منذ تلك اللحظة التي صدع بها الرسول صلى الله عليه وسلم بالإسلام، كان من الطبيعي أن يختار هؤلاء الذين استكبروا عداوة الإسلام، إذ أن انتصار الإسلام نتيجته الطبيعية إحلال مجتمع الجاهلية القائم على الاستكبار، بمجتمع الرشد المسلم. وعلى الرغم من انتصار الإسلام، إلا من حين إلى آخر كان يظهر من بين ظهراني المسلمين من يتبنى تصورات الجاهلية، عن جهل أو عن سوء نية، ثم يعمل على إحلال هذه التصورات المنحرفة محل تصورات الإسلام، وأول هذه التصورات المنحرفة الاستكبار في الأرض، والتي تولد عنها دائمًا الاستبداد السياسي الذي تسبب في هدر موارد المسلمين وتخلفهم.

وقد أظهر التاريخ أنه مهما أعتمد الاستبداد السياسي في المجتمع المسلم، على القوة الباطشة والدعم الأجنبي، فإن القوة الذاتية في الإسلام قادرة على حصار هذا الاستبداد وهزيمته في النهاية. ولذلك فإن كثير من المستبدين يلجئون إلى استراتيجية مخادعة، وعوضًا عن الدخول في صدام مكشوف مع الإسلام، يعملون على تدليس التصورات الإسلامية في أذهان الشعوب، من خلال الترويج للتصورات الجاهلية بدعوى تجديد الدين. ولقد شهد التاريخ الإسلامي عدد من هذه المحاولات انتهت إلى فشل ذريع، وكانت نتيجتها الوحيدة أن أكدت أن انتصار الإسلام حتمي مهما كاد له خصومه.

المأمون العباسي ومسألة خلق القرآن

لعل المأمون العباسي هو أول هؤلاء المستبدين الذي زعم أنه مجدد للدين، وإن كان زعمه بالفعل وليس بالقول. فمنذ أول يوم جلس فيه المأمون على كرسي الخلافة وهو يشعر بأنه غير آمن في كرسيه هذا، وكان قد وصل إليه فوق جثة أخيه الأمين، بعدما قاد تمردًا شعوبيًا فارسيًا ضد الخلافة.

وحتى يطمئن على عرشه، فإنه أتبع السياسة الفرعونية القديمة بأن يجعل قومه شيعًا، فقرب الفرس وأبعد العرب، فلما أظهر بني العباس الغضب على سياسته تلك، قام بتنصيب علي بن موسى العلوي وليًا للعهد، مُلوِّحًا لهم بأن يخرج الخلافة من بيت العباس إلى بيت علي، ولكنه لم يحسب حساب رد فعل العباسيين، الذين قاموا بخلعه أثناء وجوده في خراسان، وبايعوا إبراهيم بن المهدي خليفه في بغداد. ولما خرج، أو أُخرجَ، على بن موسى الرضا من مسرح الأحداث بالوفاة، أستطاع المأمون أن يقمع ثورة بغداد ويعود إلى عرش الخلافة. أدرك المأمون يومئذ، أن سياسة التفرقة القائمة على العصبية الشعوبية أو الطائفية عظيمة الكلفة خطيرة التهديد، فأراد أن يشغل الأمة عنه وعن جرائمه، فكانت مسألة خلق القرآن.

ادعى المأمون يومئذ أنه أراد أن يحمل الناس على صحيح الدين، ففرض على الناس القول بخلق القرآن، وقرب منه جماعة من سفهاء المعتزلة الذين لا قيمة فكرية لهم ولا قامة لهم بين جماعتهم، وعلى رأسهم أحمد بن أبي داؤود. ثم فرض المأمون المحنة على الناس، في البداية أمتحن موظفي الدولة في عقيدتهم، فمن قال بخلق القرآن بقي في وظيفته، ومن رفض هذه العقيدة طرد من وظيفته، ثم توسع في المحنة ليمتحن القضاة والفقهاء وأئمة المساجد، وأمر بمنع من يرفض القول بخلق القرآن من الجلوس للتدريس أو الفتوى أو القضاء، ثم أمر بتعذيب من يرفض القول بخلق القرآن. وفي رسائله التي كان يرسلها تحمل أوامره إلى القائمين على امتحان الناس، أو لتقرأ على هؤلاء الذين سوف يخضعون للمحنة، تجد المأمون يقدم نفسه بأنه ممثل الله على الأرض، في ادعاء لا يقل كذبًا ووقاحة عن ادعاء فرعون ونمرود الألوهية.

كان ممن امتُحن، فرفض القول بخلق القرآن، أحمد بن حنبل، وعلى الرغم من التعذيب، الذي بلغ حد أن حمل ليقتل، فإن أحمد بن حنبل ظل ثابتًا يأبى أن يخضع لهؤلاء المبتدعة، واحسبه يومئذ قد فطن لنتائج بدعة خلق القرآن، فكل مخلوق مصيره الموت والفناء، فإذا كان القرآن مخلوق، فمصيره الفناء، فتبطل أحكامه، ويصبح الطاغية بلا حاكم ولا قيد شرعي، بل يغدو هو نفسه الشرع، أليس هو ممثل الله على الأرض؟ ولعل هذا التصور المرعب قد دار في خيال ابن حنبل يومئذ، فجعله في دفاعه عن دين الله ثابتًا كما الطود، حتى تزلزلت البدعة نفسها أمام ثباته، قبل أن تضمحل رويدا رويدا ثم تنتهي في عصر الخليفة المتوكل، وتصبح مجرد قصة تاريخية عن محاولة أخرى فاشلة من محاولات الطغاة والمستبدين السطو على هذا الدين بدعوى تجديده.

بورقيبة وصيام رمضان

على الرغم أن الجهاد التونسي ضد الاستعمار الفرنسي قد خرج من رحاب جامع الزيتونة، وتصدره علماء المسلمين مثل عبد العزيز الثعالبي. إلا أن الاستعمار الفرنسي عندما حانت لحظة رحيله الإجباري، كان قد مهد الطريق لتسليم تونس إلى الحبيب بورقيبة، صديق فرنسا، كما كان ينعت في الدوائر الاستعمارية الفرنسية كما ذكر مؤرخ سيرته الذاتية الفرنسي بيير آلبين مارتل، وقد مثل صديق فرنسا منذ تربع على عرش تونس نموذج الطاغية العلماني التغريبي الذي يفضله الغرب.

وعلى الرغم من الهالة التي يصنعها حوله مريدوه، فيقدموه في كتابتهم كمثقف ومفكر، إلا إن بورقيبة لم تتجاوز مصادر ثقافته الكتابات الصحفية، أو الخطابات السياسية التي اعتاد بعض السياسيين المهاجرين في فرنسا إلقاءها في المقاهي. وكصديق أصيل لفرنسا، فإنه قام بما لم تجرأ عليه فرنسا نفسها، فافتتح عهده بإغلاق جامع الزيتونة، معقل الفكر الإسلامي التجديدي، ثم قرر أن يقدم نفسه للتونسيين كمفكر إسلامي، وهو من أعلن نفسه علماني في الوقت ذاته، إلى جانب الألقاب التي أغدقها على نفسه أو أغدقها عليه دراويشه مثل المجاهد الأكبر، وباني تونس الحديثة وما إلى ذلك من ألقاب تذكرك بقول الشاعر أبي البقاء الرندي: “ألقاب مملكة في غير موضعها  كالقط يحكي انتفاخًا صولة الأسد.”

وكمفكر إسلامي، وطاغية علماني في آن واحد، راح يعلن على الشعب التونسي أنه يسعى إلى تجديد الدين حتى يتماشى مع العصر، وتفتق ذهن بورقيبة إلى أن ما يحول دون تقدم تونس هو الصيام، فخرج على شاشات التلفاز في حادثة مشهورة وقعت عام 1962، وأفتى الناس بأن الصيام يعطل الإنتاج وهو ما يوجب الإفطار في رمضان، على أن يقضي المفطر ما أفطره بعد التقاعد!! وكان قد دُعِي يومئذ الطاهر بن عاشور، أخر عميد للزيتونة، وعبد العزيز الجعيط، مفتي تونس، حتى يؤمنا على بدعته أمام جمهور المشاهدين، إلا أن الشيخين رفضا الرضوخ له، وأعلنا على الشاشة، وأمام بورقيبة نفسه، أن الصيام من المعلوم من الدين بالضرورة، وإنه لا يجوز إفطاره إلا لذي عذر نص عليه القرآن، ولا عذر لمن ترك صيامه بسبب العمل.

وعلى الرغم من هذا الفشل الذريع للمشروع التجديدي العلماني، وما أتبع ذلك من اتساع الهوة بين بورقيبة والزيتونيين، إلا أن بورقيبة استمر في اجتهاداته التجديدية، ففي عام 1964، طلب من التونسيين التوقف عن الحج والعمرة لما فيه من إهدار للعملة الصعبة، والاستعاضة عن هذه الشعيرة بزيارة قبور الأولياء والصالحين!! أما آخر اجتهاداته، فكان أن أكتشف أن الحجاب ليس من الدين، وسن قانون يلزم المسلمات التونسيات بعدم ارتداء الحجاب.

هل يذكرك مشروع بورقيبة التجديد بأمر ما، عزيزي القارئ؟؟

امنع النقاب

مفهوم التجديد الإسلامي

مفهوم “تجديد الدين” مفهوم إسلامي أصيل، فلا زال المسلمون يحدثون بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم “إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا” [أخرجه أبو داوود]. والتجديد في اللغة من “جَدَدَ” أي جعل القديم جديدًا، فتجديد الدين لا يعني انتحال دين جديد كما يفعل علماء السلاطين، بل يعني رد الإسلام لمكانته الطبيعية كمنهاج حياة للمسلمين، وإزاحة أي منهاج آخر يزاحم الإسلام في هذه الوظيفة.

وعلى مدار تاريخ الإسلام، أهمل المسلمون بعض جوانب الإسلام، الشرعية أو الحضارية، وكانت النتيجة الطبيعية أن ينفذ العدو إلى الإسلام من تلك الثغرات التي نسيها المسلمون. وفي كل مرة كان يبرز فيها تحدٍ على هذا النحو، كان يظهر من يجدد الدين، ويعيده إلى مكانته في حياة المسلمين، ويسد الثغرة التي نفذ منها العدو. وتعددت مشروعات التجديد بتعدد التحديات التي واجهت المسلمين. فكان مشروع أبي حامد الغزالي مشروعًا ثقافيًا معرفيًا يهدف إلى تنقيه الفكر الإسلامي مما علق به من الفلسفات الوثنية في زمانه، وكان مشروع ابن تيمية وتلميذه ابن القيم الانتصار للسنة ومحاربة البدعة التي طغت على المجتمع الإسلامي يومئذ، وكان مشروع العز بن عبد السلام مشروعًا سياسيًا هدفه إيقاظ الأمة وتوحيدها في مواجهة العدوان الصليبي/المغولي.

الخطاب الزائف لتجديد الدين

ففي الإسلام ليس ثمة مؤسسة دينيه، ولكن الفكر الإسلامي هو نتاج المسلمين العاديين الذين يحاولون دراسة الدين وفهمه في أطره الشرعية، وهذا ما يمنح الإسلام ديناميكية ثقافية واجتماعية قادرة دائمًا على تطوير مشروعه التجديدي في مواجهة التحديات التي تفرض عليه. أما خطاب التجديد الديني الزائف، الذي صُنِع من أجل تحقيق أهداف لا تَمُتّ بصلة للإسلام أو الأمة الإسلامية، فهو خطاب غير قادر على استيعاب الأمة الإسلامية لأنه لا يمثلها، ويسعى إلى إضعاف الإسلام وعزله عن المجتمع، من خلال تنصيب المستبد «بابا» للمسلمين يحاد الله ورسوله بتصورات تضاد تصورات الإسلام، ومصيره الفشل دائمًا، كما ثبت من التجارب التاريخية، إذ أنه يعمل عكس سنن التاريخ القاضية محاولًا إحياء قيم مجتمعات الجاهلية التي درست، وتمكينها من مجتمع الإسلام.

1173

الكاتب

د. وسام عبده

أكاديمي وكاتب ومترجم من مصر

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.