إن المجتمع الذي یجعل الحق قیمته العلیا سیتقدم حتما في الاتجاه الصحیح، وسیستفید باستمرار من أخطائه وسیظل في تصحیح دائم لها، فبحسب القیمة التي تسود في المجتمع تستطیع أن تتنبأ بمستقبله، فمثلا المجتمعات الغربیة التي تبنت الدیمقراطیة كقیمة مثالیة سنجد أنها تطورت بصورة كبیرة في المهارات الانتخابیة، لأن الانتخابات هي میدان التنافس في الأنظمة الدیمقراطیة، والمتنافسون بحاجة دائمة إلى تطویر إمكانیاتهم، ولذلك تطورت هذه المجتمعات في وسائل الدعایة والمیدیا، وفنون الخطابات ولغة الجسد، كما تطوروا في كیفیة التأثیر على الجماهیر وكیفیة اكتساب مهارات الإقناع وتوجیه العقول ولو بالخداع، أي یمكن تلخیص كل ما سبق في جملة واحدة : (إتقان فنون النَصْب على اختلاف أنواعها!) .. بینما في المجتمع الذي سیتبنى قیمة الحق فإن الوضع فیه مختلف، فالحق لا سبیل للوصول إلیه بدون العلم والبحث والاجتهاد.

وهذا هو السر وراء الثورة العلمیة الكبرى والتطور المعرفي الهائل الذي حدث في عصور الأمة الأولى، حتى صارت أمة علم وبحث وتصنیف واجتهاد، بل لقد عظم شأن الاجتهاد فیها جدا حتى سمي هذا العصر من تاریخ الأمة “بعصر المجتهدین“، لقد بلغت الأمة من الاجتهاد العلمي ما مكنها من استحداث وإنشاء علوم جدیدة لیس لها مثال سابق، ولم یكن هذا في مجال واحد بل في مجالات شتى من مجالات العلوم الدینیة والدنیویة، فعلى سبیل المثال دفعت الحاجة لمعرفة الحق من كلام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى إنشاء علم لم یعرف البشر مثله من قبل وهو علم “الحدیث والإسناد” لقد صار فنا متمیزا له قواعده الدقیقة واصطلاحاته الخاصة وتراثه المتراكم وعلماؤه المتعاقبون الضابطون وقد وضعوا منهجیة بحث یعجز الكلام عن وصف دقتها، منهجیة تمكن كل باحث متجرد من الحكم على صحة أو خطأ نسبة حدیث ما للرسول صلى الله عليه وسلم متى درس هذا العلم وأدركه.

وفي اللغة على سبیل المثال نجد الخلیل بن أحمد ینشئ علما جدیدا اسمه علم “العروض” وهو العلم العبقري الذي حفظ أوزان الشعر واستخرجها بصورة جعلت وزن الشعر علما اكتسابیا بعدما كان موهبة سماعیة محضة، وعلى جانب آخر ینقل الخوارزمي العلوم كلها نقلة نوعیة كبرى بتأسیسه علم “الجبر” بعد رحلة بحث ومعرفة في حوالي القرن الثاني الهجري ویصل لأول منهجیة عامة تُحل بها المعادلات الخطیة والتربیعیة، وقد أسس لنظریات ریاضیة أخرى مازالت هي المعتمدة حتى الآن، وفي نفس القرن نجد جابر بن حیان الملقب بأبي الكیمیاء ینقل علم الكیمیاء نقلة حضاریة أخرى سبق بها عصره معتمد على رحلة طویلة من البحث والتجربه في معمله في الكوفة، ثم ما كان من الطبیب العالم ابن النفیس مكتشف الدورة الدمویة الصغرى والذي ظل الطب لا یعتمد إلا على نظریته لقرون، وهذا كله على سبیل المثال لا الحصر.

حتى أولئك الفلاسفة الذین شطوا بتفكیرهم عن ثوابت الدین فقد كان الدافع هو البحث عن نفس القیمة “الحق” وقد أسهموا أیضا بصورة أو بأخرى في إثراء المكتبة الإسلامیة بمنتجات علمیة ضخمة حیث ظل ما ذكروه من أغلوطات محل رد وبحث من غیرهم، وهكذا عاشت الأمة في أجواء علم وبحث ومعرفة كان الدافع لذلك كله هو السعي لتحقیق القیمة العلیا التي یسعى الكل إلیها في المجتمع : الحق.

لقد تحولت أمة الإسلام حینها إلى قبلة لغیر المسلمین الذین یریدون تلقي العلوم والاستزادة منها، وصارت الصورة الذهنیة للمسلم والعربي هي ذاك الرجل صاحب العمامة والصحیفة والریشة التي یدون بها العلم، إنك في هذه الحقبة من الصعب إن لم یكن من المحال أن تجد مجالا من المجالات لیس فیه مئات إن لم یكن آلاف المؤلفات العلمیة الدقیقة والتي تحوي على نفائس یعجز العقل عن حصرها.

ولذلك لا تعجب أن ینقل عالم مثل ابن حزم إجماع الأمة على كرویة الأرض في القرن الرابع من الهجرة حوالي عام ( 1000 میلادیا) أي قبل ولادة جالیلیو الذي یُنسب له هذا الاكتشاف في أوربا ب 500 سنة یقول ابن حزم: (إن أحداً من أئمة المسلمین المستحقین لاسم الإمامة بالعلم رضي لله عنهم لم ینكروا تكویر الأرض، ولا یحفظ لأحد منهم في دفعه كلمة، بل البراهین من القرآن والسنة قد جاءت بتكویرها).

وكذلك یقول أبو الحسین بن المنادى من نفس طبقته تقریبا: (وكذلك أجمعوا على أن الأرض بجمیع حركاتها من البر والبحر مثل الكرة). ویقول ابن تیمیة المتوفى قبل ولادة جالیلیو بقرنین : (اعلم أن الأرض قد اتفقوا (أي: علماء المسلمین) على أنها كُرویة الشكل، وهي في الماء المحیط بأكثرها)!

كل هذا في وقت كانت النظریات الغربیة ترسم للأرض صورة مضحكة وكانت الكنیسة في أوربا تحرق من یقول أن الأرض كرویة! بل لما كان الحق والأصلح هو القیمة المجتمعیة الأولى كان الحكام یسعون لتقریب علماء الدنیا والدین وجعلهم من خاصتهم لاكتساب شرعیة اجتماعیة لحكمهم وللظهور بمظهر المحافظ على قیمة (حكم الحق)، وإن كان هذا التقریب لأغراض سیاسیة إلا أنه لا شك ساعد في تطویر العلم وأعطى للعلماء مزید من المساحة للتقدم والكتابة، وخرجت كثیر من المؤلفات العلمیة بناء على استفتاء من الخلفاء وفي أحیان كثیرة كان طلب الفتیا صادقا لمعرفة الحق من أهل التخصص ولیس فقط لأغراض سیاسیة.

بل حتى في أشد فترات الأمة محنة في العصر الأول وهي الفترة التي وقع فیها تقاتل وفتنة ستجد أن “الحق” فیها كان هو محور الخلاف بعیدا عن المغرضین، وبرغم ما أنتجته هذه الفتنة الكبرى من سلبیات قاسیة على المستوى السیاسي إلا أن المجتمع لكونه مجتمعا یبحث عن الحق فقد استفاد من هذه الفتنة وصاغ لنفسه نظریة اجتماعیة حافظت على الحد الأدنى من تماسكه ووضعت لفساد السلطة حدا لا تستطیع أن تتجاوزه، وظل المجتمع محافظا على تماسكه وقیمه غیر متأثر باضطرابات السلطة لفترات كبیرة، وبهذه النظریة المجتمعیة استطاعت الأمة في أقل من خمسین سنة من عمرها أن تبني لنفسها حضارة مستقلة عظمى ذات طابع خاص كانت هي الأقوى في العالم حینها، وقد محت بحضارتها دولا عتیقة تمتمد أعمارها لما قبل المیلاد، وقد حافظت الأمة على حضارتها لقرون ممتدة بعد ذلك على ما اعترى هذه القرون من تقسیمات ونزاعات.

وقد أصبحت الأمة تدیر أكبر رقعة في العالم بدون أن یكون لها في ذلك تاریخ سابق تبني علیه أو تراكم خبرات؛ بل عمرها كله في تاریخ البشر لا شيء! ، ولا شك أن التدافع حول الحق والفتنة التي حدثت في القرن الأول كان لهما دور كبیر في اكتساب الخبرة التي مكنت الأمة من الحفاظ على الحد الأدنى من هذا التماسك الداخلي، وكلامي هنا على المجتمع بالذات وإلا فإن السلطة لم تكن سلطة مثالیة أبدا وإن كانت لا تقارَن طبعا بما وصلنا إلیه الیوم، والتفصیل حول هذا الشأن یحتاج إلى كتاب مستقل ولكن نكتفي هنا بهذه الإشارة حتى لا یخرج هذا المختصر عن موضوعه.

التقدم والتطور في النظام العالمي الجدید

ah-ha-panet-atom

وهنا یمكن أن یعترض معترض فیقول : لیس النظام السیاسي في الإسلام وحده هو الذي یدفع نحو التطور والتقدم والبحث العلمي بل النظام العالمي الحالي بقیمه الحالیة هو نظام تكنولوجي ویدفع أیضا نحو التطور والتقدم وخدمة البشر، فنحن نعیش في عصر التكنولوجیا الآن، فما الفارق إذن بین النظامین في هذه النقطة؟ الفارق هو أن النظام العالمي یدعم التكنولوجیا التي تخدم مصالحه وتحقق أطماعه، ولا یسعى بالتكنولوجیا نحو الأصلح والأنفع للبشر إطلاقا، فهو یتفنن في تحویل احتیاجات الناس إلى رؤوس أموال بعیدا عن مصالحهم الحقیقیة، إن التقدم والتطور الیوم هو تطور وتقدم رأسمالي ربحي مركزه 6 5 الحقیقي هو المال ولیس الإنسان، ولا أدل على ذلك من كم الدمار البیئي والصحي الذي أصاب البشر من جرائه بلا مبالاة حقیقیة بذلك.

ثم علیك أن تتأمل.. ألیس هذا النظام العالمي هو من وجه التكنولوجیا في صناعة أسلحة الدمار الشامل، ووجهها في نشر الدعارة الإلكترونیة وصناعة الإباحیة بأنواعها، ألیس هو من وجهها لتزییف الوعي وخلق الأكاذیب ونشر الوهم وإلصاق التهم الكاذبة بأعدائه، ألیس هو من استخدم هذه التكنولوجیا لهدم بلدان على رؤوس شعوبها خدمة لشركات الإعمار والتي تبدأ في الإعمار مقابل النفط، إننا بالفعل نعیش في ظل أسوأ نظام یمكن أن یحكم هذه الأرض ولا یمكن أن یسعى لأي مصلحة للبشر ما لم یجد فیها ربحا له! كما أن النظام العالمي لا یحرص أبدا على تعمیم النفع بالتكنولوجیا ونشرها في العالم، ولا أدل على ذلك من ملیارات البشر المسحوقین في إفریقیا وأمریكا الجنوبیة وجنوب شرق آسیا الذین لم ینلهم من رحمة التكنولوجیا شيء، بل استُخدمت التكنولوجیا في امتصاص ثروات بلادهم وطحنهم في معارك أهلیة تفتعلها الدول “المتقدمة” لتشغلهم عن ثرواتهم المنهوبة!

إن كثیرا من الأبحاث العلمیة التي یحتاجها البشر لا تجد من یدعمها في هذا النظام العالمي ویتبناها ببساطة لأنها أبحاث غیر مربحة! وإن كثیرا من الاختراعات التي تطورت الیوم تطورت فقط لاحتیاجات الدول لها عسكریا، حتى أصبح هناك قاعدة هندسیة معروفة : أن الصناعات تتطور عسكریا أولا ثم تستفید الصناعات المدنیة بعد ذلك من هذا التطور العسكري! فالنظام یبحث عن التطور التكنولوجي الذي یحقق مصالحه وأهدافه أما قیمة الإنسان فهي عنده شيء هامشي، وإذا اهتم بالإنسان فهو یهتم بذلك في إطار سعیه للربح لا لشيء آخر، ولو كان النظام الدولي فعلا یعتبر أن الإنسان له قیمة حقیقیة لكان الوضع الآن مختلفا تماما للبشر كلهم، ولكنه نظام منحط!

اضغط هنا لتحميل كتاب معركة الأحرار كاملًا PDF – الطبعة الثانية

845

الكاتب

أحمد سمير

ناشط ومهتم بالشأن الإسلامي والعالمي.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.