سؤال مخيف يُطرح فعلًا في الولايات المتحدة والغرب “هل ترامب هو هتلر القادم؟”. ولا شك أن الغرب والمتخصصين والخبراء هم الذين يعرفون الإجابة عليه أكثر من غيرهم. أما قصة السؤال فترجع إلى حال ألمانيا التي أُلزمت، بموجب معاهدة فرساي سنة 1919، وقيودها العسكرية المذلة، بدفع تعويضات للدول المتضررة لقاء ما سببته ألمانيا لها من خسائر في الحرب العالمية الأولى. كانت الولايات المتحدة من جهتها تعطي ألمانيا قروضا للوفاء بما عليها من مستحقات، كي لا تعجز عن السداد ويؤدي ذلك إلى أزمة عالمية جديدة. إلا أنها توقفت بفعل انهيار بورصة نيويورك سنة 1929، وما تبعه من كساد اقتصادي عالمي كبير.

بدايات متشابهة

شعرت ألمانيا بحجم الإذلال الذي فرضته عليها معاهدة فرساي، واتجهت نحو رفض دفع ما عليها من مستحقات، ولقيت مساندة شعبية ترافقت مع صعود الحزب النازي بزعامة الفوهرر أودلف هتلر في ثلاثينات القرن20، ووصوله إلى السلطة، وبدعم من الطبقة البرجوازية. لكنها زعامة ظلت ناقصة بسبب التعنت المبدئي الذي أبدته الطبقة الوسطى، لخشيتها من النزعة المتطرفة والعدوانية للنازية.

Embed from Getty Images

لكن مع الضغط النازي؛ كان على الطبقة الوسطى أن تحدد موقفها من النازية، فوجدت نفسها أمام خيارين، كلاهما مر:

الأول: أن تحافظ على مواقفها التي ستودي بها إلى التحالف مع الطبقة الدنيا. وبالتالي الدخول في عداء صريح مع البرجوازية والنازية، فتخسر مكانتها وقيمها وامتيازاتها في المجتمع والدولة.

الثاني: أن تتحالف مع البرجوازية، وبالتالي مع النازية، فتكسب اقتصاديًا وسياسيًا، وهذا ما حصل. لكن قرارها هذا دفع النازيين إلى خيار الحرب، على أن تكون الطبقة الدنيا هي وقودها الأعظم. وهكذا اندلعت الحرب العالمية الثانية سنة 1936.

ترامب يراهن على الديون

في إجمالي الوضع العالمي للرأسمالية برمتها، ثمة كوارث تشمل كل دول العالم. وإذا كانت ألمانيا هي الدولة المدينة، مطلع القرن العشرين، فالثابت أنه لا تخلو دولة في العالم اليوم بلا ديون، حتى قاربت ديون العالم الرأسمالي نحو 200 تريليون$. بل أن دولًا اقتصادية عظمى، كالولايات المتحدة وفرنسا وإيطاليا، فاقت ديونها 100%، ودول كبرى، كاليابان وكوريا، تجاوزت ديونها، منذ سنوات، 200% من إجمالي الناتج القومي.

Embed from Getty Images

بموجب مصطلحات اقتصادية، فإن أغلب الدول الرأسمالية في العالم تدين بأكثر من إجمالي الناتج القومي. وبلغة اجتماعية فإن أحوال الطبقة الوسطى باتت أسوأ من أي وقت مضى منذ نشأة الرأسمالية إلى يومنا هذا، ومهددة بالانزلاق إلى حضيض الطبقات الدنيا، مع ما ظهر من تباشير في كافة دول العالم على انهيار قيمي يدل صراحة على فجوة عميقة بين الأغنياء والفقراء.

هذه الوضعية هي التي يراهن عليها ترامب، وتجد آذانا صاغية له، رغم عنصريته وفجاجته ووحشيته، ورغم محاولات اعتراضه سياسيًا وإعلاميًا وعسكريًا. فهو يتحدث بلغة العامة، لاسيما الطبقة الوسطى التي بدأت تئن تحت وطأة الديون والأزمات الاقتصادية، فيما يتعلق بالخدمات والقروض والتوظيف وتكافؤ الفرص وحتى إجمالي تكاليف الحياة، في منظومة لا تؤمن إلا بالكسب والخسارة، ولا تقيم وزنا للفرد إلا بموجب ما يملك من رأسمال.

Embed from Getty Images

رغم أن الرأسمال يتواجد في الدول الرأسمالية في العالم إلا أن ترامب بدأ حملة الكراهية ضد المسلمين! وهو في هذا الاختيار مهد فعليا للحرب على الأقليات، لاسيما الملونين منهم. لكن المسألة أعمق من ذلك وأخطر. إذ خلافًا للانتقادات التي تصفه بالجهل في السياسة الخارجية، وهي اتهامات ذات طابع إعلامي، يدرك ترامب أن إعادة توزيع الثروة يمكن أن يبدأ بشحن العامة ضد الأقليات، لكنه سينتهي بإعادة النظر في سياسات الولايات المتحدة برمتها، منذ قيام الرأسمالية وإلى يومنا هذا، وفي المقدمة من ذلك الموقف من أمريكا اللاتينية، وأوروبا، فضلا عن العالم العربي.

من أراد أن يحظى بالحماية، من أية جهة كانت، آسيوية… أوروبية… لاتينية… أفريقية… عربية؛ عليه أن يدفع للولايات المتحدة، أما حلف الأطلسي، بنظر ترامب، فقد عفا عليه الزمن! هكذا بصريح العبارات… صراحة؛ تقول بعض الصحف الأمريكية إنها:

لاقت جاذبية ورواجًا لدى العامة مقابل دبلوماسية المجاملات والنفاق الذي يميز الحملات الانتخابية الأمريكية عادة.

تحالفات نازية مُخيفة

بمثل هذا المنطق لا يرى ترامب مبررًا للعداوة مع روسيا بقدر ما يتجه نحو التحالف معها. وهو التحالف الأكثر خطرًا ووحشية، كونه سيكون موجها لآسيا وأوروبا على وجه التحديد. في استعادة مماثلة لذلك التحالف المشين بين النازية والفاشية الإيطالية عشية الحرب العالمية الثانية. فبوتين يتطلع هو الآخر إلى الاستثمار في القيصرية، ونزعتها العنصرية الإمبراطورية التوسعية. ويالها من فرصة ينجح فيها الرئيس الروسي بتحييد الولايات المتحدة وترقيتها إلى مستوى حليف يمكنه وترامب، من الاستفراد بمحيط مرهق.

TRUMP-PUTIN

الأسوا في كل الاحتمالات أن أولويات المجتمع الأمريكي تنتقل إلى الداخل، وهو ما أكدت عليه استراتيجيات الأمن القومي الأمريكي لسنتي 2010 و 2015. وسواء وصل ترامب إلى السلطة أم فشل فإن الحراك الاجتماعي الداخلي القادم من رحم الطبقة الوسطى هو نذير خطر. وقد يؤدي، عاجلًا أم آجلًا، إلى تحالفات اجتماعية واستقطابات خطيرة جدًا. ولأنه مجتمع لقيط فكل شيء وارد بما في ذلك التفكك أو الحرب الأهلية أو الحروب الخارجية. وإذا كان النازيين قد وجدوا في الإيطاليين والنمساويين ضالتهم.

فالشائع في هذه الأيام أن النزعات القومية، اليمينية والعنصرية، والمحملة بكل الشوائن، بما فيها النزعات الانفصالية التي تضرب الدولة القومية في أوروبا، قد تتحالف فيما بينها لتوليد ما هو أسوأ من النازية.

باختصار

نظريًا؛ قد نجد من يرجح اعتراض مسيرة ترامب السياسية على أبواب الرئاسة الأمريكية، عبر تحالف يفرضه الواقع بين الجمهوريين والديمقراطيين، كما حصل في فرنسا حين تحالف اليمين مع الاشتراكيين لاعتراض تقدم لوبان، أو أية وسيلة أخرى. وهو أمر وارد. لكن الحقيقة أن فرص اعتراضه، في أحسن الأحوال، لا تقل عن فرص تقدمه.

ووصوله إلى السلطة سيكون إيذانا بمخاطر يصعب التكهن بنتائجها، لكنها ليست لمن تروقه حالة السلامة والأمن والاستقرار.

هذه هي بعض خلفيات التساؤل المخيف عما إذا كان ترامب هو هتلر القادم.

2116

الكاتب

د. أكرم حجازي

كاتب وباحث أكاديمي ومراقب لأحوال الأمة وقضايا العالم الكبرى.

التعليقات

  • تصحيح منذ سنتين

    الحرب العالمية الثانية بدأت سنة 1939 وليس 1936

    رد

    اترك تعليقًا

    *
    *

    موضوعات ذات صلة
    مشاركة
    القائمة البريدية

    اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.