عُقد في (24 -25 من سبتمبر 2016 م) في مركز الجزيرة للدراسات ندوة بعنوان «التحولات في الحركة الإسلامية» حضرها لفيف من المفكرين ومنتسبي الحركات الإسلامية، وهي ندوة جديرة باهتمام الشباب المسلم خاصةً، لتفهم التحولات الفكرية في وعي قيادات الحركات الإسلامية، وكذلك نظرة الآخرين إليهم، ومن الأهمية-والحديث للشباب -استباق فهم هذه التحولات-نحو العلمانية-، حتى يستطيع صياغة المستقبل، ويكون فيه فاعلاً، لا مفعولًا به.

العلمانية - التحولات في الحركة الإسلامية transformations of islamic movements

أهم ما لفت انتباهي في هذه الندوة:

  • تنبيههم على ضرورة الحفاظ على قيم الحداثة، والديمقراطية عن اقتناع لا عن براجماتية، وفهم استحقاقات الديمقراطية على المستوى الفكري.
  • الحفاظ على التعددية والإيمان بها.
  • العمل من خلال إطار الدولة (الوطنية، القطرية، الحديثة) وصياغتها العلمانية.
  • ضعف العمل المؤسسي لدى الحركة الإسلامية.
  • الفصل بين الدعوي والسياسي.
  • الفجوة بين النظرية والتطبيق، والسعي لانفراد الحركات الإسلامية بالحكم.
  • اعتبار النموذج التونسي هو أفضل نموذج للحركة الإسلامية، وصاحب السبق في الوعي والفهم، وهو “النموذج المنشود” وكذلك النموذج المغربي.
  • حديث السيد خالد مشعل عن “الغموض البناء” في حركتهم السياسية وموقفهم الملتبس من إيران.
  • الظن الخاطئ للحركات الإسلامية عند وصولها للحكم أنها تحكم من خلال ديمقراطيات مستقرة.
  • ضرورة الاستعانة بالكفاءات من خارج الحركة الإسلامية.
  • توقع انحسار التيارات السلفية ذات النزعة التكفيرية.
  • النظرة الإيجابية للعلمانية.
  • المشروع الإسلامي انحسر في “المحاكم الشرعية”، النموذج السوري والحركات الجهادية.
  • التأكيد على أن الديمقراطية لا تعني حكم الأغلبية، إنما تعني حماية حقوق الأقلية، والتعددية، والمواطنة، وحقوق الإنسان، وحقوق المرأة.
  • تنظير الحركات الإسلامية في السابق كان من أجل الصحوة، وهي الآن تنتقل إلى مرحلة النهضة.
  • التخلي عن فكرة الدولة الإسلامية، والعمل من خلال الدولة المدنية.
  • التحول نحو الانشغال بالقضايا المحلية، والقومية، وعدم الانزلاق خارج حدود الوطن.
  • التوافق مع العلمانية لمواجهة الاستبداد السياسي العسكري.
  • غياب النقد الذاتي المنهجي، وغياب مراكز الأبحاث للحركة الإسلامية.

هذه بعض أهم المحاور التي طرحَتْها الندوة، والخط الغالب فيها،

الملاحظات المنهجية على الندوة تتلخص في:

      الإسلام كفكر وهوية وحضارة ومشروع لم يكن هو الميزانَ الحاكم، والمعيارَ المحدِّد لطبيعة الصواب من الخطأ، ولذلك لم نجد سؤالًا مثل: ماذا يريد الإسلام منا كحركة إسلامية لنحققه وننجزه؟! وماذا أنجزنا من أهدافه؟ بل كان ضغطُ الواقع العلماني، ونظرةُ العلماني إلى الحركة هي العاملَ المهيمن على الروح والفكر.

     غياب ممثلين عن التيارات السلفية، كأنها ليست معنية بالحركة الإسلامية، رغم تأثيرها الفكري الهائل على الشباب، بل لقد بدا من حديث البعض أن الحركة الإسلامية هي جماعة الإخوان، والباقي كأنهم ليسوا منها، كما غاب سائر التيارات الأخرى للحركة.

transformations-of-islamic-movements

أما بخصوص المحاور:

فأخطر ما فيها هو موضوع

“الدولة المدنية، النموذج التونسي، النظرة الإيجابية للعلمانية، الإيمان حتى الإحسان بالديمقراطية”.

ويبدو لي أن هذا هو التحول الذي ستصير إليه الحركة الإسلامية ممثلةً في جماعة الإخوان المسلمين، والجماعات القريبة منها فكرًا وموضوعًا.

الإسلام في قفص الاتهام

      ولعل سريالية هذا المشهد، هو أن الإسلام-هذه المرة-في قفص الاتهام ليس من قِبل العلمانيين، وإنما من قِبل الحركة الإسلامية ذاتها، فقد غلب على الحاضرين فكرة البراءة من “الدولة الدينية” والتماهي مع فكرة “الدولة المدنية” مع البراءة من “حاكمية الشريعة” إلى القناعة بإيجابيات “العلمانية”. هذا التحول-إن صدق ظني-يعني نسف الفكرة الأصيلة التي قامت عليها الحركة الإسلامية ابتداءً.

Embed from Getty Images

      ويبدو لي أن الذين حاولوا الوصول إلى السلطة من الإسلاميين، فقدوا البوصلة، وفقدوا الغاية التي من أجلها دفعت بهم الحركة الإسلامية، ونسُوا التضحيات التي قدمتها الحركة الإسلامية، من أجل نصرة هذا الدين، وليس من أجل وصول شخوصهم وأحزابهم إلى سدة الحكم. بل وأصبحوا يشعرون بعبء المبادئ الإسلامية، والتململ من غاياتها، واستحالة تطبيقها، وأصبح هدفهم هو “التعايشَ” في الدولة المدنية، وتقديم صحيفة (الفيش الجنائي) للإسلام بيضاءَ من كل محاولة للعمل بتعاليم هذا الدين، واعتبار غاية أمر الشريعة “تحقيق المصلحة” -تاركةً تعريف المصلحة حسب الأذواق-وانتهى الأمر على ذلك.

      ولقد صوّر البعض أن الحركة الإسلامية كأنها هي المستبدة بالمشهد السياسي، وأنها هي التي تحكم من مئات السنين، وتخضع كل مؤسسات الدولة القطرية الحديثة لمبادئها وأهدافها؛ وأنها سبب كل التخلف والاستبداد والجمود والاحتلال، وأنها عائق النهضة، وأن العلمانيين المتنورين هم الأبرياء، الأطهار، المضطهدون، المحارَبون، فصدّق بعض الإسلاميين هذه التهم، فراح يدفع عن الحركة وعن نفسه خطأ عدم التوافق والتعايش، ويمارس النقد الذاتي. إنها لمهزلة!!

Embed from Getty Images

الدولة المدنية

      عندما يُقال الدولة المدنية في الحوارات الإسلامية-العلمانية، فهذا لا يعني أبدًا أنها الدولة المدنية مقابل الدولة العسكرية، فالأمر ليس له علاقة بـ (المدني-العسكري) إنما المقصود (المدني-الديني) «فمن أهم مبادئ الدولة المدنية أنها لا تتأسس بخلط الدين بالسياسة» بمعنى أنه يجب على الإسلامي أن يتبرأ من فكرة الدولة الدينية، فقد أصبحت نقيصةً فكريةً، والحديث عنها يَصِمُ أصحابها بالتخلف والتعنت، ومعاداة الظروف الواقعية. والدولة المدنية المقصود بها الدولة العلمانية. فالعلمانية (Secular) تعني اللادينية. ولكنْ تخفيفًا لحدة المعنى يُقال “مدنية، علمانية”.

      وتعريف الدولة المدنية يبدو فيه سيولةٌ عند البعض، فلا فواصلَ محدَّدةً فيه. فالعلمانيون يَعُدون مجرد وجود المادة الثانية في دستور مصر-على سبيل المثال-(مادة الشريعة وهي معطلة ابتداءً) يعني أن هذه الدولة ليست دولةً مدنيةً، ويجب حذف هذه المادة، ويعتبرون مجرد وجود قوانين الأحوال المدنية-الأسرة-المستمدة من الشريعة الإسلامية يعني أن هذه الدولة دولة دينية، ويعني عدم المساواة التامة الكاملة مع الأقباط وغيرهم من الديانات الأخرى رغم تغول الأقباط في الاقتصاد والسياسة.

الشريعة فوق ديستورية لا غطاء للعسكرية

      يعني أن هذه ليست الدولة المدنية المنشودة، الدولة المدنية المنشودة لا بد أن تكون خالصةً من كل ما يمت للإسلام بصلة، فإن كانت أحكام الشريعة حُصرت في ( الأحوال المدنية، والمواريث ) كما هو الحال في بلادنا، فلا بد أيضًا من التحرر من هذه الأحكام.

مفارقة عجيبة

      العلمانيين: ينكرون أشد الإنكار على وجود أي صلة للإسلام بالسياسة والأحكام والدستور. ولا ينكرون ذلك على الكنيسة المصرية-على سبيل المثال-وهي أصبحت صانعةً للقرار السياسي بل مستقلةً عن الدولة المصرية، وأحيانًا ينقدونها نقدًا خفيفًا عابرًا لذر الرماد في العيون!

      وأما بعض الإسلاميين: فينظرون إلى الدولة المدنية على أنها أساس التوافق والتعايش مع المكونات الاجتماعية المختلفة، وحيث إن الشريعة -بزعمهم -لم تأتِ بتحديد طبيعة الدولة الإسلامية، فنحن نجتهد بما نستطيع، والسياسة فن الممكن، ولا يمكن أن نحكم وحدَنا، فأصبح المشروع الإسلامي لديهم، هو التمثيل البرلماني والحكومي، من أجل خدمة الجماهير.

النموذج التونسي

      واعتُبر النموذج التونسي-وكذلك المغربي-هو مثالَ التعايش والتوافق، وهو كلمة السر السحرية كما قال عنها الشيخ الغنوشي، وكل ما فعلته الحركة الإسلامية في تونس هو الانسحاب لصالح العلمانيين، وليس أي علمانيين بل لصالح رجال بن علي، فرئيس الجمهورية الحالي لتونس هو وزير داخلية سابق في النظام الذي قامت عليه الثورة وعمره 89 سنة !!،

Embed from Getty Images

      وبقيت الحركة في الظل بعد تكريمهم ببعض مقاعد البرلمان وبعض وزراء في الحكومة، وخرج الدستور برعاية إخوان تونس، بلا أي حديث عن الشريعة، واعتبار تونس “دولةً مدنيةً”-وهي المادة الثانية من الدستور غير قابلة للتعديل-. ورغم  أن وجود نصٍ دستوري بأن الشريعة هي مصدر التشريع لا يعني شيئًا سوى الشكل الرمزي والتكريمي فقط ! أعلنت حركة النهضة:

«أنها لن تدعم جعل الشريعة المصدر الرئيس للتشريع في الدستور الجديد، والحفاظ على الطبيعة العلمانية للدولة»

     ولقد كان هناك هجمة شديدة من المفكرين التونسيين حول موضوع العلمانية والنظرة الإيجابية لها! وزعمهم أنه لا يوجد تعريف محدد للعلمانية! ونقد موقف غيرهم من الإسلاميين منها تحت اسم “فوبيا العلمانية” ولقد كان تعريفهم للعلمانية على أنها:

«ثورة أخلاقية سياسية، فهي تسوية سياسية ودينية وليست أيديولوجيا! وستصبح هي الحل الممكن والوحيد أمام المشكلات الطائفية، وهي مفهوم إجرائي للمصالحة، وليست هي فصل الدين عن السياسة، وإنما هي فصل القداسة عن السياسة، وأنها هي الإطار التصالحي الجامع للمكونات الاجتماعية المختلفة، ومشكلة الإسلاميين مع العلمانية أنهم لا يفهمونها في سياقاتها التاريخية، وموقف العلمانيين إنما هو لنزع القداسة عن الكسب السياسي للإسلاميين، وإن بعض الإسلاميين يقدمون أسوأ ما في العلمانية-مثال فرنسا (العلمانية المتطرفة) -ويتناسَون المثال الجيد كالعلمانية البريطانية (العلمانية المعتدلة)».

      ومثل هذا الكلام قد قال به من قبل الرئيس التركي أردوغان وحزبه، ولا بد-ونحن في إطار الدولة المدنية-أن نصل إلى هذه المحطة في النهاية وهي: «العلمانية المعتدلة» فأول خطوة كانت القبول بقواعد اللعبة الديمقراطية. وآخر خطوة على سلم التحولات-أو التنازلات-هو القناعة التامة بـ “العلمانية المعتدلة”.

العلمانية المعتدلة:

تعني “حرية التدين” وممارسة الشعائر الدينية دون مضايقات أو تشريعات تقيد ذلك. وحصر الدين في “بناء الأخلاق، وخلق الطاقة للعمل والتقدم” أما من الناحية السياسية والتشريعية والقضائية، فهي لا تختلف عن العلمانية المتطرفة في ذلك.

مثال: أزمة البوريني في فرنسا.

  • العلمانية المتطرفة: تمنع هذا اللباس الذي يوحي بالمظهر الإسلامي.
  • أما العلمانية المعتدلة: فهي تسمح به لأنه حرية شخصية، كما تسمح في ذات الوقت بحرية التعري.

 

781

الكاتب

أحمد طه

كاتب ومهتم بالشأن الإسلامي.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.