بإصلاحات تضمن حقوق الفقراء ومساعدتهم لشق حياة كريمة، وبالفعل بانتهاء الانتخابات طبق برنامج إصلاح شامل لجميع الأراضي. ولكن هذه المعايير لم تكن في صالح شركة الفاكهة المتحدة وذلك باعتبارها واحدة من أكبر ملاك الأراضي الزراعية في جواتيمالا وأكثرها ظلما وجوراً؛ قامت الشركة بترويج لحملة شعبية في الولايات المتحدة الأمريكية لإقناع الشعب الأمريكي والكونجرس أن آربينز جزءً من مخطط سوفييتي وأن جواتيمالا بلد محكوم سياسيًا واقتصاديًا من قبل الروس.

أمريكا عدوة التحرر

آربينز رئيس جواتيمالا

آربينز رئيس جواتيمالا

وفي عام 1954 نسق رجال CIA ضربة قاتله بمساعدة الطائرات الحربية الأمريكية التي ضربت مدينة جواتيمالا بالقنابل وأطاحت برئيس جواتيمالا المنتخب، وأتت بالكولونيل كارلوس كاستيلو آرماس الدكتاتور السفاح الذي أخضع كل شيء مجددًا لشركة يونيتد فروت، كما قام بإلغاء إصلاح الأراضي وأسقط الضرائب، والفوائد المستحقة عن المستثمرين الأجانب، وأبطل حق الانتخاب وسجن الآلاف من المواطنين وكان التعذيب مصير كل من تجرأ على الاعتراض. وهكذا اغتيل آربينز اغتيالًا سياسيًا واقتصاديًا.


أما من يمتلك شركة الفواكه المتحدة فهم شركة زاباتا للبترول وجورج بوش وسفير الأمم المتحدة.

  • المملكة العربية السعودية وعمليات غسيل الأموال:

10384625_694779303949400_4779588465170624770_n

أثناء حرب أكتوبر سنة 1973 مع إسرائيل اتحدت الدول العربية واتخذت موقفًا لمعاقبة إسرائيل والدول الداعمة لها وعلى رأسها أمريكا، ولما كان البترول هو سلاحهم الوحيد فقد قاموا باستخدامه على أكمل وجه، فقد ضغط الرئيس السادات على الملك فيصل ملك السعودية للثأر من الولايات المتحدة وأعلنت في 16 أكتوبر إيران ودول الخليج الخمسة بما فيها السعودية زيادة سعر البترول بنسبة 70 %. أما في الكويت فقد اجتمع رؤساء البترول لاتخاذ قرارات اكثر تشددا وقرروا التحرك للأمام بمزيد من الحظر والذي بدأ بتخفيض الإنتاج بنسبة 5% كل شهر حتى تجاب طلباتهم السياسية فيما أعلنت بعض البلدان إنها ستخفض الإنتاج بنسبة 10%.

توابع الحذر

وفي 17 أكتوبر عندما طلب نيكسون من الكونجرس مبلغ 2.2 مليار دولار مساعدة لإسرائيل قامت السعودية وباقي البلدان العربية المنتجة للبترول بفرض حظر كامل على سفن البترول المتجهة للولايات المتحدة. انتهى حظر البيع في 18 مارس 1974، بالرغم من صغر فترة الحظر إلا أنها كانت ذات تأثير هائل، فقد ارتفع سعر البرميل من 1.39 دولار للبرميل في أول يناير عام 1970 إلى 8.32 دولار في يناير 1974. أما رجال السياسة والحكومة الأمريكية فلم ينسوا مطلقًا الدروس التي تعلموها.

وأدت هذه الصدمة إلى تقوية الكوربوقراطية واتحاد أعمدتها الثلاث (الشركات الكبرى والبنوك الدولية والحكومة) كما لم يحدث من قبل.

هاجس حماية البترول

الخلافة الأمريكية

أيقنت واشنطن أنه من غير الممكن التسامح مع مثل ذلك الحظر مرة أخرى، أصبح حماية مصدر إمداد البترول هاجسًا لدى الولايات المتحدة بعد عام 1973 وأدركت أمريكا الأهمية الاستراتيجية للبترول على الاقتصاد الأمريكي. هذا وشجعت الولايات المتحدة قيادات الكوربوقراطية على البحث الحثيث عن سبل لاستعادة أموال الولايات المتحدة المدفوعة في بترول السعودية.

لعنة الأرباح

وأوجد نقص الهياكل الإدارية والـتأسيسية في المملكة والتي تمكنها من إدارة ثرواتها إدارة صحيحة ثغرة يمكن استغلاها من قبل قراصنة الاقتصاد. أما الثروة التي حصلت عليها السعودية من ارتفاع عائدات البترول وامتلاء خزائن الدولة بالمليارات فقد كانت نقمة أكثر منها نعمة عليهم. فقد أدت إلى:

  1. تقويض المعتقدات الدينية الوهابية الصارمة.
  2. حل شكل جديد من الانغماس الدنيوي بدلًا من المعتقدات الدينية المحافظة.
  3. بدأ التفاوض مع السعوديين على مقايضة المعدات والتدريبات العسكرية والمساعدة التقنية وفرصة للنهوض ببلدهم إلى ركب الحضارة والمعمار مقابل دولارات البترول، وأهم من ذلك مقابل عدم حظر البترول مجددًا.
  4. كما كان من نتائج المفاوضات إنشاء وكالة التنمية الأكثر غرابة في التاريخ وهي اللجنة الأمريكية السعودية للتعاون الاقتصادي التي عرفت ب JECOR اعتمدت هذه اللجنة أسلوبا جديدا في برامج المساعدات المالية فهي تعتمد على أموال السعودية لتمويل الشركات الأمريكية لنماء المملكة العربية السعودية.

القاتل الاقتصادي يعمل من جديد

وفي مرحلة مبكرة من الشراكة لجأت وزارة الخزانة للاستعانة بشركة MAIN، كاستشاري واستدعى بيركنز، ووظيفته كانت التنبؤ بما قد يحدث في المملكة إذا ما استثمرت الأموال الطائلة في الإنفاق على البنية التحتية، باختصار: فقد طلب منه تطبيق قدراته الإبداعية بأقصى ما يستطيع لتبرير استنزاف مئات الملايين من الدولارات من أموال السعودية بشرط إدراج شركات الهندسة والبناء الأمريكية.

في حالة السعودية فقط اختلف الهدف، فلم يكن هذه المرة الهدف هو إغراق البلد بالديون بل استعادة اكبر قدر من دولارات البترول مجددا إلى الولايات المتحدة وجعل اقتصادها خاضعا لمصالح الولايات المتحدة.

الأغنام هي مفتاح الحل

الأغنام في السعودية لجمع القمامة

في صورة غريبة رآها بيركنز ملتقطة لمدينة الرياض وجد مجموعة من الأغنام ترعى بجانب احد المباني الكبيرة وعندما سأل عن سبب وجودها أجابوا بأن:

السعودي الشريف لا يمكن أن يعمل في جمع القمامة وهذه الأغنام تقوم بهذا العمل.

وكان يجب أن تستبدل تلك الأغنام بشيء حضاري اكثر ملائمة لهذه المملكة التي تتلمس طريقها للحضارة، وعليه فإنه يمكن استخدام عائدات البترول في استقدام شركات أمريكية لجمع القمامة والتخلص منها بأحدث الطرق التكنولوجية بدلا من الأغنام.

مزيدًا من الترف ومزيدًا من العائدات لأمريكا

كما أن رجال الاقتصاد في منظمة الأوبك ينصحون الدول المنتجة للبترول لإنتاج المزيد من المشتقات البترولية لتعظيم القيمة المضافة بدلًا من تصديره خامًا، وذلك بالطبع يحتاج إلى مناطق صناعية ضخمة لتقوم بتحويل البترول الخام إلى منتجات بتروكيماوية صالحة للتصدير. وبالطبع فإن هذه المناطق الصناعية ستتطلب إقامة محطات توليد للكهرباء، وخطوط للنقل والتوزيع، ووسائل مواصلات متضمنة المطارات، والاستعانة بعدد كبير من الشخصيات للصناعات الخدمية والبنية التحتية الأساسية لإدارة هذه المشاريع، كانت السعودية تمثل فردوسا للعاملين بمجال التخطيط الاقتصادي والمنشئات الهندسية.

دولة متخلفة تمامًا تمتلك عمليا ثروات مالية لا حدود لها ورغبة في اللحاق بركب العصر الحديث من أوسع أبوابه.

ضمان التبعية لأمريكا

أما تبعية السعودية للولايات المتحدة فيمكن ضمانها من خلال المشروعات الجديدة التي ستتطلب صيانة مستمرة وعمليات تحديث من وقت لأخر وخصوصًا إنها مشروعات على درجة عالية من التقنية المعقدة لضمان أن الشركات الأمريكية التي نفذتها ستتولى هي بنفسها عمليات الصيانة والتحديث.كان بيركنز يعد قائمتين لكل مشروع تتضمن إحداهما التصميمات الهندسية المختلفة، وعقود المقاولات التي نتوقعها. والأخرى عقود الصيانة والإدارة طويلة المدى.

Embed from Getty Images

بالإضافة إلى التطور الاقتصادي فانه سيعقبه نمو صناعة أخرى وهي صناعة أمن شبه الجزيرة العربية، فالشركات المدنية المتخصصة في الصناعات العسكرية والهيئات الصناعية التابعة للجيش الأمريكي سوف توقع عقودًا سخية بالإضافة لعقود صيانة. ووجود هذه الشركات سيتطلب مجددا مشروعات هندسية: من بناء وعقارات، ومطارات، وقواعد عسكرية، وكل مشروعات البنية التحتية المرتبطة بمثل هذه المواقف. وبهذه المشاريع تتم عملية غسيل نظيفة لأموال المملكة العربية السعودية.

تحدي الموافقة على العقود

كانت بالنسبة لهم السعودية كالبقرة الحلوب. بقي عملية إقناع القائمين على الشأن السعودي بهذه الاستراتيجية الاقتصادية الجديدة وقد تم ذلك من خلال احد ملوك الأسرة الحاكمة.  ولهذا الملك نقطة ضعف وحيدة وهي ميله للشقراوات وقد استخدم بيركنز هذه النقطة لصالحه فعمل قوادًا بشكل سري من أجل حمل الأمير على الموافقة على مقترحاته، وكان عليه أن يمده بالشقراوات في زيارة الأمير لبوسطن، حتى أنه ساعده في إتمام إجراءات انتقال إحداهن إلى قصره في المملكة، وفي نهاية الأمر وافقت الأسرة المالكة السعودية على العرض بأكمله وكوفئت شركة MAIN بعقد مربح من أعلى مستوى تحت أشراف وزارة الخزانة الأمريكية.

  • إيران:

كانت إيران هي من مهدت الطريق نحو القرصنة الاقتصادية، فقد ابتدأ الأمر كله من هناك وحانت ساعة اتخاذ القرار عام 1951 عندما تمردت إيران على شركة بترول بريطانية كانت تستغل موارد إيران الطبيعية وشعبها، وردًا على هذا الاستغلال اعلن رئيس إيران المحبوب جماهيريا والمنتخب شرعيًا (محمد مصدق) تأميم أصول البترول الإيراني.

محمد مصدق-رئيس إيران السابق

محمد مصدق-رئيس إيران الذي تم الإطاحة به

وهنا جن جنون بريطانيا واستنجدت بحليفتها أمريكا لمساعدتها، ولكن الاثنتين تخوفتا من تدخل عسكري لأن هذا قد يستفز الاتحاد السوفيتي ويتخذ موقفًا مساندًا لإيران. وبدلًا من إرسال المارينز، أُرسل على وجه السرعة عميل المخابرات المركزية “كيرميت روزفلت” الذي أدى دوره بمهارة شديدة واستطاع أن يكسب الناس بالرشاوي والتهديدات وحرضهم على تنظيم أعمال شغب والسير في مظاهرات عنيفة أدت إلى خلق انطباع بأن مصدق ليس محبوبًا وغير كفء، وفي النهاية سقط مصدق وأمضى بقية حياته في الإقامة الجبرية.

متابعة الاغتيال الاقتصادي

لم تنته قصة إيران مع القرصنة الاقتصادية بعد. ايران دولة غنية بالبترول ومثلها مثل السعودية لا يمكن أن تقع تحت طائلة الديون عند تمويلها لقائمة طموحة من المشاريع لإنجازها. وبناءً على ذلك كان لإيران مدخل مختلف من بيركنز، حشدت واشنطن وشبكة رجال الأعمال قواتها لتحويل الشاه إلى رمز للتقدم. كانت كل الظواهر تؤكد أن الشاه صديق تقدمي لكل الكادحين ففي 1962 أمر بتقسيم قطاع كبير من الأراضي المملوكة لبعض الأفراد وتوزيعها على الفلاحين، كما قام بثورة بيضاء للإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية.

ازدادت قوة الأوبك في سبعينيات القرن العشرين وأصبح الشاه زعيمًا عالميًا ذا نفوذ كبير. في الوقت نفسه الذي طورت فيه إيران جيشها وأصبح من أقوى الجيوش في الشرق الأوسط. أسهمت شركة MAIN في مشروعات غطت معظم الدولة بداية من المناطق السياحية وحتى إمدادات القوات العسكرية السرية. وكانت الأعمال مركزة على تقدير إمكانيات تلك المناطق ومن ثم تصميم الأنظمة الكهربية وتوزيع القياسات التي ستمد البلد بكل الطاقة المطلوبة لدعم التنمية الصناعية والاقتصادية التي تحقق تلك التوقعات.

الثورة الإيرانية ضد الشاه

بالرغم من أن الوضع لم يكن ينبأ بذلك، فقد أُخبر بيركنز من قبل رجل غامض طلب مقابلته بصفته ممثلًا عن شركة MAIN بأن الوضع في إيران لن يصمد طويلًا وأن الشاه وحكومته في طريقهما إلى الزوال، ناصحا إياه أن يقنع شركته بالانسحاب من بلادهم لأنه إذا قامت ثورة فلن تحصل شركته أو غيرها على باقي مستحقاتهم، إضافة إلى انه بخروج شركتهم فقد يمثل ذلك اتجاهًا عامًا لباقي الشركات للخروج فعلى حد قوله فهم لا يريدون حمامات دماء، لكن يريدون فقط خلع الشاه وسيفعلون ما بوسهم لجعل ذلك أسهل.

Embed from Getty Images

واندلعت الثورة في إيران بالفعل بقيادة آية الله الخميني الذي كان يحث الإيرانيين ويحرضهم على النهوض والإطاحة بالشاه وأن يقيموا دولتهم الدينية. وبالفعل اندلعت في إيران ثورة شعبية إسلامية عنيفة وبدأ آية الله الخميني والملالي في الهجوم وسرعان ما أمسكوا بزمام الأمور بين أيديهم، أما الشاه فقد فر إلى مصر في يناير من 1979 ثم مرض وشُخص بالسرطان فتوجه رأسًا إلى واشنطن.

ولكن أتباع الخميني طالبوا بتسليم الشاه إلى إيران وهجموا على السفارة الأمريكية في إيران واحتجزوا 52 رهينة لمدة 444 يومًا وحين فشل الرئيس كارتر في المفاوضات بشأن إطلاق سراح الرهائن بعث بفرقة إنقاذ عسكرية ولكن الأمر انتهى بكارثة، زادت الضغوط من المجموعات السياسية والمالية وأرغموا الشاه على مغادرة الولايات المتحدة، وانتهى به الأمر في بنما حيث تعطف عليه توريخوس وأعطاه حق اللجوء رغم كرهه لسياساته وبزيادة الطلب عليه مقابل إطلاق سراح الرهائن رحل في نهاية المطاف إلى مصر ومات هناك بالسرطان. وتحققت نبوءة الرجل الغريب وخسرت شركة MAIN وغيرها من الشركات الأمريكية ملايين الدولارات في إيران.

  • العراق:

284150_0

قررت إدارتا ريجان وبوش تحويل العراق لنسخة أخرى من السعودية، كان وجود القراصنة الاقتصاديين في بغداد قويا خلال الثمانينيات واعتقدوا أن صدام في نهاية المطاف سيتبع المنهج الأمريكي، وكان واضحا أنه إذا اتفق صدام مع واشنطن باتفاق كمثل اتفاق السعودية فبإمكانه أن يوقع عقدا نهائيا لحكم بلاده والذي كانت واشنطن لتغض الطرف فيه عن ممارساته الديكتاتورية ومجازره الجماعية بل وربما أغمضت أعينها حين يحاول توسعة دائرة نفوذه في منطقة الشرق الأوسط، في مقابل اتفاقات تؤمن استمرار بلاده بإمداد أمريكا بالبترول وبعض القروض التي ستأخذها الشركات الأمريكية لتقوم بتحسين أنظمة البنية التحتية في العراق وإنشاء مدن جديدة وبناء محطات طاقة نووية وكيميائية حتى إذا كان من المحتمل استخدام تلك التقنيات في صناعة أسلحة متقدمة، ما دام سيمد أمريكا بالبترول وسيثري شركاتها الكبرى. ولا تقتصر أهمية العراق على البترول وفقط بل كان هناك أيضا موارد المياه والمكانة الجيوسياسية،
فقد سعت الشركات الضخمة مؤخراً لخصخصة المياه وامتلاك العراق لنهرين كبيرين يمران في أرضها جعلها من أهم المصادر الطبيعية للمياه في هذا الجزء من العالم، أما من حيث موقعه الاستراتيجي فهو يتاخم ايران والكويت والسعودية وتركيا ويطل بساحل طويل على الخليج العربي، والمدى الصاروخي للعراق يمكنه من إصابة أهداف حيوية ابتداء من إسرائيل وحتى جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق، فمن يسيطر على عراق اليوم يمتلك مفاتيح السيطرة على الشرق الأوسط. أما صدام حسين فقد بدا جلياً أنه لم يبتلع طعم قراصنة الاقتصاد مما سبب لإدارة بوش خيبة امل كبيرة وأدت إلى إضعاف صورة بوش داخليا، وبينما بوش يبحث عن حل، قدمه له صدام على طبق من فضة بغزوه للكويت سنة 1990، وانتهز بوش الفرصة فاعلن شجبه لانتهاك صدام للقانون الدولي، ولم تكن مفاجئة حين أمر بوش بهجوم عسكري شامل على العراق تحسنت على أثرة شعبية بوش عند 90% من شعبه وتم فيه تأديب صدام. في عام 2003، تم غزو العراق للمرة الثانية بعد فشل قراصنة الاقتصاد والثعالب في إقناع صدام بلعب اللعبة السعودية والتي تجيدها أمريكا وهي عملية غسيل أموال بسيطة تمنح من خلالها الشركات الأمريكية عقود بناء وصيانة وأعمار للمنشئات الصناعية والمدن الكبرى التي ستشيدها في سبيل استرجاع أموال البترول التي دفعتها أمريكا، كان بوسع صدام أن يبقى في منصبه محتفظا بصواريخه ومنشئاته الكيميائية. وأتت الحرب على المدن والقرى فدمرتها، ومن ثم منحت شركة بكتل عرضا كبيرا لإعادة إعمار العراق الذي دمره الغزو الأمريكي، ليتم إعادة بنائه من قبل شركة أمريكية!!

  • فنزويلا:

hougoo

من الدول التي نهضت من الفقر إلى الغنى نتيجة اكتشاف البترول والتي تم استغلالها من قبل قراصنة الاقتصاد وشركات البترول التابعة لهم مما أدى إلى فقدان التوازن بين الأغنياء والفقراء. في انتخابات 1988 انتخب فقرائها ومعوزوها هوجو شافيز بأغلبيه ساحقة وسرعان ما تولى السيطرة على القضاء والمؤسسات وحل البرلمان الفنزويلي وندد بسياسات أمريكا الإمبريالية الفاضحة وفرض قانونا جديدا للتنقيب عن البترول مشابها لقانون رولدوس في الإكوادور ضاعف القانون الجديد من النسبة التي من المفترض أن تدفعها شركات البترول للدولة، وبحلول عام 2002 كانت فنزويلا رابع اكبر دولة مصدرة للبترول في العالم وثالث ممول للبترول لأمريكا. في ديسمبر 2002 شارف الموقف في كل من فنزويلا والعراق حافة الانهيار، ففي العراق فشلت كل الجهود الماكرة التي اتبعتها القراصنة والثعالب على حمل صدام على الإذعان وبدأت مخططات أخرى لحل نهائي وهو الغزو، أما في فنزويلا، فقد استحضرت أمريكا نموذج كيرمت روزلفت رجل المخابرات الأمريكية في ايران حيث ذهب إلى هناك محضرا على الشغب الشعبي والمظاهرات التي أطاحت برئيس ايران وأتت بحليف لأمريكا محله، أما في فنزويلا فقد امتلأت الشوارع بمئات الألاف من المتظاهرين ليعلنوا إضرابا عاما لإرغام شافيز على ترك السلطة واصطدم أنصار شافيز بخصومه وسقط عدد من القتلى، وبدا أن خطة إدارة بوش للإطاحة بشافيز تسير جيدا، ثم جاءت الأنباء تبشر في نجاح مساعيهم فقد أطاحوا بشافيز، وبينما نشوة الانتصار تعج إدارة بوش انفض السمر فجأة، ففي تحول مثير للأحداث تمكن شافيز من العودة إلى السلطة وأمسك بمقاليد الحكم مجددا في اقل من 72 ساعة، بالإضافة إلى احتفاظه بالجيش في جانبه رغم كل محاولات قلب كبار ضباط الجيش ضده، كما وقفت إلى جانبه شركة البترول المحلية بعد أن تغلبت على الإضراب واستطاعت أن تقف على أقدامها من جديد، كما أحدث شافيز تطهير في الجيش اجتثت ثلة الضباط الذي رضوا بخيانته، وأجبر زعماء المعارضة على مغادرة البلاد كما حكم ب 20 سنة سجن على اثنين من زعماء المعارضة الذيم تواطئوا مع ثعالب المخابرات الأمريكية لتدبير الإضراب. وهكذا نجت فنزويلا ورئيسها مؤقتا من كارثة محققة والفضل يعود لصدام حسين فلم تكن أمريكا لتتحمل فتح ثلاث جبهات للحرب: إندونيسيا والعراق وفنزويلا. لكن الأحداث تتغير بسرعة ومن المحتمل أن يواجه شافيز معارضة قوية فسياسات أمريكا لم تتغير ومن يقف في وجه الكوربوروقراطية لا بد وأن تتم إزاحته.

الخاتمة:

رأسمالية

لم تتوقف الكوربوروقراطية ولن تتوقف باستقالة بريكنز فهناك الف بريكنز يعملون في الخفاء لبناء هذه الإمبراطورية، بعضهم عن علم كبريكنز وبعضهم عن جهل، لكن ما يجمع بينهم أن كلاهما يتم استغلاله من خلال الجشع والطمع والأنانية في بناء هذه الإمبراطورية وتثبيت عروشها. الكوربوروقراطية هي نحن ونحن من نصنعها، إنها نتيجة عجز كل واحد منا عن المقاومة والوقوف والاعتراض، علينا الانتباه لأولئك المختبئين في الظلال. علينا جميعاً العمل لإنهاء هذه الإمبراطورية المجنونة المدمرة لذاتها،
بعد قراءتك للكتاب واطلاعك عليه أتمنى أن تتغير نظرتك للأخبار ويساعدك الكتاب على قراءة ما بين السطور في المقالات الصحفية التي تقع بين يديك وأن تتساءل عن المعاني الأعمق في كل تقرير تسمعه من الراديو أو تشاهده على التلفاز، فليست الأمور كما تبدو في الظاهر، إن وسائل الإعلام جزء من الكوربوروقراطية وستدافع عنها بكل قوتها حتى على حساب ضميرها ورسالتها، لذلك يقع العبء عليك في التفتيش عن الحقيقة وراء الأسطح البراقة وفضحها، تحدث عنها مع عائلتك وأصدقائك وافضحها، انشر الكلمة! نحن بحاجة لثورة في مناهجنا التعليمية، وتمكين أطفالنا من التفكير والتدبر والجرأة على الفعل وسواء كنت مدرساً أو طالبا يمكنك تقديم لمن حولك مثالاً يحتذى به. اعرف مهمتك والزمها لنصنع عالما أفضل حيث لا أطفال تموت من الجوع ولا تدمير للبيئة والحضارات ولا سيطرة لحفنة من الأشخاص على مصائر ملايين أخرى.

إعداد: طارق دعبس

1944

الكاتب

ضيوف تبيان

يمكن للكتّاب والمدونين الضيوف إرسال مقالاتهم إلى موقع تبيان ليتم نشرها باسمهم في حال موافقة شروط النشر، راسلنا على البريد: tipyanmedia@gmail.com.

التعليقات

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
مشاركة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.