ناقشنا في الجزء الأول التحولات التي طرأت على الحركات الإسلامية وكيف أنها تتجه إلى النموذج العلماني، وكان ذلك من خلال تسليط الضوء على المؤتمر الذي عُقِد في مركز الجزيرة للدراسات والأبحاث في (24 -25 من سبتمبر 2016 م) بعنوان «التحولات في الحركة الإسلامية».

مشكلتنا مع العلمانية

وإن مشكلتنا مع العلمانية ليست هي في الحقوق، والتعددية، والعدالة، والحرية، والمواطَنة، فالإسلام دين جاء ليحرر البشر، وقوامُه العدل، ولا يُكرِه أحدًا على اعتناقه، وهو جاء ليُحق الحق. وليست مشكلتنا مع العلمانية في فصل القداسة عن السياسة، فالإسلام يدعو لذلك، والنموذج الراشدي قد سبق إلى ذلك،وإنما هي في مصدر التشريع والتلقي هل نأخذه عن الله، أم ننبذه إلى غيره؟

(راجع مقالتي: فصل الدين عن “العمل السياسي” و بين المبدأ والفعل)

مشكلتنا مع العلمانية في الجهة التي تحدد الحلال والحرام، والحق والباطل، والصواب والخطأ، هل الله أم غيره؟ مشكلتنا مع العلمانية-في لحظات التجلي والمكاشفة-وهي تسخر من الإسلام، وتحتقر شرعه، ومنهجه، وهويته، وحضارته، وفكره، ورموزه. ثم هي تمجد كل إلحاد، وإباحية، ومادية.

ولعل المشكلة في جذورها هي في الإيمان بالغيب ابتداءً، والصراع بين الفكر الإسلامي، والفكر المادي.

التوافق مع العلمانية

أُثيرت مسألة خطيرة في الندوة حول ضرورة التوافق مع “الليبراليين واليساريين” لمواجهة الاستبداد العسكري-مصر على سبيل المثال-وذلك حتى لا تُتهم الحركة الإسلامية بـ «الإرهاب» ويستغل النظام ذلك، فيعتبرها معركةً ضد الإرهاب، في حين أن التوافق مع «العلمانيين» وجعلهم مع الإسلاميين في جبهة واحدة ضد الاستبداد. من شأنه أن يقطع الطريق على الاتهام بالإرهاب!

وأحسب أن هذا التصور تسلل إلى العقل المسلم نتيجة “حالة الضعف” الفكري والنفسي، وفقدان مظاهر القوة التي تحمي الفكرة، وكذلك هو عدم إدراك لطبيعة المعركة، وحقيقة الصراع. وإن العقل من الطبيعي أن يتصور أن التوافق مع المخالفين لمواجهة عدو مشترك فعل عقلاني منطقي طبيعي، وهو بالفعل كذلك. في حال إذا كانت الحركة الإسلامية هي القائدة، والممسكة بزمام الأمور، وفي حال إذ لم يكن هناك صراعٌ وجودي حضاري بين الإسلام والعلمانية.

امنع النقاب

إن قضية الاستبداد -وغيرها من المشكلات -يجب أن تُحل باسم الإسلام، وتحت رايته. من أجل إقامة الحضارة الإسلامية الراشدة. وإن الفكر الليبرالي واليساري-والعلماني عمومًا -يُعادي كل ما له صلة بالدين، فالقضية ليست سياسيةً مجردةً، بل لها خلفيات فكرية واعتقادية، وأعظم ما يفقده المسلم في صراعه هو الأصالة والتميز وصدق المنطلق والغاية. هذه واحدة.

استحالة التوافق

فإن هذا التوافق سيكون مستحيلاً، وإذا حصل الالتقاء العَرَضي لعموم بلوى الاستبداد على الإسلاميين والعلمانيين، فلا شك أنه إن زال الاستبداد سيقع الصراع الحتمي على المبادئ والغايات والأهداف، فالأَولى حفظ الجهود لتعميم الرسالة الإسلامية، وتَشَبُّع المجتمع بالفكر الإسلامي الراشد.

والإسلام مظلة للجميع، ويرحب بجميع الصادقين المخلصين. ولكن تحت رايته، وباسمه، فراية الإسلام تعلو ولا يُعلى عليها، فالإسلام نور من الله، قوته في ذاته-مهما كان عاريًا من كل قوة مادية-ويجب أن يكون من العزة والمكانة ما يترفع به عن أن يبحث عن شركاءَ ممن يحاربون وجوده في أمور الحياة العامة.

أصحاب التوجهات العلمانية يمكن تقسيمهم إلى ثلاثة أقسام:

  • الأول: المُعادي المحارِب الناقم على الإسلام، وهذا يشمئز قلبه إذا ذُكر الله، وهذا الصنف يقع في خانة “أعداء الإسلام”.
  • والثاني: قسم من الشباب الصادق المتأثر بالفكر العلماني بحكم انتشاره، وقوته، وهذا الصنف محل “دعوة وبيان”.
  • والثالث: قسم من عوام الناس “الأتباع” التي لا تميز شيئًا، ولا تستطيع التفرقة بين الأشياء، وهؤلاء محل “احتواء وتسامح”.

فالحركة الإسلامية -مهما كانت ضعيفة -ليست بحاجة إلى التوافق مع العلمانية، إنما بحاجة إلى صدق الدعوة إلى هذا الدين، وبيانه، وإلى فضح التوجهات المعادية لرسالة الإسلام-سواء بقصد أو بدون وإلى رد الشبهات، واحتواء عموم الناس تحت مظلة الإسلام.

والعلمانية هي التي سترفض التوافق مع إسلامٍ يريد أن يحكم في الأمور العامة والسياسة، فهذا التوافق يناقض مبادئها وأصولها، العلمانية تقبل بالإسلام أن يكون خادمًا لأوضاعها فقط.

وأما الاتهام بالإرهاب فسيكون في كل الأحوال، والغرب يعرف جيداً خطورة انبعاث الإسلام من جديد كحضارة، ولا مانع من سد الذرائع، وقطع الطريق على الرمي بالتهم الباطلة، ولكن ذلك ليس على حساب الإسلام ذاته. وإذا ذَلَّت الحركة الإسلامية، وعجزت عن مواجهة الظلم والاستبداد، فلا حاجة لها بأن تُذِلَّ معها الإسلام ورسالته.

وأما مسألة فصل الدعوي عن السياسي:

فكان في اتجاهين: اتجاه يعتبر أنه “فصل وظيفي” بين المهام الدعوية، والمهام السياسية. حفاظاً على الدعوة. وهناك اتجاه يعتبر أنه فصل بين الخطاب الديني، والعمل السياسي ضمن المبادئ العلمانية، وفي إطار الدولة المدنية وبشروط عملها. وفي النهاية نجده فصلاً بين المبادئ السياسية الإسلامية، والعمل السياسي! أي:

فعلٌ سياسي علماني لا يختلف عن غيره سوى في الخلفيات الفكرية والجذور.

Embed from Getty Images

ولقد بدا لي أن بعض الإسلاميين يشعر بثقل الحديث عن “الإسلام وشرعه” وشارح الصدر هشًا مقبلًا عند الحديث عن العلمانية. بل لقد حُمِّل الدين الإسلامي خطايا الكنيسة في عصورها الوسطى، وخطايا الدولة الدينية في أوروبا؛ ووجوب الفصل بين الإسلام والدولة -كما حدث في أوروبا-وأصبح الإسلام هو الأزمةَ التي يجب علاجها والتخلص منها، وتحييد وتحديد وجودها في واقع حياتنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

كما خُلِط بين النموذج الراشد، ونموذج المُلك العضوض الذي يُنكره الإسلام، ويرفضه، ويعتبره انحرافًا عن سنة النبي صلى الله عليه وسلم، ويدعو إلى التمسك بالرشد، فالانحراف جاء من المسلمين، وليس من البنية الفكرية والحضارية لرسالة الإسلام، وإذا أردنا البحث عن مخرج مما نحن فيه… فهو بالفعل موجود في رسالة الإسلام، وحتى في هذا المُلك العضوض لم يكن على صورة الدولة الدينية بنسختها الكنسية، فكان بعض علماء المسلمين يشددون النكير على السلاطين، وينحازون إلى جانب الأمة، وإن كان منهم أيضًا من شرعن للظلم والبغي والملكية الوراثية.

العز بن عبد السلام

الإسلام يُحمَّل أخطاء الكنيسة

فالدولة الدينية بنسختها الكنسية كانت تُخرج دولةً مقدسةً لا يمكن محاسبتها، والدولة الإسلامية -حتى في المُلك العضوض-كانت تُخرج دولةً شرعيةً، تستمد شرعيتها من الإسلام، وإن لم تكن خاضعةً للرقابة والمحاسبة بفعل طبيعة المُلك العضوض، لكنها في حالة الرشد خاضعة للرقابة والمحاسبة.

لذا كان الحل بالنسبة لأوروبا في فصل الكنيسة عن الدولة. لأن الخلل جاء بالفعل من الكهنوت المسيحي، وطغيانه، وقضية “الحق الإلهي المقدس” ثم إنها دفعت ثمنًا باهظًا لهذا الحل. مئات الملايين من أبنائهم، ودخلت في صراع الأيديولوجيات الوضعية ولم يستسلموا إلا بعد أن أصبحت أوروبا كومةً من الرماد.

لقد أصبح غاية التحول للحركة الإسلامية هو “حزبٌ علماني محافظ” ذو خلفية أو مرجعية إسلامية! على غرار “الأحزاب المسيحية في أوروبا” ويجب كذلك ألا يكون الحزب-لزوم الاعتدال -يمينيًا متطرفًا، بل يمينيًا وسطًا على طريقة تقسيم الأحزاب السياسية !!.

ولعل سبب ذلك إما خللٌ في فهم رسالة الإسلام وغاياته، أو الضعف والخوار أمام قوة العلمانية. فيروح المسلم يتماهى ويتزلف ويداهن الباطل، بزَعم التوافق والتعايش وإن هو إلا الضعف وقلة الحيلة والاستسلام.

انحراف الحركات الإسلامية

لقد أصبح الوصول إلى السلطة غاية الحركة الإسلامية في الدولة المدنية الحديثة، ويبدو لي أن من سيصل منهم لن ينال رضى الجماهير ولا رضى الله، وسيخرج صفر اليدين، لأن البوصلة ضاعت. إن من يصل إلى السلطة يكون هدفه أمرين:

  • إما استغلال المنصب وسرقة الثروات.
  • أو القيام بالفكرة والهوية التي يحملها.

وحيث إن هذا الموضوع غير مسموح به في الدولة المدنية الحديثة، فليس أمامه سوى استغلال المنصب، فإذا كان طاهر اليد، ويريد الإصلاح. فلن يستطيع الإصلاح نظرًا لطبيعة التركيبة السياسية والاقتصادية، وتبعية الدولة كلها للنظام الدولي، وطريقة وصوله إلى السلطة تحدد مجال عمله ضمن آليات معينة، فمن أين سيأخذ أجره، ومن سيُقدره؟ من الجماهير؟ الجماهير ستظل ساخطةً دومًا في ظل الأزمات التي لا تنتهي. من الله؟ ماذا قدّم لدين الله؟!

التحولات الجديدة تِيهٌ وانحرافٌ عن المسار

كما أن الحضور -من الندوة -الذين أبدوا بعض الشجاعة في الاقتراب من المبادئ الإسلامية، بدت النظرة إليهم كأنهم مجموعة من المتطرفين، فالتطرف الآن لن يُنسب إلى التيارات الجهادية. وإنما سيُنسب إلى الإسلاميين الذين يتحدثون بلغة الماضي كالكلام عن الدولة الإسلامية والشريعة والحاكمية… إلخ!

هذه التحولات الخطيرة قد استقرت في أذهان بعض الإسلاميين بالفعل، والبعض يبشر بها، والبعض تختلج قناعاتها في صدره، ويجب أن تكون لنا وقفاتٌ حازمة حاسمة أمام هذه التحولات التي تجري تحت شعار “الإسلام” وباسم الحركة به! ويبدو وكأننا أمام موجة جديدة من التحولات مثل التحولات التي كانت في سبعينات القرن الماضي، ليكون ليس هو التحولَ إلى الرشد إنما هو الانحرافُ عن المسار، والتيه في الطريق.

901

الكاتب

أحمد طه

كاتب ومهتم بالشأن الإسلامي.

التعليقات

  • ابو اياد منذ 5 سنوات

    وكأن الحركات والجماعات التي نسميها اسلامية لا تقرأ ولا تبحث عن الاستزادة من الفهم والعلم … سبحان الله

    رد

    اترك تعليقًا

    *
    *

    موضوعات ذات صلة
    القائمة البريدية

    اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.