لعل في مقولة الفيلسوف سبينوزا: “عند حدوث الأمور الجلل، لا تضحك! لا تبك! بل فكر” ما يلخص التعبير عن فداحة حادث اغتيال الرئيس الشيشاني “أصلان مسخادوف” في اليوم الثامن من آذار الجاري وفقًا للإعلان الروسي على أثر عملية خاصة.

ولد الرئيس أصلان مسخادوف عام 1951م، في جمهورية “كازاخستان” خارج الشيشان خلال فترة النفي الإجباري الذي فرضه “ستالين” على الشعب الشيشاني عام 1944م، وغادرها مع والديه وهو في سنّ السادسة، للعيش في قرية “زبير يورت” بجمهورية الشيشان وانغوشيا، والتي كانت تتمتع آنذاك بالاستقلال الذاتي -اسميًا- ضمن الاتحاد السوفيتي السابق.

التحق مسخادوف بالجيش السوفياتي، وتلقى تعليمه العسكري في جورجيا المجاورة وتخرج من كلية المدفعية في تبليسي عام 1972م، ثم حصل على شهادة من معهد ليننغراد العالي للمدفعية بتقدير امتياز في عام 1981م.

بداية أصلان مسخادوف في العمل العسكري

قد تطور أصلان مسخادوف في خدمته العسكرية بعد تخرجه ليصل لمنصب رائد في القوات السوفيتية وتولى منصبًا حساسًا في جمهورية ليتوانيا. وفي عام 1992م استقال من منصبه في الجيش السوفييتي برتبة عقيد؛ لينضم إلى الحركة الاستقلالية الشيشانية، ليتقلد منصب رئيس الأركان الشيشاني عام 1994م.

وفي عام 1996م قاد عملية تحرير “غروزني” العاصمة الشيشانية من القوات الروسية والتي دفعت إلى انسحاب روسي مذل من جمهورية الشيشان، ولأول مرة في تاريخ روسيا أدرك الروس أنهم قد هزموا.

العسكري المحنك يدحر الروس

في الحرب الأولى التي شنت من قبل روسيا على الشيشان كان أصلان مسخادوف من الشخصيات العسكرية الشيشانية البارزة خلال الحرب، ولعب دورًا كبيرًا في انتصار الشيشان على القوات الروسية، فبصفته النائب الأول لرئيس مجلس الدفاع ورئيس أركان القوات الشيشانية، نظّم مسخادوف دفاعات العاصمة غروزني خلال معركة غروزني في نوفمبر 1994م.

وفي فبراير 1995م، عينه الرئيس “جوهر دوداييف” قائدًا عامًا للقوات. وفي يونيو 1995م، شارك مسخادوف في محادثات السلام في غروزني من أجل إيجاد حل للأزمة في الشيشان. في يونيو 1996م، وقّع مسخادوف عن الجانب الشيشاني على بروتوكول اجتماع اللجنة بشأن وقف إطلاق النار والتدابير الرامية إلى حل النزاعات المسلحة في الشيشان، في المفاوضات التي جرت في نازران بجمهورية إنغوشيا المجاورة.

وفي أغسطس 1996م، وبعد أن حاصرت القوات الشيشانية غروزني، وقع أصلان مسخادوف مع “ألكسندر ليبيد” في 31 أغسطس 1996م اتفاقية خاسافيورت التي أفضت إلى وقف إطلاق النار ومعاهدة سلام وقعها مسخادوف مع الرئيس الروسي “بوريس يلتسن”، والتي وضعت نهاية للحرب الشيشانية الأولى.

توليه الحكم بعد الحرب الأولى وقبيل الحرب الثانية

على إثر توقيعه معاهدة إنهاء الصراع مع الرئيس الروسي آنذاك “بوريس يلتسن” والذي وصف المعاهدة بدوره أنها تنهي صراعًا بين روسيا والشيشان منذ أربعمائة عام، بعد ترشيحه نفسه لمنصب رئيس الشيشان في 3 ديسمبر 1996م، تولى أصلان مسخادوف رئاسة الجمهورية الشيشانية في يناير 1997م عندما أجريت انتخابات رئاسية وبرلمانية ديمقراطية حرة في الشيشان، وفق الدستور الشيشاني الذي اعتمد في مارس 1992م، وتحت إشراف منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، وكان منافسيه فيها “شامل باساييف” و “سليم خان يندرباييف”.

فاز مسخادوف بأغلبية 60% من الأصوات في تلك الانتخابات، ليصبح بذلك ثالث رئيس منتخب للشيشان. شغل مسخادوف المنصب في 12 فبراير 1997م، كما احتفظ بمنصب رئيس الوزراء، وألغى منصب وزير الدفاع الذي كان يشغله منذ نهاية عام 1996م. كما بقي مسخادوف في منصب القائد العام للقوات المسلحة الشيشانية. وفي 12 مايو 1997م وقّع مسخادوف معاهدة سلام مع يلتسين في الكرملين، وسعى لبناء دولة قومية معاصرة تقوم على علاقة استراتيجية مع روسيا.

عند توليه الرئاسة، كانت الأوضاع الداخلية صعبة؛ حيث كان ما يقرب من نصف مليون شخص (40% من سكان الشيشان قبل الحرب) مشردين في الداخل، يعيشون في مخيمات لاجئين أو في قرى مكتظة بالسكان إضافة إلى الاقتصاد المُدمر، كان الموقف متأزمًا مع قادة الكتائب العسكرية الذين لم تكن لديهم النية لتسريح قواتهم في ظل هذه الظروف.

لكنه أثناء سنوات رئاسته استطاع مسخادوف أن يقوم بلم شمل الكتائب العسكرية، وعمل على القضاء على الجرائم التي كانت منتشرة آنذاك، وتم إنعاش مجموعة من المشاريع الاجتماعية والصناعية الهامة في الجمهورية رغم فرض عقوبة الحصار الاقتصادي الكامل على جمهورية الشيشان، وكل ذلك بجهود ذاتية، وقام بسلسلة زيارات خارجية مثمرة إلى كل من بريطانيا وأمريكا وتركيا والمملكة السعودية وجورجيا أذربيجان وماليزيا وروسيا.

خلال تلك الفترة نجا مسخادوف من عدة محاولات اغتيال فاشلة في 23 يوليو 1998م و21 مارس و10 أبريل 1999م.

عودة الحرب

في عام 1999م عادت القوات الروسية لتشن حربها الثانية ضد الشيشان، ورفض مسخادوف الاستسلام، وقاد النضال الشيشاني ضد الاحتلال الروسي مرة ثانية، الذي حاول تنصيب حكومة موالية له من الشيشانيين في المنفى.

وأكد أصلان مسخادوف مرارًا معارضته أية شروط مسبقة لبدء المفاوضات السلمية لتسوية النزاع الشيشاني الروسي، وبعد حصار المسرح الروسي في موسكو، خلال شهر أكتوبر 2002م، أعلن (الرئيس الروسي) بوتين أنه سيعارض دائمًا الجلوس إلى طاولة المفاوضات مع المجاهدين، وقام بتنصيب حكومة موالية لموسكو تسلم قيادتها “أحمد قادروف”.

إلا أن مسخادوف هدد بأنه سيصل إلى الرئيس الجديد الموالي لموسكو. وبالفعل، وخلال شهر مايو 2004م، نفذ المجاهدون الشيشان عملية تفجيرية نوعية، أسفرت عن اغتيال قادروف أثناء حضوره حفلًا وطنيًا في ملعب الاستاد في غروزني.

استشهاد أصلان مسخادوف

خلال سنوات الحرب الطويلة بين الشيشانيين بزعامة مسخادوف، والاحتلال الروسي، عملت موسكو بكل جهودها من أجل اغتيال مسخادوف، الذي نجا عدة مرات من محاولات الاغتيال والاستهداف.

إلى أن كتب الله له الشهادة يوم الثلاثاء 8 مارس 2005م، خلال عملية مسلحة قامت بها قوات روسية خاصة، شمال العاصمة غروزني، وحتى هذا اليوم يرفض الروسيون تسليم جثمان الرئيس الشيشاني برغم محاولات ذويه باستعادتها إلا أنه تم الرفض بحجة أن جثامين الإرهابيين لا تسلم لذويها.

ومع اغتياله تطوى إحدى صفحات قادة الجهاد الشيشانيين الكبار، الذين ضربوا مثالًا حقيقيًا في العصر الحديث، لبأس المجاهدين وصبرهم وكفاحهم في سبيل الله. وليقدم مسخادوف صورة مشرقة من صور الجهاد الحقيقي في زمن الاستسلام.

إذًا لماذا أصلان مسخادوف بطل؟! لأنه كان رجلًا على قدر الكلمة، ضحى بنفسه من أجل حرية أمته، أفكاره ومعتقداته وقيمه، والأهم أنه دافع عن حرية شعبه؛ لأنها تحق لهم كأي شعب آخر، هو الآن أكثر خطرًا على من قتلوه؛ لأنه يعيش في قلوبنا، الرجل الذي لم يستسلم في طريقه الطويل للحرية.

1229

الكاتب

دانا إبراهيم

إن صدقت العزم لوجدت الطريق.

التعليقات

  • Ahmed Mahrous منذ 3 سنوات

    جزاكم الله خيرا

    رد

    اترك تعليقًا

    *
    *

    موضوعات ذات صلة
    القائمة البريدية

    اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.