إن تجربة الأمومة لتجربة عظيمة حريّ بكل أم أن تستذكرها مع من حولها من أحبة، ذلك أنها تجربة إعجاز لله يتجلى في خلق إنسان جديد في رحم أم مسلمة ورحلة تربية فلذة كبد تسمو إلى العلياء.

إن هذا الوصف له دلالات ومعاني عميقة، ذلك أن كل ما يجري في حياتنا لو أحسنا التفكر فيه لقدرنا الله حق قدره ولزادت خشيتنا وترسخ يقيننا بشكل لا لجلجة فيه! فتأملي معي كيف كنت قبل أول حمل لك لا تشعرين بأي شيء يتحرك في أحشائك لتكتشفي وخلال بضعة أشهر أن جنينا يسبح في ظلمات ثلاث يشاركك الحياة! ثم ما أن تمر الأيام والسنين حتى تفاجئك تلك الروح التي خلقت في رحمك وهي تشاطرك يومياتك وتحتل مساحة شاسعة من قلبك ومشاعرك وكذا تضحياتك.

قد تدون تجارب الحمل بأقلام الكاتبات ولكن لن يكون لها وقع إن لم تعايشها مشاعر الأمهات، فالأمومة منّة عظيمة تتميّز بها المرأة عن الرجل، وتجعلها في المرتبة الأولى في عناية الإسلام فقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سئل (من أحق الناس بحسن صحبتي يا رسول الله؟ قال: أمك، قال قبل ذلك: أما وأبيك لتنبأن، ثم قال: أمك ثم أمك ثم أمك، قال: ثم أبيك)

إن يوم ولادة صغيرك يوم مشرق في حياتك، خاصة بعد رحلة الفرح والسرور وسفر المعاناة مع التغيرات النفسية والجسمية التي استمرت لتسعة أشهر أو أقل، حملتيه فرحة جذلا، وهنا على وهن،ونمت محبتك له مع الأيام والشوق!

ولم يخرج للنور إلا بعد أن نالك الألم والشدة والعسر وكأنك تنازعين الموت، ليطلّ عليك وعلى الحياة بعينين صغيرتين بريئتين من كل شرور البشر! فتمتزج دموع صراخك وأنينك بدموع فرحك التي تقذف مع رؤيته كل ألم وكل عسر ليطوى في زاوية النسيان.

ثم تنتقلين إلى مرحلة من سمو الرباط الروحي مع صغيرك حينما يقبل على الرضاعة التي ستكون بمثابة وظيفة يومية لك قد تكون شاقة أحيانا ولكنها ممتعة جدا حينما تشاهدين طفلك متعلق بها وينمو  بصحة جيدة ويشتد عوده ويستقيم.

ثم ما إن يزداد طول قامته قليلا  تبدأ معه بوادر الفوضى والتخريب والعصيان لأوامرك وقد تتفاوت درجة العناد من طفل لطفل حتى تسبب لك الإزعاج وربما الأذى، فإياك أن ترفعي الشكوى بدعاء ضار له لأنها إن اعتلت إلى باب السماء،  أصابه شؤم العقوق ونزلت به العقوبة التي هي عقوبة لك!

بل أتقني فنون التربية واقرأي في مكتبة الإسلام التي تلقنك أفضل النصائح للتعامل مع هذا العود الفتي فينشأ في استقامة ويبصر الأهداف السامية التي ربيته عليها لينالك أجر تنشئته على طريق الصالحين.

حينما أقول صغيرك فأنا أقصد الذكر والأنثى، سواء كان ولدا أو بنتا فإياك والتفضيل بينهما، فإنما هو رزق من الله وهل جزاءه إلا الشكر والإحسان والامتنان.

إن أطفالنا أمانة في أعناقنا، لسنا من حدد عددهم ولا من عيّن جنسهم ولا من قرر متى يأتون، إنهم منذ خلق الله الخلق قد قرر مصيرهم ورزقهم وفي أي بيت سيولدون، لهذا لا تخوضي كثيرا في تفاصيل لا تضر ولاتنفع ولا تنجري لمشاعر الحزن إن حرمت الطفل أو إن حرمت الذكر أو كذا الأنثى، بل ارضي بما قسمه الله لك وأنت موقنة أن ما عند الله خير وأبقى.

جميل أن تتقاسمي لحظات أمومتك مع أمهات أخريات وأطفالهم وتستفيدوا جميعا من مشاهداتكن وتجاربكن مع صغاركن، وإن كان طباع الصغار تختلف من بيت لبيت إلا أن الزيارات والاختلاط يحفز الطفل على توسيع مداركه وتطوير ملكة العلاقات الاجتماعية ويدرك أن العالم أكبر من أسرته الصغيرة.

الحياة رحلة تعليم مهما طال زمنها فاجعلي مهمتك تعليم طفلك كل ما يحتاجه في مسيرته ولا ينساه لك إن غبت يوما عنه واستمر وحده، ولهذا مهمتك الأساسية ترسيخ عقيدة التوحيد في قلب صغيرك قبل أي شيء آخر، رسخي فيه حب خالقه وحب نبيّه صلى الله عليه وسلم وحب القرآن، علميه سيرة الصحابة والتابعين والأبطال في تاريخ الإسلام بصيغة القصص المحببة والمناسبة لدرجة استيعاب صغيرك،

ثم لا يفوتك تعليمه الأخلاق والأدب وحسن التعامل مع من حوله.

ليألف القراءة من عمر صغيرة ، عوديه على أن يفتح الكتاب ويبحث فيه ، ربيه على احترام العلم والشغف به! هنا تكونني أورثت ابنك سرا من أسرار التميز والنجاح والتحصيل الأفضل.

تتباين طاقات أطفالنا من صغير لأصغر ومن ذكر إلى أنثى فلا تطالبي صغيرك بأكثر من طاقته ولا تطلبي منه أن يكون خارقا ! بل قيمي طاقاته ووظفيها في ما يحسن ويعود عليه بالخير .

لم أر أفضل من تحفيظ الصغير القرآن في سنواته الأولى، ذلك أن الحفظ على الصغر كالنقش على الحجر وإن شبّ وكبر سيجد نفسه يمتلك أثمن كنز في قلبه وقد حقق أعظم إنجاز، إنه حفظ كتاب الله فيستقبل الحياة بقلب تملأه السكينة والتقوى والخشية من الله سبحانه، فلا تتواني في تحقيق هذا الإنجاز لصغيرك ولا يهمك الروتين التعليمي الذي دأب عليه الناس من حولك، فإن صغيرك في النهاية أمانة في عنقك أنت! وقد شاهدت صغارا حفظوا القرآن في عمر السابعة والثامنة ما يعني أن أمامهم سفر طويل إن شاء الله لتلقي باقي العلوم، ولا أشك لحظة واحدة أن تحقيق هذا الإنجاز سيكون ممكنا إن جعلته أولى أولوياتك في التعليم! ولن تعدمي سبل تحقيق ذلك في محيطك إن بحثتِ.

أشجعك على حفظ القرآن ولكنه لا يعني أن ابنك سيكون عالما أو مستقيما بشكل جازم، فإنما الهداية من عند الله وإنما علينا أن نبذل ونجتهد ونحتسب وندعو الله أن يمن علينا بذرية صالحة، لهذا فلا تندهشي إن فاجأك صغيرك بامتهان الكذب أو بتغير في السلوك أو في استعمال كلمات نابية ذلك أنه في وسط يكثر عليه فيه النوافذ التي يتلقى منها المعلومة ، فقد تكون نافذة سوء فتحت له، أو تعلم ذلك من رفقة سيئة، فكوني المربية الذكية، واستوعبي هذه الثغرات بحسن تربية وإرشاد وبتدارك ، وإياك والاحباط أو المسارعة في إعلان الفشل، لأنك ستفرحين بالنتائج الرائعة مع حسن المثابرة والفطنة المستمرة.

ليست كل الأسر في جو عائلي مستقر فقد ينشأ صغيرك في وحدة أو في حالة انفصال للوالدين أو قد يعيش في جو مشحون بالتوتر والمشاكل، فعليك أن تقويه ، تحدثيه وتعلميه كي لا ينهزم ولا يتراجع أو يكتئب، علميه الصبر والجلدة والمصابرة والاجتهاد والشجاعة والإقدام، معاني كثيرة سامية عليك أن ترسخيها في ذهن صغيرك.

وكم سيكون جميلا أن تحكي له قصة الإسلام منذ بدايتها وقصة أمتنا المكلومة بتفاصيلها البسيطة كي يدرك أن على عاتقه يقع واجب نصرتها، فيرسم في مخيلته مشاهد البطولة الفذّة ويسعى لتحقيقها خير من بطولات الأفلام الزائفة أو الخيال بلا عنوان!

أجد الحديث عن الأمومة يثير الأشجان ويدفع بالقلم للسيلان، ولاشك أنها زاوية تحتاج لتفصيل وإسهاب وربما لسفر خاص بها لا جزء من كتاب موجه للمرأة ولكنني حاولت في هذه السطور أن ألخص لك أهم ماعليك العناية به في وظيفتك الراقية! الأمومة .

لا تنسي أن تحمدي الله على هذه النعمة وأن تسطري لنفسك برنامجا يسمح لك بتوفير الطاقة اللازمة للوقوف على ثغرك، حتى تنعمي بنتائج مثابرتك وتهدي فلذة كبدك ألبوم ذكريات رائعة تشد أزره وتحرضه للعطاء والتميز وتخلق السعادة والاطمئنان في صدره فيدعو لك عن ظهر قلب.

ثم إن الدعاء الصالح لهو من خير ما تحفظين به غزلك، فادعي لصغيرك في السجود ومواقف الإجابة وفي كل وقت إنابة.

أسأل الله أن يقر عينك بذريتك ويقر عيون المسلمين بهم ويجعل أجيالا تتربى اليوم في أكنافنا خير جيل  تنتظره أمته.

 

 

220

الكاتب

د. ليلى حمدان

كاتبة وباحثة في قضايا الفكر الإسلامي، شغوفٌة بالإعلام وصناعة الوعي، صدر لي ستة كُتب حتى الآن (نجوم على الطريق، وصفحات من دفتر الالتزام، وإليكِ أنتِ، وقبس من خاطر، وأمريكا التي رأيت، وقراءات مختصرات).

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
مشاركة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.