القومية العربية كما يراها عبد الله عزام – الجزء الثاني

نكمل مابدأناه بتلك الطفرة التي حدثت في تاريخ القومية ألا وهي:

الحرب الأولى

يقول لورنس (رجل المخابرات البريطاني): (وأخذت أفكر طيلة الطريق إلى سوريا وأتساءل هل تتغلب القومية ذات يوم على النزعة الدينية؟ وهل يغلب الاعتقاد الوطني المعتقدات الدينية؟ وبمعنى أوضح هل تحل المثل العليا السياسية مكان الوحي والإلهام وتستبدل سوريا مثلها الأعلى الديني بمثلها الأعلى الوطني).
والإجابة: نعم! فقد اشترك بالفعل المسلمون العرب مع الحلفاء ضد بني عقيدتهم من الأتراك! وكانت تلك نقلة كبيرة في تاريخ الفكر القومي.

فزاد الفكر القومي بشكل فج، ومن الأسباب:

  1. الاستعمار البريطاني والفرنسي، والذين نقلوا معهد أفكار القومية والعلمانية واللادينية.
  2. إسقاط الخلافة على يد مصطفى كمال أتاتورك.
  3. بروز التفكير القومي على شكل تنظيمات يقودها النصارى وبرز حزب البعث، والقوميون العرب، والقوميون السوريون على السطح، وكانت الجامعة الأمريكية محضنا دافئا لكثير من هذه الأفكار.
  4. وعلى الجانب الآخر فقد بدأ بعض المسلمون في التجمع بهدف إعادة الخلافة!

حزب البعث العربي الاشتراكي

هو حزب قد تأسس من أصل حزبين انضما معا وهما (حزب البعث العربي) و (الحزب البعثي الاشتراكي).ويقول سامي الجندي عن أعضاء الحزب: (كنا عصاة تمردنا على كل القيم القديمة، أعداء لكل ما تعارف عليه البشر، الحدنا بكل الطقوس والعلاقات والأديان) واتهمنا بالإلحاد وكان ذلك صحيحا أيضا رغم كل ما زعم البعثيون فيما بعد من مزاعم التبرير)

وكان بين زعماء الحزب الكثير من الخلافات حتى أنهم كانوا يرمون بعضهم بتهم الخيانة والجاسوسية وقت الانتخابات لرئاسة الحزب!

بعض الملاحظات عن الحزب

  1. لقد كان الحزب مأوى يتجمع فيه كل الناقمين على الإسلام أوالطامعين في الحكم مما أدى إلى انضمام مختلف الجهات إليه من يهود ونصيرية وإسمعاليين ودروز.
  2. إن المؤسسين لحزب البعث ليسوا مسلمين أصلا.
  3. إن مبادئ حزب البعث كفر صريح: (العروبة مصدر المقدسات عنه تنبثق المثل العليا، وبالنسبة إليه تقدر قيم الأشياء، العربي سيد القدر)، المثل العليا هي العروبة وليس الإسلام أو القرآن والسنة.وكان أتباع البعث الأوائل ملحدين، أعداء للأديان جميعا.
  4. إن الحزب رغم ادعائه القومية والوطنية لم يعد دراسة عن القضية الفلسطينية.
  5. لقد تسلق النصيريون على سلم البعث: فاستطاعوا أن يستلموا البلد عسكريا ومدنيا، وفي 32 شباط سنة 1966 قام صلاح جديد – النصيري بحركته التصحيحية – أي إقصاء عناصر أهل السنة من مراكز القوى، وفي سنة 1970 عندما جاء حافظ الأسد جعل الدولة نصيرية خالصة.
  6. إن الأحزاب القومية ليس لها أيديولوجية (عقيدة).
  7. لقد انتحر الحزب بمجرد وصوله إلى الحكم، وكتب بعض قادة الحزب عن مأساته بعدها، وبدأ القتل لأي معارض ولو كان قد كان عضوا في الحزب، وكان كفرا بواحا متبجحا قد غزى الدولة!

الانقلابات العسكرية والقومية:

يقول قسطنطين رزيق: (إن العرب لابد لهم في عهدهم الجديد من قيادة قديرة وتقدمية وأن عليهم أن ينبذوا من تقاليدهم العناصر الرجعية، وعندئذ فقط تستطيع الطائفة المستنيرة أن تواصل كفاحها ضد العناصر الرجعية بالتعاون مع الغرب). ويقول جب: (ان نجاح التطور يتوقف إلى حد بعيد على القادة والزعماء في العالم الإسلامي وعلى الشباب منهم خاصة).

ولابد لهؤلاء القادة من شعار براق يلتف حولهم الناس انخداعا به، وهل أفضل من مسمى (حب الوطن) مسمى؟! ولابد أيضا من أسلوب مدروس! قال جب: (إن الاسلوب الذي استطاعت به طبقة المتغربين تأمين قبضتها الثابتة على السلطة في الدولة…. فالقومية هي فكرة غربية تماما).

وهل أحسن من العساكر في التلقي بلا تفكير في سياسة أي أمر يؤمرون به؟!

قد وصف (ستيف ميد) المبعوث من وزارة الخارجية الأمريكية – فئة العسكر لانقلاب سنة 1952 في مصر وصفا دقيقا يصلح لكل العسكريين فيقول: ( إن هؤلاء الأولاد يظنون أنفسهم أعضاء عصابة (روبين هود) الهزلية وهم فرحون بأنهم يحملون صفة (أبطال الثورة) ولكني لم أجد واحدا استطاع أن يشرح لي ما هو هدف هذه الثورة… إنهم لا يهتمون بالسياسة.. ولعل هذا من حظنا نحن وعبدا لناصر معنا… انهم بحاجة إلى من يقول لهم ماذا يفكرون ويعملون)!

ويقول مورو بيرجر في كتابه (العالم العربي اليوم): (إن النخبة العسكرية في الشرق الأدنى في مصر والسودان والعراق وتركيا وإيران وباكستان كانت عوامل هامة في جلب التغيير… فأصبح العرب متغربين بدون أن يتكلفوا الذهاب إلى أوربا). يقول مايلزكوبلاند:(إن عبد الناصر لو لم يكن قد ولد فإن لعبتنا كان عليها أن تخلقه)! فقد نادى عبد الناصر بالقومية، ولقي تقبلا كبيرا بين أبناء الشعب ((المسلم))! ((الزعيم!)) كان الممهد لانتشار الشيوعية بدلا من الإسلام، فانحسر الإسلام عن الحكم من المنطقة كلها، ونادى (كوك ألب) بالعلمانية ولكن بعدم الخروج عن (الثقافة القومية).

القومية التركية (الطورانية)… كيف بدأت؟!

بدأت من ناحيتين:

  • أولهما: الأكاديمية العسكرية باستانبول حين جاء الألمان ليدربوا الأتراك على أحدث أساليب القوى والقتال.
  • وثانيهما: هجرة اللاجئين من المجر وبولندا اصر فشل ثورتهم، ودخولهم في الاسلام.

يقول برناردلويس: (ولقد عمل يورزيسكي على نقل القومية البولونية ووضعها في قالب تركي. وساعده على هذا العمل ما عرضه من أعمال المستشرقين الغربيين الباحثين في الشئون التركية… وكان لها تأثير هام في تقدير التاريخ التركي القديم، والاعتقاد بالهوية المميزة). كان يورزيسكي هذا ضمن اللاجئين!

ثم يشير الكاتب مرة أخرى إلى جمعية الاتحاد والترقي والتي تكون اليد المحركة فيها هم يهود سالونيك، وأن جميع أعضائها من اليهود. يقول ستون وتسون:(إن الحقيقة البارزة في تكوين جمعية الاتحاد والترقي أنها غير تركية وغير إسلامية). أثرت تلك الدعاوى إلى القومية في الشعب التركي فبدأ في التجمعات السرية من أجل الاستقلال!

مقارنة بين القومية العربية والتركية

  • إن الغرض من كل منهما هو القضاء على تركيا المسلمة، وعلى السلطان عبد الحميد بالذات.
  • لقد بدأت القوميتان في وقت واحد تقريبا، وإن كانت القومية العربية قد تقدمت قليلا على الطورانية.
  • القوميتان علمانيتان اتفقتا على استبعاد الإسلام عن الحياة.
  • إن كلا من القوميتين نشأتا في محاضن أجنبية.
  • إن الرواد الأوائل لكل من الدعوتين لم يكونوا مسلمين أصلا ولا من الجنس الذي يدعون إلى قوميته.
  • إن الأصابع اليهودية كانت تحرك طلائع الحركتين، بل لقد نمت الفكرة وترعرعت في المحافل الماسونية.
  • هنالك بعض الرؤوس المدبرة للإطاحة بالإسلام في تركيا انتقلت لتواصل عملها في القاهرة.
  • تأثرت القومية العربية بالنظريات السياسية الأمريكي، وتأثرت الطورانية بالثورة الفرنسية.
  • لقد كانت الأصابع اليهودية بارزة في القومية التركية، ولا زال اليهود يحرصون على ربط العرب بقوميتهم لخوفهم من عودتهم إلى الإسلام! يقول أبا إيبان -كان وزيرا لخارجية إسرائيل- في محاضرة له في جامعة برنستون/ أمريكا: (يحاول بعض الزعماء العرب أن يتعرف على نسبة المد الإسلامي بعد الهزيمة الأخيرة، وفي ذلك الخطر الحقيقي على إسرائيل، ولذا كان من أولى واجباتنا أن نبقي العرب على يقين راسخ بنسبهم القومي لا الإسلامي).

حكم الإسلام في القومية العربية

يصطدم الإسلام مع إقامة التجمع على أساس الجنس أو الأرض لا العقيدة، ومع تفضيل أو نصرة نصارى بقعة الأرض الذي ينتمي إليها المسلم على حساب مسلمي بقعة بعيدة من الأرض، ومع تقديم كلام أحد على كلام الشرع، وأنها لا تقبل أن يكون قانونها الإسلام يحكمها، وأنها لا ترى الإسلام صالحا لهذا الزمان فيرون أن الإسلام وثبة من وثبات الأمة العربية أدت دورها ومضت، ومع تقديم حكم الجاهلية على الإسلام.

القوميين يرون أن القومية دين جديد!

يقول محمود تيمور:(وان كتاب العرب في أعناقهم أمانة هي أن يكونوا حواريين لتلك النبوة الصادقة – القومية- يزكونها بأقلامهم)، ويقول علي ناصر الدين في مقدمة كتابه (قضية العرب ج3): (العروبة نفسها دين عندنا – نحن القوميين العرب- المؤمنين العريقين من مسلمين ومسيحيين، ولئن كان لكل عصر نبوته المقدسة، إن القومية العربية لهي نبوة هذا العصر)، جاء في مجلة العربي عدد 2 ص 9 يناير: (الوحدة العربية يجب أن تنزل من قلوب العرب أينما كانوا منزل وحدة الله من قلوب قوم مؤمنين ).

ويقول ابن كثير:(من ترك الشرع المحكم المنزل على محمد بن عبد الله خاتم الأنبياء وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة فقد كفر. فكيف بمن تحاكم إلى إلياسا – قانون جنكيرخان – وقدمها عليه – على الإسلام – لا شك أن هذا يكفر بإجماع المسلمين)
إنها طاغوتا يتحاكمون إليه من دون الله!!

كلمة أخيرة في القومية

ليس لأحزاب القوميين تعريف محدد حتى الآن، حيث يقول سامي الجندي: (بدأ الحزبيون يسألون ما هو البعث؟ ما هي وحدة البعث، أيهما أسبق الوحدة أو الاشتراكية؟ لم تجب القيادة ولا تستطيع أن تجيب حتى الآن)، وليس لهم مصدر محدد لتشريع القوانين ولكن لا شك أنه ليس الإسلام، لديهم فراغ فكري رهيب! وأخلاقهم تتمثل في مقولة ميكافيلي (الغاية تبرر الوسيلة)!!
منهم من يجحد فضل الإسلام والعرب في الماضي، ومنهم من يرى أن الدين سببا للتفرقة، ومنهم من يرى أنه كان لوقت محدد وقد مضى، ومنهم من يتذبذب بين هؤلاء و أولئك!

وكان النتاج

تمزق الأراضي العربية بساكنيها،  وتمزق الرابط بين العرب والإسلام،  وإنتاج جيل يقول زويمر -زعيم المنصرين- مخاطبا المبشرين في وصفه: (إنكم أعددتم شبابا في ديار الإسلام لا يعرف الصلة بالله ولا يريد أن يعرفها، وأخرجتم المسلم من الإسلام فجاء النشء الإسلامي طبقا لما أراده الاستعمار لا يهتم للعظائم ويحب الراحة والكسل ولا يصرف همه في الدنيا إلآ في الشهوات)!!
يقول توينبي:(فهل من الضروري حقا أن يتفتت العالم العربي كما تفتت الإمبراطورية الإسبانية في أمريكا لسوء الحظ – إلى عشرين دولة مستقلة عن بعضها تعيش في قوالب ضيقة غربية النمط)؟؟!

يقول سمث:(وتاريخ الشرق الأدنى الحديث يدل أن القومية المجردة ليست القاعدة الملائمة للنهوض بالواجب الشاق، ومالم يكن المثل الأعلى إسلاميا على وجه من الوجوه، لن تثمر الجهود البتة)

القوميات والأقليميات الجاهلية

يقول كويلرينغ عن لويس توماس:(أنه قد استطاع أن يرسم الخطوط العريضة للظروف التاريخية والاجتماعية للحركة التي انتهت بالزعماء الأتراك المحدثين إلى تحقيق مبدأ تركيا للأتراك وهذا المبدأ الذي سار عليه أغلب شعوب المنطقة ولذلك كان الكماليون يقولون (نريد أن نبني إسلاما تركيا يصبح ملكا لنا وجزءا في مجتمعنا الجديد على نحو الكنيسة الأنجليكانية التي هي نصرانية على النمط الإنجليزي).

غزى ذلك الفكر بلاد (المسلمين) حتى أصبحت تركيا للأتراك ومصر للمصريين، واهتمت كل دولة بتراثها الخاص اهتماما بالغا، وتغنى الشعراء في حب “رقعتهم” التي يعيشون عليها وتقديسها،  فيقول شوقي:

وجـه الكنانة ليس يغضب ربكـم *** أن تجعلـوه كوجهه معبودا!

وأخيرا

قد صدق –حقا- سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين قال:(نحن قوم أعزنا الله بهذا الدين ومهما ابتغينا العزة -عن غير طريقه- أذلنا الله).

الخنساء محمد

فتاة مُسلِمة، مهتمة بالبحثِ عن الحق، واتِّباعهِ، ونَشْرِهِ بين الناسِ؛ لِيَعُم الأرض بدلًا عن الباطل… المزيد »

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى