البدايات.. 28 فيبراير 1931

في مدينةٍ من مدن الأطلس الصحراوي العتيقة؛ التي تجاوزت قدسيّتهُا حيز الزمان والمكان، والتي تحكي حكايات الفتوحات الإسلامية المجيدة، في البلاد التي فتحها عُقبةُ بن نافعٍ الفهريِّ القرشي رضي الله عنه، والتي سُميّت باسمه؛ مدينة سيدي عُقبة، مدينة العلم والدين والأدب.. هناك وُلد الشيخ المُجاهد عباسي مدني رحمه الله.

وُلد إبّان الاحتلال الفرنسي للجزائر، تربّى على الدين والأدب داخل بيتٍ جدرانه أسوارٌ للعلم والمعرفة؛ فأبوه شيخٌ وإمامٌ ومُدرّسٌ تعلم على يديه ابنه حتى بلغ السادسة عشرة لينتقل بعدها في رحلة الارتقاء الروحي والمعرفيّ ويُكمل تعليمه في مجالس الشيخ نعيمٍ النعيمي، وبين دروسِ أبيه ودروسِ شيخِه رسخ في ذهنه اعتقادٌ سيكونُ مبدأً يرتكِزُ عليه في نضاله من أجل استقلال الجزائر، وترتكزُ عليه الثورة الجزائرية ككل، مبدأٌ يقول أن ما أُخِذ بالقوة لا يُستردُّ إلا بالقوة، وأن بأسَ السيف لا يُردُّ بكلمة، وأنّ الجهاد في سبيل الله ثم الموت في سبيله لهو نعمةٌ من نعمِ الله التي لا يُفْرِغها إلّا على عباده المُصطفَين!

وُجوبُ خروج فرنسا من الجزائر كان اعتقادًا لدى فئةٍ قليلةٍ لدى الشعب الجزائري، فقد عمِلت فرنسا على تمييع الشعبِ الجزائري بتدمير المساجد ومراكز التعليم الديني كالزوايا وحولتها إلى مستودعاتٍ للأسلحة أو إسطبلاتٍ للأحصنة، وفي المقابل نشرت المدنية الغربية بكل ما فيها من دياثةٍ وخُبثٍ واعتمدت على العديد من المنهجيات لِفَرْنسة الشعب الجزائريّ، فبنت دور السينما وملاهي الفجور والمجون كما عبثت بالمناهج الدراسية.

ومن بين الفئة التي كانت تؤمِن بِلزوم خروج فرنسا من الجزائر فئةٌ أقلُّ عددًا هي التي آمنت بلزوم الكفاح المسلح، فكثيرون هم من تبنَّوا فِكر مصالي الحاج الذي يقول أن الحل هو حلٌّ سياسيٌّ؛ مقاومةٌ سياسيّةٌ تعتمد على الانتخابات والفوز بالكراسي ثم الإصلاح من الدّاخل، وقلةٌ هم من اختاروا لغةَ البارود والرشاش ومن بينهم كان الشيخ المجاهد عباسي مدني رحمه الله.

الفاتح من نوفمبر  1954.. عبّاسي مدني في ليلة اندلاع الثورة

بعدما أُطلقت أول رصاصةٍ في جبال الأوراس، وُكِّل الشيخ المجاهد عباسي مدني – رحمه الله – بمهمة تفجير أول قنبلةٍ في مقر الإذاعة الفرنسية، ولكن العملية فشلت، وجرى اعتقال الشيخ المجاهد عباسي مدني رحمه الله والزج به في السجن لمدة سبع سنواتٍ متواصلة، عُذّب فيها عذابًا شديدًا إلى أن أُفرج عنه بعدما نالت الجزائر استقلالها. 

5 يوليو 1962.. الجزائر تنال استقلالها، وعباسي مدني ينال حريته

مرّت سبع سنواتٍ منذ اندلاع ثورةِ التحرير، وسبع سنواتٍ منذ دخول الشيخ المجاهد عباسي مدني السجن، نالت الجزائر استقلالها بعد حرب التحرير وأُطلِق سراح المُجاهدين الذين اعتُقلوا إبّان الثورة أو قبلها، ومن بينهم الشيخ المُجاهد عبّاسي مدني.

بعد نيلهِ لحُريتهِ إختار أن يُواصل دراسته، تحصَّل على ليسانس في الفلسفة ثم واصل الدراسات العليا حتى الدكتوراة في التربية المُقارنة، ثم توجّه إلى بريطانيا ليُواصل دراسته حيث تحصَّل على دكتوراةٍ في مادّة التربية وعاد إلى الجزائر لِينخرط في العمل السيّاسي.

اختار الانضمام إلى صُفوفِ الحزبِ الحاكم، حزب جبهة التحرير الوطني، وانتُخبِ في المجلس الشعبي الولائيّ لولاية الجزائر، ولكنه أدرك أن حزب جبهة التّحرير قد حاد عن مبادئه، وأن ما اندلعت الثّورةُ من أجله لم يُنفذ، فثورةُ الجزائر كانت ثورةً إسلاميةً بكل ما تحمله الكلمة من معانٍ؛كان المُجاهِد يُجاهد في سبيل الله والإسلام ثم الوطن، ولكن حلم الدولة النوفمبرية الباديسية قد اغتُصِب بعد الاستقلال؛ فحِزب جبهة التحرير قد فتح الباب للعلمانيين والمُتفرنسين واليساريين، بل وأفرغت لهمُ السّاحة السياسية حتى وصلوا إلى مناصبَ حساسةٍ في مؤسسات الدّولة، حتى في المؤسسة العسكرية.

لأنه كان يعلم أن إحياء الخلافة الإسلامية وتأسيس دولة الإسلام من جديدٍ على أنقاض الدول التي دمرها الاستعمار الغربي هو واجبٌ على كُلّ مسلمٍ أن يُناضل من أجله، ولأنه كان يُؤمنُ أن الشعوب حُرةٌ، فإذا أرادت تغيير النظام فهي حرةٌ في فعل ذلك، ولها الحق في تغيير القوانين، بل لها الحق في تغيير الدستور كامِلًا؛ فالنّظام خاضعٌ للشعب وليس الشعبُ خاضعًا للنظام، قرّر إنشاء حزب الجبهة؛ الجبهة الإسلامية للإنقاذ، وعلى هذه المبادئ ارتكزَ حزبه، وفي سبيلها ناضل وسُجِنَ ونُفيَ.

12 سبتمبر 1989.. تأسيس حزب الجبهة الإسلامية للإنقاذ

بعد أحداث أكتوبر 1988، التي تمثلت في مظاهراتٍ شعبيةٍ ضد تدهور حالة البلاد بسبب انخفاض سعر البترول، فبعد أن كان البرميل الواحد بثلاثين دولارًا صار البرميل الواحد بعشرة دولارات، وبسبب انتشارِ الفساد والمحسوبية في عهد الرئيس الشاذلي بن جديد، قررت حكومة مولود حمروش القيام بإصلاحاتٍ جذريةٍ في النظام أبرزها: حرية الرّأي والتعبير واستقلالية الصحافة، الانفتاح السياسي والتعددية الحزبية.

وعلى إثر هذا تأسس حزب الجبهة وانتُخِب الشيخ المجاهد عبّاسي مدني رئيسًا له والشيخ علي بلحاج رفيق دربه نائبًا له، وفي يونيو 1990 دخل أول انتخاباتٍ محليةٍ للمجالس البلدية الولائية وفاز بغالبيةٍ ساحقة؛ 950 مجلسًا بلديًا من أصل 1539، و32 مجلسًا ولائيًا من أصل 48.

عباسي مدني بعد فوز الجبهة بالانتخابات

فوزٌ ساعد في انتشار حزب الجبهة أكثر، ونفعَه زَخمُ النصر وزاد من معنوياته، ولكن الحكومة قررت إجراء تعديلاتٍ على قانون الانتخابات، تعديلاتٌ ارتآها الشعب غير عادلة وكانت لباقي الأحزاب ظالمة، وعلى إثرها قاد حزب الجبهة عصيانًا مدنيًّا ومسيراتٍ سلميةً لم تتوقف إلا بعد أن وافقت الحكومة على إعادة النظر في التعديلات، ومع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية التي بلا شكٍّ كان سيُشارك حزب الجبهة الذي كان منتشيًا بالنصر فيها، اعتُقِل الشيخ المُجاهد عباسي مدني هو ورفيق دربه الشيخ علي بلحاج في 30 جوان 1991 بعدما أرسل وزير الدّفاع آنذاك خالد نزار فرقة مظليين داهمت مقر الجبهة وجرّت الشيخ نحو مخفر الشرطة العسكرية، ثم في 2 جويلية 1991 مثَل أمام المحكمة العسكرية، ولم تُعقد الجلسة من أجل سماع القضية بل هدفها كان الإطاحة بقادة حزب الجبهة.

لم يكن من الجائز قانونًا أن يُحاكم الشيخ عباسي مدني رحمه الله والشيخ علي بلحاج حفظه الله مُحاكمةً عسكريةً، لأن قانون 1963 الذي يفوّض المحكمة العسكرية بالتعامل مع القضايا السيّاسية جرى إلغاؤه بتأسيس محكمة الأمن القومي سنة 1971، ولكن المُحاكمة جرَت لأن الأمر كان بِيَدِ الجنرالات، هم من بيدهم زِمامُ الحكم وهم من أرادوا التخلص من قادة الجبهة.

على الرغم من غياب قادة الجبهة، وعلى الرغم من أمواج الظلم والتضييق التي كانت تلطمه من كل جهة، دخل الحزب الانتخابات التشريعية بقيادة الشهيد عبد القادر حشاني. الانتخابات كانت نزيهة، بل حرص ضُبّاط المُخابرات وأصحاب القرار على غير عادتهم على نزاهتها، فقديمًا كانت تُزَوّر أو “تُصحّح” كما كان معروفًا بين الأوساط المخابراتية، ولكنْ هذه المرة كان الأمر مختلفًا، لأن التوقعات التي قُدّمت لرئيس الجمهورية من طرفٍ من كان يحوم حوله صرّحت بأن حزب الجبهة لن يأخذ أكثر من ثلث المقاعد، وثلثٌ مضمونٌ للحزب الحاكم؛ حزب جبهة التحرير الوطني، وثلثٌ تتقاسمه الأحزاب الأخرى، ولكن وقعت القاصمة، وأخطأت التوقعات التي كانت بين يديّ الحزب الحاكم، وفاز حزب الجبهة الإسلامية في الجولة الأولى بغالبيةٍ ساحقة؛ 188 مقعدًا؛ أي فاز بنسبة 82 بالمئة.

كان المدّعي العام قد أخبر محامي الدّفاع عن عزمه إسقاط التهم ضد قادة الجبهة وإنهاء الإجراءات المتعلقة بها، ولكن الجنرالات كان لهم رأيٌ آخر، وحركوا السفينة بما اشتهت أنفسهم.

كشّر العسكر عن أنيابه وأرغم الجنرالات الرئيس الشاذلي بن جديد على تقديم استقالته، ثمّ أُعلنت حالة الطّوارئ في البلاد وأُوقِف المسار الانتخابي وأُعطِيَ الأمرُ للمدّعي العام بإكمال إجراءات المُحاكمة، فحُوكِم الشيخ المُجاهد عباسي مدني رحمه الله وحكمت عليه المحكمة باثنتي عشرة سنةً سجنًا بتهمة تهديد أمن الدولة والمساس بالاقتصاد الوطني.  

قصة الإنقلاب.. 1992

أيام الاحتلال الفرنسي للجزائر كان ثمَّ جزائريون في الجيوش الفرنسية، بعضهم جُنّد إجباريًّا وفرّ لاحقًا وبعضهم وُلِد لعائلاتٍ مُتفرنسة والْتحق بصفوف الجيش الفرنسي طوعًا.

بعد اندلاعِ ثورةِ التحرير الْتحق العديد من هؤلاء الجزائريين الذين كانوا في صفوفِ الجيش الفرنسي بجيش التحرير، منهم المُخلصون ومنهم دون ذلك، ثَمَّ من فرّ من الجيش الفرنسي قبل اندلاع الثورة، وثَمَّ من فرّ بعد اندلاعها بسنةٍ أو سنتين والْتحق بجيش التحرير، وثَمَّ من فرّ من الجيش الفرنسيّ قُبيل الاستقلال بقليل، قُبيل سنةٍ أو سنتين؛ أي جاهد مع فرنسا حتى آخر رمق.

هؤلاء عُرفوا بالضباط الفارّين من الجيش الفرنسي.

بعد استقلال الجزائر، وُكِّل وزيرُ الدّفاع آنذاك هُوّاري بومدين بمهمة بناء الجيش الوطنيّ الشعبيّ، وارتأى هذا الأخير الاستعانة بهؤلاء الضبّاط الفارّين من الجيش الفرنسيّ بحكم أنّ لهم خبرةً أكبر ولهم رصيدُ معرفةٍ كبيرٌ في ما يتعلق بتجهيز الجيوش والتقنيات العسكرية الحديثة.

طبعًا ثمة من رفض هذه الفكرة، والرّفض كان داخل المؤسسة العسكرية نفسها، ببساطة لم يرتَحْ لهمُ المجاهدون خصوصًا بعد انتشار الشائعات التي تقول أنّ الضّباط لم يفِرُّوا وإنما أرسلهم تشارل ديغول من أجل اختراق الثورة.

ولكنّ فكرةُ هوّاري بومدين كانت بالفعل قد نُفِّذت فوق جثَثِ من عارضها وتسلّم الضّباط مناصبهم ومع الوقت ارتقَوْا في مناصبهم حتى وصلوا إلى مناصبَ حسّاسةٍ في الدّولة، ومنهم خالد نزّار؛ وزيرُ الدّفاع الذي أمر باعتقال عباسي مدني وأحد أبرز المُخطّطين للانقلاب العسكري.

إنّ ضُبّاط فرنسا هم من سجنوا الشيخ المجاهد عبّاسي مدني، وهم من ضغطوا على الرئيس الشّاذليِّ بن جديد ليُقدّم استقالته، وهم من أوقفوا المسار الانتخابي وهم من قادوا انقلاب 1992؛ هم من انقلبوا على إرادة الشعب.

كان هدفهم هو وأد مشروع الدّولة الإسلامية في الجزائر، ولقد قال الجنرال محمد التواتي بنفسه وهو أحد ضُبّاط فرنسا الذين قادوا الانقلاب في مقابلةٍ تلفزيونيةٍ له: “إيقاف المسار الإنتخابي يتعلق بقضية وعي، لقد كُنّا مجموعة من الضبّاط والشخصيات المدنية، لم نكن نرغب في رؤية الجزائر تغرق في نظامٍ ديني”.

ردُّ الجبهة الإسلامية على الانقلاب

في الوقت الذي جرت فيه إقالةُ الرّئيس ثُمّ إيقاف المسار الانتخابيّ كان قادة الجبهة؛ الشيخ المجاهد عبّاسي مدني – رحمه الله – والشيخ علي بلحاج – حفظه الله – في السّجن، ولكنّ الردّ أتى من الشّهيد عبد القادر حشّاني؛ رئيس المكتب التنفيذي للحزب آنذاك، أصدر هذا الأخير بيانًا دعا فيه الشعب إلى اليقظة والحذر ولزوم حماية مشروعه ضدّ من أرادوا له الاندثار، وقد قال في البيان: “استقالةُ الرّئيس غير دستورية وماهي إلّا فصلٌ من مؤامرةٍ شاملةٍ تفسحُ الباب لتنفيذ الجريمة في حق الجزائر والمشروع الإسلامي، وقُبول المجلس الدستوري للاستقالة مؤشّرٌ على أنّ البلاد في قبضة طغمةٍ حاكمةٍ بلا شرعيّة”.

قبل إصدار البيان وقبل الانقلاب نفسه كانت لهذا الشابّ محاولةٌ للتهدئة والتّفاهم مع السّلطة ولنترك الطّالب الإبراهيمي يحكي قصّتها في هذا الفيديو :

العشرية السوداء والشيخ في غياهب السجن

تسارعت الأحداث ودخلت البلاد في عُشريّةٍ سوداءَ يدّعي الكثير من الخُبراء وكثيرٌ ممن عايشها أنّها كانت مدروسةً من طرف قيادة الجيش ومُدبرّة، واعترافات ضابط المُخابرات المُنشق محمد سمراوي في كتابه “الإسلاميون والعسكر” تكفي لشرح هذا الباب، فقد تكلّم كيف كان يلتقي مع زملائه لحفر كهوفٍ وتجهيزِ مخابئَ لم يعلم فائدتها في ذلك الوقت فقد كان يُنَفّذُ الأوامر الآتية من أعلى السّلم، ولكنّ الإرهاب استخدم هذه المخابئ في عُشريّة الدم..

أمّا الشيخ المجاهد عبّاسي مدني فقد كان بين جُدران الزنزانة التي قضى فيها وقتًا طويلًا حتى اعتادت عليه، يهيمُ في هيماءِ الحيرةِ القاسية.. وذات مرّةٍ بينما هو في ساحة السّجن إذا بالحارس يأتيه مُخاطبًا: ثمة من أتى لزيارتك. ذهب الشيخ ليرى من الزّائر وإذا به يجده ضابط مخابراتٍ يعرفه. قال ضابط المخابرات مُتكلّمًا مع الشيخ: لقد انتهى كُلُّ شيء، نُريد منك فقط أن تقول بعض الكلام ثم تكتبه في وثيقةٍ رسميّةٍ وسيتسنّى لك الخُروج. أوجسَ الشّيخ منه ريبةً وشعر أنّ هذا الأمر ليس أخلاقيًّا فقال لضابط المُخابرات: ليس لي كلامٌ معك، أُخرج.

كانت نارُ الحربِ خارج جُدرانِ السّجن مُلتهبة، والشّيخ في خلوته منغمسٌ في التفكير فيما قد تؤول إليه الأمور، يُفكّر في حلٍّ لإنهاء الأزمة، ولهذا كان مُنفتحًا للمفاوضات التي ستجري بينه وبين الرئيس اليمين زروال ووزير الدّفاع خالد نزّار. 

المفاوضات بين الإسلاميين والعسكر.. 1995

بدأت المُفاوضات الحقة بين السّلطة وقادة الجبهة حين بدأ الرّئيس اليمين زروال ووزير الدّفاع خالد نزّار في التردّد على الشيخ المجاهد عبّاسي مدني ورفيق دربه علي بلحاج في السّجن من أجل التفاوض والوصول إلى حلٍّ سلميّ، وبالاتفاق مع المجموعة الكاملة اتفقوا على وجوبِ خُروج بعضهم من السّجن والتوجّه إلى الجبال لمعرفة ما يجري لأنّ قادة الجبهة لم يكونوا مُحيطين بالأوضاع في الجبالِ خارج أسوار السّجن.

وبالفعل، توجّه بعض الإخوة إلى الجبال ولكنّ المُفاوضات فشلت وبحسب ما قاله الشّيخ عبّاسي مدني في مقابلةٍ له مع الجزيرة: “أنّ المُفاوضات فشلت لعدم وجود إرادةٍ حقةٍ من السلطة لإنهاء الحرب وحلّ الأزمة”.

انتهت المُفاوضات وباءت جهوده بالفشل، عاد إلى زنزانته ليؤنس جُدرانها التي مشى عليها الدّهر فأخذ منها ما أخذ وترك لها ما ترك، وفي 15 جويلية 1997 أي بعد سنتين من فشل المُفاوضات أُطلق سراحه من السّجن بعد أن توسّط له بعضٌ من رفقائه المُجاهدين في حرب التحرير، وبعد خُروجه تكلّم مع صحفيّين أجانب بشأن الأوضاع في الجزائر وأرسل رسالة للأمين العام للأمم المتحدة أعرب فيها عن استعداده للمساعدة في إيجاد حلٍّ سلميٍّ للأزمة الجزائرية، وبسبب هذا قرّر وزيرُ الدّاخلية فرض الإقامة الجبرية عليه، وفي 1 سبتمبر 1997 زاره بعضٌ من أفراد الشرطة العسكرية وأخبروه شفويًّا بأنه رهن الإقامة الجبرية وأنّه ممنوعٌ من التعبير عن أي رأيٍ في ما يخص الأزمة الجزائرية وممنوعٌ من الإدلاء بأي بيان، وإن هو خالف هذا فسوف يعود إلى السجن.

النهايات..

فُرضت عليه الإقامة الجبريّةُ في بيت والده في حيّ بلوزداد لسبع سنواتٍ مُتواصلة، مُنع فيها من التواصل مع العالم الخارجي وحُرم فيها من جميع وسائل التواصل وكان منزله محروسًا من طرف الشرطة العسكرية 24 ساعةً، حتى أنّ السّلطات منعت أقاربه من زيارته إلا من لهم قرابةٌ مباشرةٌ في العائلة، وبعد انتهاء مدة الإقامة الجبريّة توجّه إلى قطر بعد أن كان قد اشتدّ عليه المرض، ولكنه اختار أو اختير له أن يبقى هناك.. كان المرض يشتدّ يومًا بعد يومٍ وسنةً بعد سنة، فهو رجلٌ عُذّب في سجون الاستعمار وعُذب في سجون العسكر، فقد انتهكت الحكومة الجزائرية في حقه المواد 9 و12 و14 و19 و20 و21 من القانون الدولي الخاصّ بالحقوق المدنية والسيّاسية ناهيك عن حقوقه الإنسانية التي انتُهكت في عهد الاستعمار وعهد أذنابه، وفي 24 أفريل 2019 وافته المنية وطُويت صفحةٌ أخرى من كتاب العُظماء الذين وجب على التاريخِ أنُ يُخلّدهم، وأُقيمت له جنازةٌ تاريخيةٌ تذكّر فيها الشعب الجزائريّ أيّام الحلم الإسلامي الذي لم يُكتب له النّجاح بعد، وتذكّروا أمجاد مُجاهدٍ قضى حياته بين سجون الاحتلال وسجون أذنابه!

الحق أن حزب الجبهة قد أحيا الإسلام في الجزائر بعد أن عملت فرنسا على تغريبها وفرنستها، وإنّ ما فعله هذا الحزب جعل الشيخ عبد الحميد كشك – رحمه الله – يقول ويجزمُ أن الخلافة ستعود في الجزائر، فقد تغيرت موضة النساء من السروال الضيق إلى الحجاب وتغيرت عادات الرجال من السُّكر في الحانات إلى الاعتكاف في المساجد، وثورتهم كانت أخلاقيةً بقدر ما كانت سياسية؛ وإنّ كل ثورةٍ أخلاقيةٍ تنتج عنها ثورةٌ سياسية وكل ثورةٍ سياسيةٍ تنتج عنها ثورةٌ أخلاقية؛ كلاهما خير. وإنّ صلاح الحُكّام من صلاحِ الشعوب وإن صلاح الشعوب من صلاح الحكّام؛ كلاهما مسؤول.

المُشكلةُ ليست في الشعوب بقدر ما هي في سُلطاتٍ تُسيّرُ شعبها كالغنم بالعصى، وإن نحن تكلّمنا على امرئٍ بعينه وحكومةٍ بعينها فنحن نُنَوّه لحقيقة أنّ هذا الواقع هو ذاته في كل الدول العربية مهما تغيّرت الأزمنة ومهما تغيّرت الأمكنة.

كل ظالمٍ مهما طغى وظُلمه ساد، لا بد أن يُلاقي مصير ثمودٍ وعاد، وكما قال الشهيد عبد القادر حشّاني – رحمه الله – لن تركع الجزائر إلّا لله، نقول: أنّ الأمة كلها لن تركع إلا لله، ونورُ الإسلام سيُضيءُ كل زاويةٍ بإذن الله، فالله غالبٌ على أمره مهما تجبّر المتجبرون. 

138

الكاتب

كودري محمد رفيق

كاتب ومدون مسلم جزائري، طالب جامعي تخصص لغة إنجليزية، مدير مجلة يقظة الإلكترونية وكاتب في تبيان.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
مشاركة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.