
أبو عبيدة.. الصوتُ الذي لا يُغتال
تَقتلُ إسرائيل الشهيدَ تلو الشهيدِ ظنًّا منها أنّها قادرة على كسر ظهر المقاومة، وأنّها باغتيال قائدٍ، أو إسكات صوتٍ، أو إبادة شعب، ستدقّ مسمارًا في روح المقاومة، أو ستخمد قلب الأمة الحيّ، لكنّها لم تدرك بعد كلّ هذه السنوات أنّنا أمّة ولّادة، يقتلون القائد، والطبيب، والمهندس، والعالِم، فيولد منهم وبهم آلاف الأطباء، والعلماء، والمهندسين، والقادة، ليس عوضًا وإنّما إكمالًا لمسيرتهم، واحتذاءً بحذوهم، فنحن نحيا بقضايانا التي نحبّ، والتي لا نقول خسرنا بل ربحنا من أجلها آلاف الشهداء.
رحل أبو عبيدة وبقي النّداء، غاب الجسد وبقي الموقف، وانطفأت عيناه لكن شرارته ما زالت توقظ فكرة في الضمائر خالدة ستتوارثها الأجيال جيلًا بعد جيل ما بقيت جمجمة واحدة للمحتل لم يطأها أطفال غزّة بأقدامهم الحافية.

رحل في الثلاثين من كانون الأوّل بغارةٍ تيقّن بقدومها منذ أوّل يومٍ سار فيه على هذا الدرب، فوالله إنّه من رجالٍ أحبّوا الموت كما تحبّ إسرائيل الحياة، ومضى وهو يعلم أنّ طريقه مفروشٌ بالدم لا بالورود، وأن نهايات العظماء لا تكون إلّا على حواف النار.
رحل وهو ثابت، مبتسم للقدر، خفيف الروح، ثقيل الأثر، تاركًا خلفه رجالًا يحملون وصيته، وأطفالًا يولدون على صوته، وأمّةً وإن انكسر ظهرها فإن قلبها لا ينحني… رحل وهو يعلم أنّ دمه لن يُطفَأ، بل سيُشعِل بعده ألف نور.
لم يكن أبو عبيدة أوّل من تصوّرت إسرائيل أنّها بقتله ستطوي الصفحة وتُسكت الصوت، فقد اغتالوا قبله قادةً كثيرين، رجالٌ حملوا راية هذا الطريق قبل أن يحملها، وكتبوا أسماءهم بالدم على ذاكرة الأمة؛ كالسنوار، وإسماعيل هنية، وصالح العاروري، ومحمد الضيف، وغيرهم الكثير، قتلوهم، وقتلوا أبو عبيدة وهم لا يعلمون أنّ كلّ أطفال غزّة يحملون عيونًا مليئةً بالليالي، وأصواتًا مشبعة بالألم الذي سيكبر في الحناجر ويكبر حتى يأتي يوم يصبح كلّ واحد منهم كشعبٍ كامل لا يقبل الركوع، وصرخةٍ لن تُخمد حتى يولد منهم فجر الحرية.
كلُّ دمعةٍ من عيونِ أطفالِ غزّة إنّما هي صدى صوتِ أبي عبيدة، وكلّ خيمة في هذا العالم الفاجر إنّما هي عيون أبي عبيدة التي كانت ترى العالم كما هو: عارًا مكشوفًا، وقسوةً لا تُقابَل إلّا بصلابة القلب وثبات الفكرة.
والله لو هرب الصهاينة إلى السّحاب لأمطرهم الله على غزة ليذوقوا بأسها، ولو ألقوا بأنفسهم في البحر لقذفهم الله إلى أبي عبيدة وأمثاله ليسوؤوا وجوههم؛ فأبو عبيدة وأمثاله كما قال: “قدر الله الغالب”!

نعتذر إليك أيّها الشهيد، قلنا لك: اصبر ورابط واحتسب إنّا وراءك هاهنا، ثم خذلناك! فكان الذي وراءك درع مثقوب؛ دخل إليك منه الرّصاص، والحصار، والبأساء، والضّراء، فارتقيتَ أنتَ، وارتقى صَحبُك، وبقيت غزّة شاهدة، ومازلنا مكتوفي الأيدي، نُضرب بالسياط، ونكتب للندامة، و نمضي بالسكوت والرضوخ على جثمانكم واحدًا تلو الآخر، تموتون فننعيكم على وسائل التواصل الاجتماعي؛ فتبرد قلوبنا، وتجوعون فنندّد على حالتنا في العالم الافتراضي من أجلكم، وعندما تبادون نخرج إلى الطرقات نبكيكم.. سامحونا لسنا وراءكم إنا نركن إلى الدنيا، وتركن الدنيا إلينا، سامحونا لسنا أهل للوثوق بنا!
لكننا -رغم هذا العجز والخذلان- لا نملك إلا أن نَعِدَك وعد الصادقين بأن ذكراك لن تُنسى، وحكايتك لن تُغلق، وصحيفة سنوات عمرك التي عشتها بيننا لن تُطوى، ونَعِدُك أيضًا أن اسمك سيظلّ جسرًا تمتد فوقه قلوب النّاس نحو معنى أكبر من الحياة نفسها.
سنظل نقطف من حزنك قوة، ومن رحيلك يقظة، وسنعلّم أبناءنا أنّ الرجال لا يُقاسون بأعمارهم بل بما تركوه في الأرض من أثر، وبما أشعلوه في الأرواح من نور.

ستبقى قصتك تكتب على دفاتر المدارس، وتُتمتِم بها شفاه الأمهات في الليل، وتكبر في صدور الصغار كوصيّة: ألّا ينطفئ الحق، وألّا يُترك الصوت وحيدًا. ستبقى شهقات غزّة دعاءً لا يضيع، ودماؤهم جسورًا لا تُهدم، وستظلّ أرواحهم تحرس الطريق حتى يصل الجيل الذي لن يُسأل: لماذا يقاوم؟.. بل: كيف يجب أن يواصل الطريق؟
نم مطمئنًّا أيّها الشهيد، فليس بعدك فراغ، ولا بعد ندائك صمت. سيأتي الذين يشبهونك، والذين تربّوا على ذات وجعك، وسيثبت التاريخ -ولو بعد حين- أن الذين رحلوا هم الذين بقوا حقًا، وأن الذين قُتلوا هم الذين يعيشون فلا ينتهون أبدًا.



