بين ركام الحضارات الجاهلية التي انطفأت فيها أنوار النبوات، أشرقت شمس الرسالة الخاتمة، على نبيها الصلاة والسلام، لتبعث الروح في قبضة الطين من جديد، وترتفع بالكائن البشري إلى معالي الاهتمامات، وتلفت فكره إلى معارف غابت عن إدراكه، وفصل بينه وبينها غشاء تسلط عليه الجبابرة حتى ملكوا العباد وساموهم عذاب العبودية، وسلطوا عليهم أنواع الخرافات حتى ابتُذِل الإنسان وهوى إلى المستنقع الآسن، تتلاطمه الأصنام والاعتقادات والأوهام، وكانت هذه الحضارات تسخر الجماهير كوقود لتشييد المباني الشاهقة، تُشيَّد فوق أطنان من العظام والجماجم التي يسحقها الكدح في طريق صناعة يحصد مجدها صاحب القصر والسلطان، كما سخر الإنسان طاقته العقلية في كل وادٍ ما عدا أهم قضية، قضية الخلق والخالق ورسالة الوجود.

بين هذا الركام، كله أشرقت أنوار النبوة الخاتمة، فكانت في العرب وللبشر كافة. والعرب قوم لم يفقهوا في الصناعة فقه روما، ولا في التقدم التقني تقدم فارس ولا الصين ولا الهند، لكنهم -وبعد أن فاض عليهم هدى الإسلام- فقهوا ما لم تدركه بقية الحضارات، وآن لها أن تدركه، وتلقوا عن نبيهم آخر إرسال من وحي السماء، وتفتحت بصائرهم على عالم فياض ينبض في الوجدان ويخاطب الأرواح والقلوب، حتى ارتفعت هذه الأرواح من التعلق بقبضة الطين والشهوات الملازمة لها ومغريات المادة والمطامع الدنيئة والجاهلية المظلمة، إلى معالي الكمال الإنساني، وأشرف المطالب، ونور المعارف الدافقة بين سور الكتاب الحكيم.

فعاد المسلم منهم يقف على منتجات الجاهلية، فيسخر من بريقها، ويزهد في تعظيمها، ويراها متاعًا يؤول للفناء، وشاغلًا عن القضية المركزية للوجود البشري، ألا وهي العبودية، يقول إقبال:

كنا نرى الأصنام مـن ذهـب **** فنهدمهـا ونهـدم فوقها الكفـارا

لو كان غير المسلمين لحازهـا **** كنزا وصاغ الحلي و الدينـارا

العبودية بمعناها الشامل التي تشمل كل الحركات والسكنات، العبودية التي تحرر الإنسان من تجاذب الجبابرة الذين يسترقون البشر ويمتهنون فيهم خصائصهم التي كرمهم ربهم بها، عبادة الله وتفريده بالوحدانية التي تلغي كل منازع ينازع العباد من خضوع لأصنام وشرود وراء فلسفات، فتتحول المادة إلى وسيلة لتحقيق مراد الله، لا تعدو قيمتها أنها تأتي في الطريق الذي لا يتم الواجب إلا به، فلا تعتبر غاية في ذاتها، إنما وسيلة لتحقيق غيرها من المطالب في سياق نفس الخط المتناسق من تحقيق العبودية لله.

الأمر الذي كان غريبًا على ضمير البشرية، ولم تفهمه العقول التي ران عليها الركام حتى طمس معالم الفطرة الكريمة، وهو النور الذي حمله المسلمون إلى بقية الأمم، واستبسلوا في تبليغه، لا لمكاسب دنيوية أو لمآرب مادية، وإنما إشفاقًا على شعوب غارقة في التيه حيث لا عدالة ولا مساواة ولا معيار، حملوه ودقوا به أسوارًا يحكمها منطق القوة، ويساوي فيها بين الفقير والعاجز وبين الحيوان، وتكون فيه المرأة متاعًا يورَّث مع المتاع، حتى أخضع المسلمون الجبابرة للنزول والتحاكم لنفس المعيار الذي يتحاكم إليه بقية البشر، حيث يستوي الغني والفقير، والحاكم والمحكوم، والقوي والعاجز، أمام تشريع الخالق الواحد الرحيم بعباده، فكانت رسالة الإسلام هي القيم، القيم المتعالية على المدنية بمفهومها اللاديني، والتقدم المادي الذي يُشيَّد على حساب الارتكاس البشري، القيمة التي تضع كل معنى في حدود حقيقته؛ فلا يعتريه الغلو الذي يصبح معه صانع الآلة عبدًا لها، كما كان صانع الصنم عبدًا له.

ما هي المساهمة الحضارية التي يمكن أن يقدمها الإسلام للعالم؟ 3

واليوم، وقد شيدت المدنية الحديثة صروحًا من المباني الشاهقة، وأصبح التقدم التقني أحد معالم تميز الغرب صناعة وتوظيفًا، وقد توالت الاكتشافات الطبيعية والتحويلية، وسخر الإنسان المادة وحولها وصاغها مصنوعات أغرقت العالم بما يتدفق من المصانع، حتى عادت الشركات الكبرى في سباق حول المواد الأولية ونسبة التصنيع، وحين لا توجد هذه المواد تتحرك الشركات بجحافل الجيوش لتستجلبها من دول أخرى بطريقة استعمارية، وإن كلف هذا دمار البلدان وإبادة البشر واستغلال حق بقية الأمم واستنزاف الثروات الطبيعية، وتزييف الحقائق وتغييب وعي الشعوب. وبعد وفرة الإنتاج، لا بد لهذه الشركات الاستعمارية من جيوش من الحرفاء الذين يستهلكون منتجاتها، بالتالي تصبح الجماهير مستهدفة في عملية الدعاية التي يُسخَّر فيها كل ما يمكن من أدوات الإقناع لتحريك ميول ورغبات وعواطف الحرفاء، بل تتدنى قيمة الفرد إلى قيمة ما يستهلكه وما يرتديه؛ فتصبح نفسية الجماهير وفطرتها لعبة يتلاعب بها علماء علم النفس التسويقي لصالح رؤوس الأموال، وتصبح المرأة سلعة ترويجية وتسويقية وأداة كبقية الأدوات، تُمتهن بين المنتج والمستهلك، تُعرض في الشاشات وعلى حافة الطرقات، وتُسلب كرامتها مقابل بضع دولارات.

واليوم وقد حكم الرجل الأبيض وفرض حكمه على بقية المعمورة، وأعلى صنم الديمقراطية التي بنى لها المعابد في كافة الدول، وأرغم الحكام إما أن يكونوا في صفه ويحسنوا ما يحسن ويقبحوا ما يقبح، وإما أن يكونوا من المنبوذين الخارجين على الطاعة. وقربان الولاء هو دخول معابد الديمقراطية وممارسة طقوسها والاعتراف برهبانها وتعاليمها والتزام شرائعها، والوقوف صفًا واحدًا مع جيوش المدنية اللادينية الحديثة، الوقوف معهم وإن اجتاحوا المقدسات، وإن اغتالوا العلماء، وإن قصفوا الأطفال في مدارس القرآن، وإن دعموا الانقلابات الوحشية وساندوا المحارق الجماعية التي شاهدها العالم على الشاشات العربية، وإن سلبوا الثروات وتباهوا بسلبها وتداعوا لاستباحتها.

واليوم، يقف الإسلام أمام ما وقف أمامه حين كانت بقية الأمم في حضيض المادية وتوهان الخرافات وتسلط منطق القوة الغاشم، يقف أمام واقع استُعبِدت فيه الشعوب في مقابل فتح باب الشهوات على مصراعيه، لتنتكس فطرة الإنسان النقية في طريق عبث الجبابرة، وتشريع هذا العبث وإعلاء قيمته في المحافل الدولية، وتحريف المفاهيم حتى تغوص الحرية في مستنقع الشذوذ، بينما لا تشمل الحرية العفاف والالتزام بالشرائع الإلهية؛ لأنها محكومة في هذه المدنية بالتخلف والرجعية والعداء الذي يمر إلى جبره عبر القوانين الوضعية المحلية.

فكيف والعالم يتمرغ في هذا المستنقع الآسن من الأوحال، نقول نحن إن الحل هو المدنية بمفاهيمها الغربية، كيف والأمم اليوم تشكو من اغترابها عن معنى الإنسان، نأتي نحن ونقول إن الغرب يعيش معجزة المدنية الحديثة ونسوغ كل هذا الشذوذ ونلبسه لباس العفة والاتزان، وننادي به كملجأ، ويصبح التغريب هو الغاية والقضية؟ كيف نبرر مجازرهم وطغيانهم ونهبهم ونقول: لا يهم؛ فلا يجوز التركيز على سلة المهملات الصغيرة داخل القصر البديع؟

ما هي المساهمة الحضارية التي يمكن أن يقدمها الإسلام للعالم؟ 5

فإذا كان القصر قد شيد على جماجم الأبرياء وأعراض الحرائر وصراخ المستنجدين، كيف نغلق أذاننا ولا نسمع أنات المستضعفين، تحت الركام مستغيثين، وندفع قومنا للتمتع بسماع ألحان سمفونية القصر الصاخبة، سمفونية تسحر الأذان والعقول وتغيبها عما يشهده القصر من اهتزازات تسبق السقوط؟ كيف ندفع بقومنا وندعوهم إلى دخول هذا المبنى الكبير الآيل إلى الانهيار ولو بعد حين، ونقول هذا هو سبيل المجد والتمكين؟

إن العالم اليوم لا ينتظر من المسلمين أن يقدموا حضارة صناعية، وإن كان الإسلام يحمل روح الاكتشاف والاختراع التي هي عبادة تشمل كل إبداع وتحث عليه، وما كان للحضارة المادية الحديثة أن تكون لولا أنها انطلقت من حيث وصل أعلام علماء المسلمين، ولا ينتظر منهم أن يكونوا مبررين لبشاعات الديمقراطية التي تخدع الجماهير بشعارات العدالة والمساواة، بينما هي وسيلة لنشر الوهم واحتلال البلدان، ولا أن نلبس قيمهم المشوهة لباس الإسلام ونقول لا فرق بينها وبين الشورى التي تفترض العلم والدراية والشهادة بالعدل والتجرد، لنقول هي ذاتها ما يحدث اليوم من تلاعب رؤوس الأموال بالشبكات الإعلامية والدعائية الانتخابية التي تحدد من خلالها من سيحكم ومن سيسهر على ضمان مواصلة خداع الجماهير، وحين تفشل الدعاية فالانقلابات والحروب هي الحل. وننصب المقارنات بين منهج التوحيد الذي ينبني على لا اله إلا الله أصالة، ونندفع متحمسين وندفع شعوبنا إلى الارتماء داخل مستنقع الوحل تاركين النبع الصافي الذي لا نجاة في الآخرة ولا بركة في الدنيا إلا لمن ورده وارتوى من معينه.

إن البشرية اليوم تنتظر من المسلمين أن يخرجوها من شقوتها وعذابها وتخبطها، وأن يعيدوا للعباد القيم التي تسعى الجاهلية المعاصرة إلى تغييبها؛ ليعود للعالم رشده، وللفطرة بريقها، وللإنسان دوره الفريد في هذه الحياة.

إن لواء التحرر ينتظر المسلمين كي يحملوه كما حملوه أول مرة؛ ليحرروا العباد من عبادة العباد والمادة، إلى عبادة رب العباد وخالق المادة، وأن يُخرجوهم من جور الأصنام والخرافات الحديثة، إلى عدل السلام ورحمة دين الفطرة.

182

الكاتب

مؤمن سحنون

أرجو أن أكون من الساعين لأن ننال يوما الحرية، الحرية بمعناها الشامل لأمة تعرف رسالتها.

التعليقات

  • ياسر منذ شهرين

    يا ليت الاسلام يعود كما كان
    جميع قادة العرب فاسدين وعملة الا من رحم ربي يظهرون جزو من الحقيقة فقط

    رد

    اترك تعليقًا

    *
    *

    موضوعات ذات صلة
    مشاركة
    القائمة البريدية

    اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.