في أنظمة الحكم الدّيمقراطية-في الأنظمة الغربية المستقرة-عندما تخسر الأحزاب في الوصول إلى السّلطة، فإنها تتحوّل إلى جانب المعارضة، وقد تكون معارضة لمجرد المعارضة ومناكفة الخصوم السّياسيين، سواءً في السّلطة أو خارجها، وقد تكون معارضة وطنية مخلصة تحاول موازنة الأمور، وتدافع عن الأفكار حتى لا يطغى أو يُهيّمن الحزب الحاكم على كل شيء، ولا يخلو الأمر من “البراجماتية والميكافيلية والمادية” التي يقوم على أساسها الفكر السّياسي الغربي.

المعارضة في الدول الإسلامية

وفي جواب السّؤال: عن كيفية النّهوض بالأمّة؟! اختارت بعض الحركات الإسلاميّة “العمل السّياسي والبرلماني”، ولما كان محرّماً عليها الوصول إلى السّلطة، أو الإمساك بوسائل القدرة على التغيير الحقيقي، وإفشالها والانقلاب عليها في حال نجحت في الانتخابات.. كانت تظل دائمًا في خانة المعارضة، هذا إذا سمحوا لها بهذه المساحة أيضاً، فقد أصبح غاية وجودهم-في كثير من الأحيان-هو “توظيفهم” فقط لإعطاء الشّرعية للأنظمة العسكريّة أو المستبدة، كأنّهم أحد المدعوين فقط لـ “العرس الديمقراطي” دون أن يكون لهم أمر، أو حتى رأي.

خطيئة الحركات الإسلامية التي تبنت العمل السياسي:

  • التطرف والغلو في اعتبار العمل السياسي-بشكله الحالي-هو وحده القادر على النّهوض بالأمّة.
  • حصر العمل السّياسي في الانتخابات البرلمانيّة، أو إنشاء الأحزاب.
  • الافتتان بالنموذج الغربي للديمقراطيّة، والمقارنة غير الواقعية وغير العدالة بين أنظمة الحكم في الغرب، وبين أنظمة الحكم في الدّول الإسلاميّة، وتجاهل ظروف نشأة الدول القوميّة الأوروبيّة، وسنوات الثّورات والصّراعات التي قام على أساسها النموذج الغربي الدّيمقراطي.

ومن ثَم كان العمل السّياسي الإسلامي داخل الدّائرة الأمنيّة للأنظمة الحاكمة، وتحت السّيطرة، وغير قادر على إحداث تغيير حقيقي على مستوى النّظام، وإن كان سجل بعض النّجاح على المستوى الاجتماعي والفكري.

نتائج التحول إلى خانة المعارضة

أدى التّحول إلى خانة المعارضة إلى استهلاك الطاقات الإسلامية في مجرد المعارضة، سواء بقيت ضمن الخطوط الحمراء أو تجاوزتها، ولكنها تبقى في خانة الكلام! ولا تستطيع أن تنتقل إلى خانة الفعل، وإذا انتقلت إلى خانة الفعل، لا تستطيع أن تصل إلى خانة المقاومة والتدافع، وإذا وصلت لخانة المقاومة، لا تستطيع أن تكون المقاومة مًحققِّة لأهدافها، وتسير في الاتجاه الصحيح… لأن الواقع فرض نفسه، وأخذ العمل السياسي الإسلامي نحو مجرد “المعارضة” حتى دون القدرة على إحداث الوعي الجماهيري اللازم لتشبع المجتمع بالفكرة الصحيحة، لأن أدوات الوعي هي الأخرى تحت السيطرة.

مضمون المعارضة في الدول الإسلامية

ثم كانت هذه المعارضة في أحيان كثيرة قائمة على “صناعة السخرية”، الذي يؤدي إلى الوقوع في “الفخ” وهو: نسيان “القضية الأصلية” ونسيان “المشروع الحضاري” ونسيان “سؤال النهضة” ونسيان “سؤال البناء” فيُترك ذلك العمل الحقيقي الفعّال للتحول نحو “السلطة المستبدة” للسخرية منها حياناً، أو لإثبات أنها مستبدة ظالمة حيناً آخر، والجري وراء “كل” تصريح لهذه الأنظمة لبيان تفاهته، وسخفه…

مما جعل للتفاهة قيمة، وللسخف عنوان! وعندها تكون الطاقة البشرية والمادية والفكرية كلها استُهلكت في “السخرية” و”النقد”، ولا تريد الأنظمة المستبدة والباغية من خصومها أكثر من ذلك، طالما وقف “العمل السياسي الإسلامي” عند مرحلة السخرية والنقد، وإني أعتقد أن الأنظمة المستبدة ستشعر بالقلق البالغ إذا وجدت خصومها توقفوا عن السخرية والنقد، فإن معنى ذلك أن هناك عملاً آخر يتم دون أن يعلموا به، وربما يكون أنكى لهم ألف مرة من مجرد السخرية!

وإن “العمل السياسي الإسلامي” لا يغفل الخطاب الإعلامي، ولا دوره التوعوي، ولا يغفل أثر السخرية وسحرها… ولكنه بكل تأكيد لا يجعل هذا الأمر هو كل الجهد، ونطاق العمل… بل إن الخطاب الإعلامي المتنوع والمتوازن والقريب من لغة الناس، وبأدوات فهمهم لا يجب أن يتجاوز حاجز (10) بالمائة من المشروع السياسي الإسلامي، وباقي الـ (90) بالمائة هي لبناء القوة السياسية الحقيقية وليست الهشة…

كيف يتم بناء القوة السياسية

وبناء القوة السياسية الحقيقية يبدأ بنقد الذات، لماذا لم ننجح؟ ما هو مكمن الخلل؟ كيف نتطور للأفضل؟ ولا يمكن أن يكون جواب هذا السؤال هو إحالته لظلم الأنظمة الظالمة، فهذا هروب من المواجهة، وتواني عن البناء الحقيقي.

وعندما ننجح في مهمة نقد الذات، ونعالج مكامن الخلل، ونعيد ترتيب أوراقنا، ونشكل صورة جديدة متجددة، حينها نكون مؤهلين لصياغة منضبطة لـ “المشروع السياسي الإسلامي” الفعّال، الذي يستطيع أن يرسم خطة “التغيير والثورة” خلال عشرين أو أربعين سنة على الأكثر، ويتحرك في خطوات دقيقة مدروسة، كل خطوة تُسلّم للتي تليها، دون استعجال خطوات، أو حرق للمراحل، أو القفز فوق المُسلّمات، في مرونة تحافظ على المكتسبات، ولا تفقد الفرص.

ولا يكون ذلك إلا من خلال رجال مفكرين نذروا أنفسهم لهذه المهمة العظيمة، وتكاملت حركتهم في كل اتجاه: سياسي، واجتماعي، ونفسي، وإعلامي، وإداري، وتطويري، وتربوي، وعسكري، وأمني، واستخبارتي، ودولي… إلخ لتتكامل لبنات “المشروع الإسلامي” وتوفير القوى الناعمة، والخشنة، والذكية من أجل حمايته في جميع مراحله.

ولا يكون ذلك إلا عندما ننتقل من “فخ المعارضة” إلى “عبقرية البناء”.

319

الكاتب

أحمد طه

كاتب ومهتم بالشأن الإسلامي.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.