لقد حمل الرعيل الأول من أبناء هذه الأمة هم نشر الدين وفتح البلاد لإيصال كلمة التوحيد إلى العالم الأجمع وورثت هذه الأمانة لمن تلاها جيلا بعد جيل. لمع الكثير من القادة المحاربين على مر العصور ومن هؤلاء القادة العظماء قائد مات جسده وحيا ذكره إلى قرننا هذا. القائد الذى فتح إسبانيا وأطاح بملكهم وصارت لنا جنة الله في أرضه بفضل الله ثم بفضل عبقرية هذا القائد المغوار “طارق بن زياد” كان فتحا مؤزرا ونصرا عظيما دان له الكثير وتحدث به الجميع وهز أركان العالم الغربي ورموز الدولة الصليبية ورجال الكنيسة ..في الوقت الذى دخل فيه المسلمين الأندلس كانت تعانى من الحكم الجائر لها فنشر الإسلام عدله وسماحته على أرجائها حتى صارت آية في العلم والجمال.. لم يطب للصليبين خروجهم من الأندلس وترك هذه البقعة الخلابة لأيادي المسلمين فمرت بالأندلس حروب وهجمات عديدة خاضها الصليبيون ضد المسلمين ومن أبرز هذه المعارك معركتي الأرك والعقاب . تمثل معركتي الأرك والعقاب مفرق للطريق بين توطيد حكم الموحدين للأندلس وسقوط الأندلس من أيدى الموحدين من جهة أخرى. كانت حرب الفرس مع الروم في قديم الزمان سجالا بينهما وهكذا الحال في معركتي الأرك والعقاب كان النصر للموحدين في الأولى وللصليبين في الثانية. اختلفت المعركتان من حيث القادة والعدة والعدد والاستراتيجيات والروح المعنوية للجند لكن سبب الحرب كان متقارب فكلتيهما نشبت ثأرا لنقض العهد الذى نقضه الصليبين في كل مرة.

سبب المعركتين:

فسبب موقعة الأرك الواقعة عام 591 من الهجرة نقض العهد بين الأدفنش وأمير المؤمنين ونزول خيل الأدفنش تدوس في البلاد حتى عاثت في الأندلس كثيرا فما كان من أمير المؤمنين إلا أن يجهز جيشه وسار به من المغرب إلى الأندلس ونزل في إشبيلية حتى يقسم المال وينظم الجند ثم سار إلى طليطلة. وكذلك سبب حرب العقاب فبعد نصر الموحدون في الأرك طلب ألفونسو الثامن من المنصور عقد هدنة وبالفعل وافق المنصور عليها ثم عاد بعد نصره إلى المغرب وظن الجميع حينها استكانة الأمور لكن ألفونسو كان منشغلا بجمع الجند والأخذ بالثأر حتى جمع 300 ألف جندي وفى بعض الروايات بلغ عددهم إلى 500ألف جندي ودعا ملوك أراغون والبرتغال للوقوف بجانب القشتاليين وعندما اطمأن على عدته وعتاده اقتحم حصن رباح وسط الأندلس وأغار على جيان وبياسة وأجزاء من مرسية وماكان من المنصور وقتها إلا إعلان الجهاد والتأهب. وكذلك اختلفتا في استراتيجيات الحرب والاستعداد، ففي معركة الأرك كان جيش الموحدين أكثر نظاما من تنظيمه في العقاب. فقد أشير على المنصور أن يكون قائد الجيش من الأندلسيين لتوحيد الصفوف فاختار المنصور “أبو يحيى بن أبى حفص” وكان تنظيم الجيش

كالآتي:

“المقدمة للمتطوعين الرمي بالنبال وبدأ الحرب وفى الجناح الأيمن قوى الأندلس بقيادة عبد الله بن صناديد وفى الجناح الأيسر الجند العرب أما قوات أبو يوسق فكانت تحيط بالجيش وترابط خلف التلال وكانت مكونة من صفوة الجند والحرس الملكي أما قلب الجيش فكان من الموحدين

أما جيش النصارى فكان في مقدمته الخيالة تحت إمرة لوبيز دي هارو وقلبه ومؤخرته يضم 100 الف مقاتل يقودهم ألفونسو. وفى معركة العقاب كان الأمر مختلف تماما فكانت مقدمته من المتطوعين المغاربة وباقي الجيش من الموحدين بلا أي تنظيم والقيادة لـ” محمد الناصر” أما الجيش الصليبي فكون من قوتين يمثلان جناحي الجيش هما” نافارة وأرجوان” وطوقوا الموحدين كما اتحد ألفونسو مع منافسوه السياسيين ضد الموحدين مما جعل شوكتهم أقوى. كذلك اختلفتا في الروح المعنوية لدى الجنود اختلافا ملحوظا ففي الأرك كان لقيادة أبى حفص الأندلسي الأثر البالغ في حماية الصفوف من الانشقاق وقبل الحرب قام المنصور خاطبا فيهم طالبا منهم العفو والغفران فالموضع موضع له كما حثهم على الجهاد والاستشهاد حتى أبكاهم ونفرهم إلى الساحة كما قص عليهم رؤيا رآها ليلة الحرب بأن النصر والغلبة لهم مما أثار حفيظتهم على المضي قدما في سبيل الله أما في معركة العقاب فكانت الروح المعنوية للجند شبه منعدمة مما فعله وزير الناصر للقواد الأندلسيين بل أنه أثار حفيظة القوات المغربية نفسها بحبس أعطيات الجنود حتى ذكر في بعض الكتب ” أنهم لم يسلوا سيفا بل انهزموا لأول حملة الإفرنج عليهم قاصدين ذلك ” وبالنسبة للجنود الصليبين في موقعة العقاب فكانت الروح المعنوية مرتفعة جدا لمد العون لهم ولإعلانها حرب صليبية تجب المشاركة فيها من منطلق عقائدي لا يسامح فيه.

نتائج المعركتين:

أما نتائج المعركتين فكانت متباينة أيضا ففي موقعة الأرك على أصح الأقوال بلغ عدد الموحدين 50ألف جندي بينما بلغ عدد الصليبين 150 ألف جندي وكان عدد القتلى الصليبين 30 الف قتيل وبلغ عدد القتلى الموحدين 5 الأف كما غنم المسلمون معسكر الإسبان بجميع ما فيه واقتحام حصن الأرك وقلعة رباح وبناء مسجد أشبيليه من خمس الغنائم كما بنوا حصنا في مراكش كما توسع حكم المسلمين في الأندلس حينها وباتت تروخلو وبلاسينسيا وكونيكا وقلعة رباح تحت حكم المسلمين. وفى موقعة العقاب كان عدد المقاتلين الموحدين 400الف جندي بينما بلغ عدد المقاتلين الصليبين 300 الف وفى روايات 500 الف جندي وبلغ عدد القتلى في صفوف المسلمين 20 الف بين مصاب وقتيل لم تقتصر الخسارة على خسارة الجنود فقط ! بل احتل ألفونسو حصن اوبيدا وقتل 60 الف من أهلها واحتل قرطبة وجيان وإشبيلية وسقطت آركوس وقادس وصيدا الأندلسية كما احتلت جزر الباليار ومدينة بلنسية ولم يتبقى سوى مدينة غرناطة التي سلمت من أيديهم وسقطت عام 897من الهجرة وبسقوطها يكون قد سقط آخر كيان إسلامي في الأندلس واستيلاء الصليبين على الأندلس بعد 4 قرون من العلم والتقدم والازدهار.

الأندلس ليست الجرح الوحيد في قلب هذه الأمة فمصاب الأمة كثير وليست كذلك الذل الوحيد الذى لحق المسلمين بعد التفريط فيها وليس انشقاق الصفوف في عقاب واختلافهم وتناحرهم على ملك الأندلس هو الداعي الوحيد للخسارة لكنه الهوان…..هوان الدين فقلتُ لها ما أفكر في عِقاب…غدا سبباً لمعركة العُقاب.

“فما في أرض أندلسِ مقام…وقد دخل البلاء من كل باب”

 ابن الدباغ الإشبيلي

1226

الكاتب

أسماء القاسم

خليفةُُ للهِ في أرضهِ والقبلةُ إلى بيت المقدس، أسكن القاهرة.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.