أيقن الجميع أن العراق لم يمتلك ما أُتهم به باطلًا من حوزته للسلاح النووي، لأنه وإن كان قد كانت لديه؛ فلن يجرؤ أحد في طرق بابه والتسلل إليه بواسطة الطائرات المدمرة والدبابات هائلة الحجم.

غير أن  الرئيس الأمريكي جورج بوش أكمل ما كان قد بدأه والده الرئيس بوش في احتلال العراق بأية حجة ومع أو بدون موافقة الأمم المتحدة، لترتكب القوات الأمريكية هناك فظائع يومية، ويصل أعداد القتلى العراقيين إلى مئات الآلاف وفق مصادر رسمية، وتوجد حالة من التيه والتشرذم والانقسام وخلق جوًا من الصراع الشيعي السني بهدف السيطرة على كافة موارد ذلك البلد النفطي الثري! ومن هذه المجازر  ما ارتكبه الاحتلال الأمريكي في معركة الفلوجة الأولى والثانية.

كل هذا من أجل ما قاله الحاكم العسكري الأول بعد غزو العراق بول بريمر:

  نعم، حققنا ديمقراطية جديدة وضعيفة، معددًا عدة نواح إيجابية تحسب لها منها أن 23 مليون عراقي يحملون هواتف نقالة، وهذا لم يكن متاحا زمن صدام حسين..!!

عن مدينة الفلوجة نتحدث:

مدينة إسلامية بكل ما تحمله الكلمة من معاني، ممتلئة بالمساجد، وهي الأولى في عدد المساجد مقارنة بمساحتها مع المدن العراقية الأخرى، في نهايات عهد صدام حسين كانت الفلوجة مدينة تؤرق حزب البعث، ولتوجهها الإسلامي فإن شبابها كانوا بين السجون والمطاردات والضغط الحزبي، وآخر حملة اعتقالات كانت قبل بداية الحرب الأمريكية على العراق عام 2003 بأسبوع، حيث أُتهمت الفلوجة بتشكيل تنظيم مسلح، وبالفعل كان هناك تنظيم يستعد لمقاتلة أمريكا لكن ليس تحت راية حزب البعث، فأودع أصحابه السجون.

الفلوجة مدينة عريقة، ولدت في محيطها أول عاصمة للخلافة العباسية عام 134 هجريًا، وكان اسمها “هاشمية الأنبار” ولها أطلال متبقية على بعد 5 كيلومترات عن الفلوجة، ثم قرر الخليفة أبو جعفر المنصور تحويل العاصمة من مكانها، من جهة الفلوجة قرب الفرات إلى جهة أخرى قرب نهر دجلة، وليس قرب نهر الفرات، لحسابات أمنية واستراتيجية، فكانت مدينة بغداد “دار السلام” هي عاصمة الخلافة الإسلامية الثانية غرب دجلة في منطقة “مطار المثنى حاليا” أو حولها.

مع الاحتلال الأمريكي برزت هذه المدينة المحافظة، وفي نهاية 2003 أصبحت الفلوجة أشهر مدينة في العراق إطلاقًا، واكتسبت صفة عالمية، ومع حربين ضدها في زمن بريمر ثم في زمن إياد علاوي زادت شهرتها بشدة، وخسرت أمريكا أكثر من نصف جنودها القتلى في العراق في هذه المدينة، ولولا الفلوجة لما خرجت أمريكا من العراق مطلقًا، إذ تسببت الفلوجة بانتقادات لاذعة، وخسارة إعلامية لأمريكا غير مسبوقة، وبقيت بمثابة الشوكة التي قصمت ظهر البعير، وبقي الثأر منها مشاهدًا لأنها غيرت الاستراتيجية الأمريكية في العراق، من البقاء إلى الإتفاقية الأمنية.

الفلوجة الشبح الغاضب

الشبح الغاضب هو اسم المعركة التي شنها الجيش الأمريكي، ضد الفلوجة

دعونا نبدأ من النتيجة، النتيجة هي أنّ الفلوجة في هذه المعركة شكلت صدمةَ لواشنطن ولجيشها القوي، إذ لم تتوقع أن تصمد هذه المدينة كل تلك المدة من الوقت ولا أن تمتلك كل هذه الشجاعة ورباطة الجأش!!

وقعت معركة الفلوجة الأولى في شهر أبريل من العام 2004 والتي قهر فيها الأمريكان، وكانت السبب الرئيسي في تفكيرهم في الخروج  وصورة من صور إذلال الأمريكان وهزيمتهم في العراق.

حدثت البداية، حين تم الاتفاق على أن تبقى المدينة خارج النزعات العسكرية وعدم دخول الجيش إلى مركز الفلوجة، لكن وكعادة المحتل اخلف التوافق وتمركزوا بالقرب من مركز المدينة حول مدرسة ابتدائية أثارت سخط الأهالي؛ فقاموا بمظاهرة سلمية في 28 نيسان 2003 (وهو ذكرى ميلاد صدام حسين) تطورت إلى اشتباك بالسلاح بين الطرفين عند استخدام القوات الأمريكية للغاز المسيل للدموع لتفريق المتظاهرين. أدت هذه الحادثة إلى مقتل 17 من أهالي المدينة كما انطلقت تظاهرة مؤيدة لحزب البعث بعد يومين وتلتها مواجهات بين القوات الأمريكية والمتظاهرين أدت إلى مقتل ثلاثة من سكان المدينة، خلال الأسابيع التالية أصبحت الفلوجة مركزا للمسلحين المعارضين للقوات الأجنبية والشرطة العراقية. حيث قتل في تلك المنطقة العشرات من الشرطة العراقية.

قبل ذلك بأيام قتل أربعة مرتزقة يعملون في شركة بلاك ووتر سيئة السمعة والصيت، كذلك مقتل 5 جنود أميركيين في الحبانية قبل أيام قليلة.

اقرأ أيضا: 18 موقعة غيرت مجرى التاريخ الإسلامي، ربما لم تسمع عنها من قبل!

جوبهت القوات الأمريكية بشقيها النظامي والمرتزق أكبر  مقاومة  يمكن أن تتخيلها، حيث وصفت الفلوجة آنذاك بأنها ” أسوأ مكان في الأرض للأمريكيين) وأطلقت على العملية: الشبح الغاضب.

مدينة الفلوجة مدينة صلبة لا تلين …. بول بريمر الحاكم  العسكري الأمريكي في العراق

معركة الفلوجة الثانية

الهجوم الثاني الذي شنته قوات الاحتلال الأمريكية في تشرين الثاني – نوفمبر عام 2004، كان أسوأ بكثير من الهجوم الأول الذي شهدته الفلوجة في نيسان من العام نفسه، إذ شنت تلك القوات الغازية عمليات دهم وتفتيش طالت معظم منازل المواطنين، قبل أن تنفذ عمليات القصف الليلي المكثف، الذي تسبب بتدمير هائل لم تزل آثاره شاهدة على تلك الجريمة.

لقد راجعت الإدارة الأمريكية حساباتها بعد “الفلوجة” علي لسان قادتها مثل “وليام كريستوفير”حين قال ” لقد حدث تحول جذري في استراتيجيتنا بعد الفلوجة ، وكذلك “روبرت كاجان” أحد المحافظين الجدد حبنما قال “أحداث العراق جعلتنا نعيد التفكير في أولويتنا”.

10 آلاف جندي أمريكي وألفي جندي عراقي يشاركون في عمليات الشبح الغاضب للسيطرة على المدينة (40 كلم غرب بغداد) التي تعتبر قلعة المقاومة العراقية. ويقدر عدد المسلحين المتحصنين في داخل الفلوجة بثلاثة آلاف. فيما يقدر عدد سكانها ما بين 250 ألفا و350 ألف نسمة.

وكان رئيس الوزراء العراقي آنذاك إياد علاوي أيد عمليات الشبح الغاضب بزيارة مفاجئة للقوات المحشودة حول مشارف الفلوجة وتقدر بعشرين ألف عسكري. ورافقه وزير الدفاع في الحكومة الموقتة حازم الشعلان.

الجرائم الأمريكية في المعركتين

ونظرًا للصمود الكبير الذي أبداه مقاتلو المدينة عمدت القوات الأمريكية إلى جملة من الانتهاكات الوحشية بحق المدنيين من سكان الفلوجة ومنها

  • استخدمت واشنطن، كل أنواع المواد الكيمياوية والمتفجرات والأسلحة الحرارية على أبناء مدينة الفلوجة كما استخدمت الاسلحة المحرمة دوليًا كالفوسفور الأبيض، واليورانيوم المنضّب، إلى الحد الذي كان جميع سكان هذه المدينة المنكوبة بمثابة فئران مختبر بالنسبة لتلك القوات المسعورة التي ارتكبت ابشع الجرائم والانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان التي تتشدق زورا وبهتانا بحمايتها.
  • استخدمت قوات الاحتلال الأمريكية للأسلحة المحظورة في الفلوجة كبرى مدن محافظة الأنبار، وما زالت تتسبب في ولادات مشوهة وأمراض خطيرة ولا سيما في صفوف الأطفال حديثي الولادة، لدرجة أن القائمين على مستشفى الفلوجة العام لا يستطيعون إعطاء إحصاءات دقيقة بإعداد الأطفال الذي ولدوا بتشوهات خلقية خلال الأعوام التي أعقبت الهجوم الأمريكي على هذه المدينة.
  • من صور التشويه التي لحقت بالمواليد الخدّج: أن بعضهم ولد بدون دماغ، وآخرين بدون عيون، أو أن أمعاءهم خارج بطونهم.
  • زيادة معدلات الإصابة بالسرطان، واللوكيميا ووفيات الرضع ونسبة اضطرابات الجنس لدى المواليد بين صفوف الناس العاديين في الفلوجة، اكبر بكثير من تلك التي شهدها الناجون من القنبلتين النوويتين اللتين ألقتهما أمريكا على مدينتي (هيروشيما وناغازاكي ) خلال عام 1945″.
  • هناك زيادة في الإصابة بأمراض اللوكيميا في الفلوجة بنحو ( 38 ) مرة مما شهدته المدنيتين اليابانيتين المذكورتين
  • استخدام قوات الاحتلال الأمريكية لليورانيوم المنضب (DU)، وهو من العناصر المشعة، وتم العثور على وجود كميات كبيرة من اليورانيوم والزئبق، في جذور شعر المصابين من أبناء الفلوجة خلال الفحوصات التي أجريت في لندن، ما يؤكد اتساع نسبة المشكلات الخلقية الولادية في هذه المدينة التي تعرضت لأسلحة محظورة دوليا .
  • القتل العشوائي سواء بالطائرات العسكرية أو بواسطة المدرعات على الأرض وذلك بهدف الانتقام من المعارك التي تخسرها القوات الأمريكية بفعل المعارك الضارية والصمود الكبير الذي تلاقيه.
  • قامت بهدم عدد كبير من المساجد على المصلين أو في ظلمة الليل قصفًا بالطائرات ودون تحذير كما قامت بمحاصرة عدد من المشافي ومنعت من معالجة المصابين.

و النتيجة كيف كانت؟

لا يختلف اثنان على أن أمريكا فشلت في السيطرة على العراق منذ احتلالها له، رغم حشدها لأكثر من ربع مليون جندي ومرتزق وضباط الاستخبارات العسكرية والمخابرات والموظفين من جميع الأصناف وغيرهم بالإضافة إلى تجنيدها لألاف من المتعاونين والمخبرين العراقيين.

اقترفت أمريكا جريمة مشينة بتدمير الفلوجة وقتل المئات من أبناءها من نساء وأطفال وشيوخ في عملية إبادة جماعية والتي تعتبر في جميع المقاييس القانونية والإنسانية والأخلاقية والدينية جرائم حرب، يحاسب عليها جميع الذين خططوا لها ونفذوها .

إن تدمير 6000 منزل و33 مسجدا وقتل الجرحى في المساجد بدم بارد تأتي في قمة الجرائم التي ارتكبتها القوات الغازية، والتي  لن تفارق الذاكرة الجمعية للشعب العراقي والأمة العربية والإسلامية لأجيال وأجيال. إنها بهذا العمل الأهوج قد زادت من حجم الحقد والكراهية لها ولقيمها التي تتبجح بها وعمقتها في العالمين العربي والإسلامي.

أمريكا فقدت إنسانيتها في الفلوجة ولطخت سمعتها وأسقطت هيبتها، بانتهاكها لجميع القوانين الدولية والقانون الدولي الإنساني والشرائع الوضعية والسماوية.

عملية الشبح الغاضب أعطت دفعة قوية للمقاومة وعجلت في معركة تحرير العراق وزدت المترددين من أبناء الشعب العراقي بجرعة وطنية كبيرة دفعتهم إلى الانضمام لصفوف المقاومة وتحولت العملية إلى عملية الشعب الغاضب.

تبجحت أمريكا بانها قصمت ظهر المقاومة في الفلوجة، فإذا بمدن العراق تشتعل نارا تحت أقدام جنودها وفتح المقاومون أبواب جهنم لهم ليدخلوه زرافات ووحداناً، الأمر الذي ارغم جنرالا أمريكيا إلى القول بأنه كان من السابق لأوانه الادعاء بأن الهجوم الشامل على الفلوجة قد قصم ظــــهر التمـــرد ؛ وانقلب السحر على الساحر فإذا بالفلوجة الباسلة هي التي تقصم ظهر أمريكا في العراق.

المصادر :

1و 2 و  3 و 4 و 5

2003

الكاتب

نور أنور الدلو

صحفي في اذاعة صوت الأقصى غزة ، ومحقق في مجلة السعادة سابقا، وحاصل على الماجستير في الاعلام بالجامعة الإسلامية - غزة "فلسطين".

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.