اختيارات المحرر

المنطق التواصلي وتفكيك العقلية التجزيئية: مقاربة منهجية في “التفسير المقاصدي”

في عصر تتزاحم فيه النظريات وتتداخل فيه مسارات المعرفة، ويتشكل فيه وعي الجماهير عبر منظومات رقمية وثقافية شديدة التعقيد، تبرز الحاجة الماسة للعودة إلى سلطان الكلمات الإلهية.

إن هذه العودة لا يصح أن تكون ارتداداً تبريرياً أو قراءة تجزيئية تقف عند حدود الألفاظ، بل يجب أن تكون عودة استراتيجية تستنطق “المنطق المقاصدي القرآني” وتعيد ربطه بحركة الحياة.

ومن هنا، تأتي الأهمية البالغة للتوقف البحثي المتأمل أمام مشروع “التفسير المقاصدي: كشف المنظومات من مقاصد السور والآيات” للمفكر أ.د. جاسر عودة، الذي يتكون من ثمانية أجزاء، وكل جزء قرابة الـ 1000 صفحة.

يمثل هذا السفر الكبير، في تقديري، جهداً فكرياً متقدماً لتجسير الهوة بين الدراسات التاريخية العتيقة لعلوم التفسير، وبين الواقع العلمي والثقافي المركب الذي تختبره الأمة اليوم.

وفي مستهل هذه السلسلة من القراءات المنهجية، نُسلط الضوء على الأسس التأسيسية التي بنى عليها هذا التفسير مقاربته لضبط “التصورات والتصرفات”.

شبكة المنظومات: تحرير العقل من النظرة التجزيئية

التفسير الذي يحرر العقل من النظرة الجزئية

تكمن الإشكالية الكبرى في التعاطي مع النص القرآني في هيمنة العقلية التجزيئية التي تبتر الآيات عن سياقها المعرفي الكلي، وهي آفة لطالما حذرت منها أدبيات التجديد الرائدة، بدءاً من مقاربات العلامة عبد الله دراز في “النبأ العظيم”، مروراً برؤى مالك بن نبي في “الظاهرة القرآنية”، وصولاً إلى جهود الشيخ محمد الغزالي في التأسيس للتفسير الموضوعي.

امتداداً لهذا النسق التجديدي، يطرح هذا التفسير مقاربة متجاوزة تعتمد مفهوماً حيوياً هو “المنظومات المقاصدية”، هذه المنظومات ليست قوالب هندسية صلبة أو تراتبيات هرمية جامدة، بل هي شبكات حية ومعقدة تعكس سنن الله في الخلق والأمر.

وقد لخص المؤلف استراتيجيته الكبرى في عبارة دقيقة ومكثفة: ”استنباط معاصر لشبكة من المنظومات المقاصدية القرآنية، والإسهام بها في إعادة صياغة منهجية للمنظومات المهيمنة نحو تحقيق مقاصد القرآن“1.

إن استخراج هذه “الخيوط الناظمة” لا يقف عند متعة الكشف المعرفي، بل يتحول إلى أداة تفكيك نقدية للمنظومات المعاصرة التي تتصادم مع مقاصد الوحي، تمهيداً لإعادة بناء وعي إنساني وعمراني نابع من أصالة القرآن.

التفسير بين المفسر والنص

من أعمق المعالم المنهجية التي يؤسس لها د. جاسر عودة، تجاوزه لتلك الثنائية الموهومة بين الموضوعية المطلقة (التي تدعي التجرد التام) والشخصنة (التي تنحرف بالنص)، فيقرر في هذا السياق قاعدة إدراكية حاسمة مفادها أنه “ليس ثمة تفسير منفصل عن المفسر”2، فالتأويل يتجدد بتجدد الخبرات المتراكمة للمفسر، ورصيده الحياتي، وتفاعله المؤسسي.

هذا الإقرار يُخرج عملية التفسير من دائرة التلقي السلبي، ليؤسس لحالة من “الاتصال التشاركي” الفعّال مع النص، وهو بهذا يشرع النوافذ أمام العقل المسلم للاشتباك مع الآيات من موقع الفاعلية، متحرراً من قيود التقليد، ليقرأ خطاب السماء انطلاقاً من أسئلة واقعه المعقد وتحديات عصره الراهن.

المنطق القرآني: تعددية الأبعاد وتكامل الوسائل

المنطق القرآني: تعددية الأبعاد وتكامل الوسائل

في مواجهة صرامة المنطق الصوري الآلي، يطرح الكتاب في مقدمته بديلاً معرفياً هو “المنطق القرآني”؛ وهو منطق يرفض اختزال الوجود في ثنائيات حتمية ضيقة، ويصيغ المؤلف محددات هذا المنطق ببراعة قائلاً: إنه منطق “مقاصدي، عربي، تواصلي، تكاملي، متعدد الأبعاد والوسائل، ومتجدد”3.

هذا المنطق التواصلي متعدد الأبعاد هو المولد الحقيقي لحقائق وتصورات مركبة، قادرة على تحرير العقل الإنساني وتوجيه مسارات التخطيط الاستراتيجي في قطاعات التعليم، والبحث العلمي، وإدارة المؤسسات المعاصرة.

إعادة صياغة العلوم: القرآن بوصفه الأصل الموجّه

لا تنحصر طموحات “التفسير المقاصدي” في دائرة إصلاح علوم الشريعة التقليدية فحسب، بل تمتد أطروحاته لتشمل مشروعاً نقدياً متكاملاً يستهدف إعادة صياغة العلوم الإنسانية والتطبيقية المعاصرة (كالاقتصاد، وعلم الاجتماع، والإعلام، والسياسة الدولية) في ضوء حاكمية القرآن.

ولذا، يتبنى التفسير دعوة جريئة للانتقال من التقسيم الأكاديمي العلماني الذي يفتت التخصصات، إلى تقسيم منهجي جديد ينطلق من دراسة “الظواهر الكبرى المعيشة”، ويتم تحليل هذه الظواهر عبر عدسة “السباعية التصورية القرآنية” المتمثلة في: (المقاصد، المفاهيم، الفئات، السنن، القيم، الحجج، والأوامر).

إن هذه القراءة التأسيسية لا تمثل سوى خطوة أولى لولوج هذا المعمار المعرفي الضخم، وسنعمل في المقالات القادمة على تتبع مسارات هذه “الخيوط الناظمة”، لنستكشف سوياً كيف تتحول آيات القرآن الكريم إلى قوة دافعة قادرة على إعادة صياغة المحتوى الفكري للأمة وصناعة التغيير الحضاري المنشود.

المراجع

  1. التفسير المقاصدي، الطبعة التجريبية، ص27. ↩︎
  2. المرجع السابق، ص33. ↩︎
  3. المرجع السابق، ص34. ↩︎

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى