إن ما بين فتح الأندلس وسقوطها لآيات وعبرًا ينبغي للمسلم أن يتأملها، بل أن يدارسها ويعي ما تحويه من دروس،وفي هذه المقالة نسرد قصة هذا الفتح العظيم، ومتتبعين الأسباب التي أدت لنجاحه، وأيضًا أسباب هذا الازدهار المبهر الذي حظيت به هذه الدولة العظيمة، خاتمين بأسباب الهزيمة والسقوط، لعله يكون فيها العبرة والعظة.

معركة وادي لكا:

معارك الأندلس
يوم الأحد 28 رمضان 92هـ/19 يوليو 711م، ودامت ثمانية أيام كانت توجد هناك قرية صغيرة أطلق عليها المسلمون اسم لكة أو لكا. وبما أن المعركة دارت في كل تلك المنطقة السهلية، فقد أطلق عليها المؤرخون أسماء متعددة؛ فهي معركة شذونة عند بعضهم، ومعركة البحيرة عند آخرين، ومعركة وادي بارباط أو معركة وادي لكة عند غيرهم. ومهما تعددت التسميات فإن الذي يهمنا هو أن انتصار المسلمين فيها كان من أهم الانتصارات التي حققوها في فتوحاتهم، إذ تعد الحد الفاصل بين مقاومة القوط وتوسع الفتوحات الإسلامية. وقد أصبحت المقاومة بعدها ضعيفة، وأصبح الطريق معبداً أمام المسلمين، ليس في الأندلس فقط، بل بدأوا يتطلعون إلى بلاد الفرنجة، ما وراء جبال البرانس.

ومن هذا الفتح، يتبادر إلي الأذهان سؤال في غاية الأهمية، هل الإسلام قادر علي إقامة حياة حياتية راقية؟!

لن أحكم أنا ولن تحكم أنت، لنري بأنفسنا في نفس المكان الذي تم فتحه

دعنا نتحدث قليلاً عن مدينتي قرطبة عام (350 هـ)، وفاس عام (600) في ظلال الحكم الإسلامي في دولة الأندلس.

مدينة قرطبة:

قرطبة2

بها 28 ضاحية، كانت تسمي جوهرة العالم، بها مسجد قرطبة، قنطرة قرطبة، جامعة قرطبة،  شوارعها مرصوفة، مضاءة ليلا، وبها أسواق متخصصة، كان بها 50 مستشفى أي قبل باريس ب 700 سنة! وكان بها 300 مسجد،  هل تتصورون حجمها؟؟

مهما تحدثت لن أوفي ولن تتخيلوا، لكن دعونا نري معاً مشهد يبين لنا ولو جزءًا ضئيلًا من تلك العظمة

بعث ملك إنجلترا رسالة إلي هشام بن عبدالرحمن الثاني يرجوه فيها أن يعلم ابنته مجموعة من علماء إنجلترا في جامعة قرطبة ومضي في نهاية الرسالة ” خادمكم المطيع ملك إنجلترا”

يا لله! لقد تبدل الوضع الآن تمامًا، لأننا أصبحنا لهم تابعين نقلدهم في كل شيء ابتغينا العزة في غير الإسلام فأذلنا الله

مدينة فاس عام 600 هـ:

كانت من المدن الصناعية الأولي في العالم، ولكي تتخيل ما أعنيه ذلك فيجب أن تعرف أن مدينة فاس كان بها:

300 مصنع لنسج الثياب
47 مصنع صابون
116 دار للطباعة
86 مصنع لدبغ الجلود
135 مصنع جير للطلاء
400 مصنع للورق
188 مصنع للفخار
200 مكتبة

“استطاع الإسلام وهو الدين الوحيد الذي استطاع ذلك، الجمع بين الدين والدنيا، علوم الشرع وعلوم الحياة، بناء الإنسان وبناء المصانع، المادة والروح، سعادة الدنيا وسعادة الآخرة”

ان فتح الأندلس من أعظم فتوحات المسلمين عبر التاريخ، وكانت بداياته معلمًا من معالم الحضارة في الإنسانية بصورة عامة والإسلام فيما بعد بصورة خاصة، حيث غير هذا الفتح وجه العالم، وكان بذرة لنقلات حضارية أحدث تغييرات جذرية على الكرة الأرضية، سواء أكان ذلك في العلوم أم الآداب أم المعمار؛ وهذا لأن طريق العالم كله اختلف بعد فتح الأندلس الذي يمثل أكثر الأماكن التي انتشرت فيها الحركة العلمية الإسلامية، وظهر فيها علماء في كل مجالات الشريعة والحياة، مثل الزهراوي، وابن رشد، وعلماء آخرون في الجغرافيا، والفلك، والهندسة. فكل هذه العلوم نمت في الأندلس بشكل بارز جدًّا، وانتقلت من الأندلس إلى أوروبا، وعلى أكتاف هذه العلوم قامت الحضارة الأوروبية الحديثة في القرنين: السادس والسابع عشر.
لقد علم المسلمون في الأندلس الأوروبيين مبادئ السلوك الراقي، ويكفي أن الأوروبيين الموجودين في شمال إسبانيا قبل دخول الإسلام كانوا لا يغتسلون إلا مرة أو اثنتين في السنة، لا يغتسل ويعتبر ذلك من البركة! إلى أن وجد المسلم يتوضأ خمس مرات في اليوم ويغتسل في مناسبات عديدة تبلغ أكثر من 18 غُسلاً.
انتقلت هذه النظافة إلى أوروبا وغيرت سلوكيات الأوروبيين، كما انتقل التعامل بالرحمة بين أفراد الأسرة إلى أوروبا، وبدأت الأسرة الأوروبية تتأثر بالجو الإسلامي، وحتى النظام والإضاءة في الشوارع ونظام الري والصرف في الزراعة. انتقلت الحياة اليومية للمسلمين إلى أوروبا بعد دخول الإسلام لأرض الأندلس.
تغيرت قصة الأندلس بعد دخول الإسلام، فأصبح الأندلس بلدًا راقيًا متحضِّرًا، وبعد حوالي مائتي سنة أصبح الأندلس الدولة الأولى في العالم في عهد عبد الرحمن الناصر -رحمه الله- والذي أعلن الخلافة الأموية في الأندلس، وأصبح أعظم ملوك أوروبا في القرون الوسطى بلا منازع لدرجة أن الإسبان سنة 1961م احتفلوا بمرور ألف سنة على وفاته اعترافًا بفضله على الحضارة الإسبانية والأوربية.
ولكن كالعادة، لكل شيء إذا ما تم نقصان، وحينما أخذ المسلمون بأسباب الرفعة والنهضة والانتصار كانوا في مقدمة الأمم، وحينما تناسوا أسباب القوة، ومعالم العظمة تضعضع ملكهم، وزالت سطوتهم، وأبدلهم الله من بعد عزهم ذلاً ومن بعد قوتهم ضعفًا، ومن بعد نصرهم هزيمة، فنزعت مهابتهم من قلوب أعدائهم، وأصابهم الوهن، وزال ملكهم عن مملكة الأندلس، وعادت إسبانيا من جديد ترضخ تحت حكم النصارى وتحكمهم واضطهادهم، حتى أبادوا من فيها من المسلمين، بل ومارسوا أبشع الوسائل في قتلهم وتعذيبهم والتنكيل بكبيرهم وصغيرهم، حتى ضرب المثل بمحاكم التفتيش الصليبية في الأندلس على البشاعة والدموية.

اقرأ أيضًا: موسى بن نصير.. فاتح الأندلس

معركة الزلاقة: 479 هـ:

 

الزلاقة معركة

ظلّت الأندلس فترة من الزمان تحت حكم الخلافة الأموية منذ أن فتحها المسلمون في عهد الوليد بن عبد الملك، وبعد سقوط دولة الأمويين أسس عبد الرحمن الداخل خلافة أموية بالأندلس استمرت قرابة ثلاثة قرون، ثم انقسمت إلى دويلات وأقاليم صغيرة، وانفرد كل حاكم بإقليم منها، فيما عرف بعد ذلك بعصر ملوك الطوائف، وانشغل الحكام بعضهم ببعض، واشتعلت بينهم النزاعات والخلافات، مما أغرى بهم عدوّهم من الإسبان النصارى الذين كانوا يتربصون بهم الدوائر.

فسقطت طليطلة التي كان يحكمها بنو ذي النون في يد ألفونسو النصراني ملك “قشتالة”، بعد أن خذلها ملوك الطوائف ولم يهبّوا لنصرتها بسبب خوفهم من ألفونسو، وبسبب المعاهدات التي أبرموها معه، حتى وصل الحال ببعضهم إلى أن يدفع له الجزية، مقابل أن يكف اليد عنه وعن بلاده.

وفي الوقت الذي كان فيه ملوك الطوائف منقسمون على أنفسهم، يتآمر كل واحد منهم ضد الآخر، ويستعين بالنصارى ضد إخوانه من أجل الحفاظ على ملكه وسلطانه، كان النصارى قد بدأوا في توحيد صفوفهم والاجتماع على كلمة سواء، من أجل هدف واحد وهو القضاء على الوجود الإسلامي في بلاد الأندلس .

“يا الله يستعينون بالنصارى علي إخوانهم المسلمين لأجل شيء هو حتما زائل”

وكان المعتمد قد عزم على الاستعانة بدولة المرابطين وأميرها يوسف بن تاشفين لمواجهة ألفونسو، فاجتمع بأمراء الطوائف وعرض عليهم الأمر، ولكنهم أبدوا تخوفهم من أن يسيطر “ابن تاشفين” على بلاده وينفرد بالسلطان دونه، فقالوا له: ” المُلْك عقيم، والسيفان لا يجتمعان في غِمْد واحد “، وقال له ولده:

” يا أبت أتُدخِل علينا في أندلسنا من يسلبنا ملكنا، ويبدّد شملنا”، فقال المعتمد: ” أي بني والله لا يسمع عني أبدًا أني أعدت الأندلس دار كفر ولا تركتها للنصارى فتقوم اللعنة عليّ في الإسلام مثلما قامت على غيري ” ، وقال : “يا قوم إني من أمري على حالتين: حالة يقين وحالة شك ولا بد لي من إحداهما، أما حالة الشك: فإني إن استندت إلى ابن تاشفين أو إلى الأذفونش فيمكن أن يفي لي ويبقى على وفائه، ويمكن ألا يفعل، فهذه حالة شك، وأما حالة اليقين: فإني إن استندت إلى ابن تاشفين فأنا أرضي الله، وإن استندت إلى الأذفونش أسخطت الله تعالى، فإذا كانت حالة الشك فيها عارضة فلأي شيء أدع ما يرضي الله وآتي ما يسخطه ؟! ” ثم قال كلمته المشهورة التي سجلها التاريخ :

” رعي الجمال عندي- والله- خير من رعي الخنازير”

فأجاب ابن تاشفين النداء وقال: ” أنا أول منتدِب لنصرة هذا الدين” ، وعبر البحر في جيش عظيم، ولما علم ألفونسو بتحرك ابن تاشفين كتب إليه يهدّده ويتوعّده، فرد عليه ابن تاشفين بقوله: “الذي يكون ستراه “.

فلما عاد الكتاب إلى ألفونسو ارتاع لكلامه، فزاد استعداداً وتأهّباً، حتى رأى في منامه كأنه راكبٌ فيلا، وبين يديه طبلٌ صغير، وهو ينقر فيه، فقصّ رؤياه على القسيسين، فلم يعرف تأويلها أحد، فأحضر رجلاً مسلماً، عالماً بتعبير الرؤيا، فقصّها عليه، فاستعفاه من تعبيرها، فلم يعفه، فقال :” تأويل هذه الرؤيا من كتاب الله العزيز، وهو قوله تعالى : {أَلَمْ تَرَى كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ}، وقوله تعالى: {فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ ﴿8﴾ فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ ﴿9﴾ عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ } ، ويقتضي هلاك هذا الجيش الذي تجمعه “.
فلما كان يوم الجمعة في العشر الأول من رمضان سنة 479 هـ تأهّب المسلمون لصلاة الجمعة، وخرج ابن تاشفين هو وأصحابه في ثياب الزينة للصلاة، أما المعتمد فقد أخذ بالحزم خشية غدر الرجل، فركب هو وأصحابه مسلحين وقال لأمير المسلمين ابن تاشفين: ” صلِّ في أصحابك، وأنا من ورائكم وما أظن هذا الخنزير إلا قد أضمر الفتك بالمسلمين “، فأخذوا في الصلاة فلما عقدوا الركعة الأولى ثارت في وجوههم الخيل من جهة النصار ، وحمل ألفونسو لعنة الله في أصحابه يظنّ أنه انتهز الفرصة، وإذا بالمعتمد وأصحابه من وراء الناس يصدّون هجوم النصارى، وأخذ المرابطون سلاحهم وركبوا خيولهم، واختلط الفريقان، وأظهر المعتمد وأصحابه من الصبر والثبات وحسن البلاء الشيء العظيم، فقاتل بنفسه في مقدّمة الصفوف، وأُثخن بالجراح، وهلك تحته ثلاثة أفراس كلما هلك جواد قدموا له غيره، وقاتل المسلمون قتال من يطلب الشهادة ويتمنى الموت، حتى هزم الله العدو، وأتبعهم المسلمون يقتلونهم في كل اتجاه، ونجا ألفونسو في نفر من أصحابه عند حلول الظلام، بعد أن أصابته طعنة في فخذه.
فهزمه الله شر هزيمة وأعز جنده المؤمنين في هذه المعركة، وكُتبت للأندلس بسببها حياة جديدة امتدت أربعة قرون أخرى، بعد أن كانت على موعد مع الفناء والاستئصال.
وكان هذا لأنهم أخذوا بالأسباب وأخلصوا النية لله تعالي وكان رضي الله والجنة هو هدفهم.

معركة الأرك جمادى الثانية 591 هـ:

لعل معركة الأرك 1195م الشهيرة كانت آخر بصيصٍ في الشمس الإسلامية بأرض الأندلس، فبعدها لم ينتصر المسلمون في معركة كبيرة أبدًا، حتى تم طردهم بشكل نهائي وإنهاء معالم الدين الإسلامي ومظاهره في الأندلس.

 

1446

الكاتب

ضيوف تبيان

يمكن للكتّاب والمدونين الضيوف إرسال مقالاتهم إلى موقع تبيان ليتم نشرها باسمهم في حال موافقة شروط النشر، راسلنا على البريد: tipyanmedia@gmail.com.

اترك تعليق

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.