الغرب هو الذي قطع طريق نهوضنا:

لو قدر لبلادنا الاحتفاظ بوحدتها والسير في تقدمها بنفس المعدل الذي سارت فيه الخلافة في آخر أيامها دون تطفل غربي لكنا في مكان آخر اليوم، ولما كان التخلف هو قدرنا، لأن الخطوات التي قطعتها الدولة العثمانية حتى في ظل الضعف والتراجع كانت خليقة بالوصول إلى ما هو أفضل من الانهيار المعاصر، لولا قطاع الطرق في الغرب، وهو ما يعطي أجيالنا درساً موثقاً عن أهمية الوحدة وإنجازاتها، لأن منطق الوحدة والكيان الجامع حتى مع الضعف الطارئ أفضل من منطق التجزئة والفرقة الملازم للاستسلام، فالكيان الكبير يفرض على أصحابه منطق الدولة العظمى الذي يقتضي العمل المستمر على البقاء في المقدمة ويتمكن من ذلك بالإمكانات الكبيرة المتوفرة لديه من الاتساع الجغرافي كما نرى في الدول الكبرى اليوم، ولكن دول الغرب لم تترك للعثمانيين فرصة لالتقاط الأنفاس واستنزفت مواردهم في إشعال الحروب وسداد الديون (حوالي 95% من الميزانية العثمانية كان يذهب للجيش وخدمة الديون وفق أرقام بداية القرن العشرين) فلم يتبق شيء للتنمية والنهوض، وأصبح القضاء على الدولة العثمانية من جذورها سياسة عامة للحلفاء في الحرب الكبرى الأولى وفقاً لاعترافات سياسية موثقة وذلك خلافاً لألمانيا زعيمة دول الوسط ذاتها التي لم تعان هذا التفكيك والاستئصال.

ويرى مؤرخون أن الدولة العثمانية كانت ستنهار حتى دون دخولها الحرب الكبرى الأولى (1914-1918)، وذلك بسبب صراع الأفكار كالقومية والليبرالية والعثمانية والإسلامية التي تبلورت في زمن الاتحاد والترقي، ولكن ما حدث للدولة العثمانية ليس مجرد انهيار نظام سياسي، بل تفتيت الوحدة التي لمت شعث الأمة سياسياً وفكرياً ونفسياً وحلول نفوذ غريب محلها، أي محاولة القضاء على وجود أمة بأسرها، ولتقريب المثل يمكن القول إن الملكية الفرنسية انهارت نتيجة الصراع الداخلي بعد ثورة 1789 ولكن فرنسا وإمبراطورتيها لم تنهار واستمر وجودها الفاعل في العالم بل زاد أثراً، فالصراع الداخلي لا يؤدي إلى الانهيار في الأمم التي لا تعاني تدخلاً خارجياً، بل غالباً يتجه الأمر إلى الصعود لأن الدورة الاجتماعية الداخلية تعمل على تحسين وضع الأمة وليس تدهوره، وكذلك القول في الثورة البلشفية التي قضت على النظام القيصري في روسيا 1917 ولكن روسيا وإمبراطورتيها لم تتدهور وكان التدخل الخارجي الغربي هو الذي حاول حرف الصراع نحو إفساد الوضع الداخلي لصالح العالم الغربي.

وفي بلادنا كان يمكن للدورة الاجتماعية الداخلية أن تتجه للصعود نتيجة الصراعات الداخلية ولكن دون تدخل خارجي، فكان يمكن لدولة محمد علي باشا أن تجدد شباب الدولة العثمانية لولا التدخلات التي عملت على استثمار الصراع لصالح الخارج دون الداخل، ولم تكن الحركات القومية ستؤدي لتفتت الدولة لاسيما عندما نذكر أن معظم الشعوب العثمانية فضلت البقاء في ظل الدولة حتى مع بروز التوجهات القومية كما يذكر غير واحد من المؤرخين، وقد حارب نصف الأمة الأمريكية نصفها الآخر في الحرب الأهلية المدمرة (1861-1865) ولم تتفتت الدولة رغم الخسائر التي فاقت كل حروب أمريكا الدولية إلى اليوم.

ولكن ما فعله الغرب في الدولة العثمانية بعد الحرب الكبرى الأولى من تقطيع أوصال لم يفعله حتى بألمانيا آنذاك، وحتى بعد الحرب الكبرى الثانية لم يعمل الغرب على تدمير ألمانيا بعد زوال النظام النازي وعمل الحلفاء على ترقيتها رغم كل الجرائم السابقة، ولكن ما وقع على أمتنا بإسقاط الخلافة تعدى أثره مجرد زوال نظام سياسي أو سلالة حاكمة، وبغض النظر عن آرائنا في محمد علي باشا أو جمعية الاتحاد والترقي، فإن ما يهمنا هو نظرة الغرب الذي حاربهم رغم توددهم إليه لأنه يريد محو الأمة ولم يكن خلافه مع نظام السلاطين العثمانيين وحدهم بل مع وجود الأمة التي يقودونها.

أي كان الإصلاح ممكناً جداً ولم يكن الانهيار حتمياً، مشكلتنا الرئيسة كانت في أن النهوض من جديد كان بحاجة إلى وقت، حتى أوروبا استغرق نهوضها ثانية قروناً طويلة يقدرها المؤرخون من القرن الثالث عشر إلى القرن الثامن عشر، ولكن الأوروبيين لم يسمحوا للعثمانيين بالتقاط أنفاسهم وظلوا يستنزفونهم بالعدوان على الدولة العثمانية إلى أن قضوا عليها، ولم يكن البناء ممكناً دون هدوء، وفي سني الدولة الأخيرة كانت ميزانيتها مكرسة للجيش وسداد الديون كما سبق، أي لصد التطفل الغربي، فماذا بقي بعد هذا الاستنزاف للبناء؟ ولهذا فقد تمنى السلطان عبد الحميد عشر سنوات فقط من الهدوء دون مؤامرات أوروبية ليتمكن من البناء كاليابان ولكن هيهات، ورغم كل ذلك ظلت الخلافة تبني حتى اللحظة الأخيرة مشاريع عملاقة عجزت دولة التجزئة عن مجرد إحيائها بعد قيامها بتدميرها كسكتي بغداد والحجاز، مما أكد توفر الهمة لدى الخلافة وعدم استسلامها، ولكن الغرب دمر كل ذلك وظل يمانع أي نهوض جزئي للدول القُطرية التي أنشأها بنفسه بعد سقوط الخلافة، والخلاصة أن النهوض كان ممكناً ولكن لم يكن بقدرتنا أن ننجز في لمح البصر ووسط الأمواج المتلاطمة ما أنجزته أوروبا نفسها بقرون طويلة.

أما الكيانات الصغيرة التي أنشأها الاستعمار على الأنقاض العثمانية والتي أصبحت عاجزة عن إطعام أنفسها والدفاع عن حدودها وتلبية حاجات مواطنيها لقلة إمكاناتها فإنها لا ترى الحل إلا في التبعية للدول الكبرى المعادية لقضايانا والتي حققت اكتفاءها على حساب ثرواتنا المبعثرة بين أيديها.

اقرأ أيضا: تعميمات مخلة عن مجمل العصر العثماني

الاستنتاج:

في زمن يعيد فيه المستعمِرون الاعتبار لتاريخهم الاستعماري زاعمين أنه تاريخ إيجابي حتى لمن كان ضحيته، من الأولى أن يكف فيه الضحايا عن تشريح ذواتهم ولوم تاريخهم العثماني الحديث الذي لم يدخر وسعاً للدفاع عن وجودهم وبقائهم ضد قوى عظمى قضى الله أن تكون في مرحلة الفتوة التي تجاوزناها منذ زمن فكان لها بذلك ميزة علينا في حلبة المنافسة ولم يكن بإمكاننا وقتها إعادة عقارب الساعة إلى الوراء بلمح البصر أو إنجاز القفزة المطلوبة في لحظات في وقت اقتضى إنجازها قروناً عند أصحابها[1]بعيداً عن القوى الخارجية المعرقلة التي لم تتواجد في التاريخ الغربي[2]ولكن حفل بها تاريخنا الحديث[3]، ومن الأجدى اليوم الانشغال بهموم اللحظة الحاضرة بدلاً من استمرار البكاء على ما فات والانشغال بتشويه مرحلة تاريخية اتسمت بإنجازات كبرى عجزت عنها المراحل التالية وبصمود عز نظيره آنذاك بين الأمم، وهو ما كان سيقودنا لو استمرت الإنجازات بنفس المستوى دون عرقلة إلى أن نلحق بعصرنا ونتمكن من مواجهته بطريقة أفضل مما اختاره الغرب لنا من تجزئة وتبعية استمرأناها، كما لا يمكن لنا اليوم الانطلاق بثقة لبناء المستقبل مادامت لدينا قناعات سلبية عن ماضينا الذي يستحق منا تقديراً أكبر يدعم قدراتنا التي يشلها اليوم انعدام الثقة بالذات المؤدي للانبهار بما عند الأعداء ومن ثم الوقوع في فخ الاستلاب، في الوقت الذي تؤكد فيه الدراسات التاريخية الأجنبية المحايدة، أكثر من الدراسات العربية مع الأسف، وجوب فخرنا بهذا التاريخ الذي طالما استقيناه كله من مصادر معادية[4]، وما زلنا نزايد على سلبيات مدارس الاستشراق رغم تراجعها (كالعادة بعد فوات الأوان بانهيار الدولة العثمانية) عن كثير من الأحكام الجائرة التي ألصقتها بنا وقيامها بتقديم مراجعات ما زالت حبيسة الدوائر الأكاديمية وبعيدة عن إدراك الجمهور العربي.

 

الهوامش:

[1] -جستن مكارثي، الطرد والإبادة مصير المسلمين العثمانيين (1821-1922م)، قدمس للنشر والتوزيع، دمشق،2005،  ص27.

[2] -حمدان حمدان، العراق وثمن الخروج من النفق: من محمد علي باشا إلى عبد الناصر فصدام حسين، بيسان للنشر والتوزيع والإعلام، بيروت، 2004، ص 98.

-الدكتور محمد عابد الجابري، العقل السياسي العربي: محدداته وتجلياته، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2007، ص 19.

[3] -حمدان حمدان، ص 99.

-جستن مكارثي، ص 27-28.

[4] -الدكتور أحمد شلبي، موسوعة التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، 1979، ج 5 ص 750.

596

الكاتب

محمد شعبان صوان

باحث وكاتب من فلسطين.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.