أخرج البيهقي بإسناده إلى أبي الحسين القاهري قال:
(دخلت يومًا حلقة شيخي وفيّ استظهار على الناس -شيء من العجب- فقال لي شيخي: لا تفعل، فإنّ الله خبأ ثلاثًا في ثلاث.. خبأ رضاه في طاعته، فلا تحقرن من طاعته شيئًا؛ لعل أن يكون فيه رضاه، وخبأ سخطه في معصيته فلا تحقرن من معصيته شيئًا لعل أن يكون فيه سخطه، وخبأ أولياؤه في عباده فلا تحقرن من خلقه أحدًا فلعله يكون ذاك الولي.
ولو تأملت في أحداث السابقين واللاحقين لوجدت صدق مقاله:

ففي الأولى:

*المرأة البغي:

عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « بَيْنَمَا كَلْبٌ يُطِيفُ بِرَكِيَّةٍ قَدْ كَادَ يَقْتُلُهُ الْعَطَشُ إِذْ رَأَتْهُ بَغِىٌّ مِنْ بَغَايَا بَنِى إِسْرَائِيلَ فَنَزَعَتْ مُوقَهَا فَاسْتَقَتْ لَهُ بِهِ فَسَقَتْهُ إِيَّاهُ فَغُفِرَ لَهَا بِهِ

*وجعل الإسلام إماطة الأذى عن الطريق صدقة! وتبسمك في وجه أخيك صدقة! وإطعام المساكين، وكفل الأيتام  أمرٌ عظيمٌ أجره:

انظر قول الله تعالى:
“وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (9) إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا (10) فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَٰلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (11) وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا (12) مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ ۖ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا (13) وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا (14) وَيُطَافُ عَلَيْهِم بِآنِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا (15) قَوَارِيرَ مِن فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا (16) وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلًا (17) عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّىٰ سَلْسَبِيلًا (18) ۞ وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَّنثُورًا (19) وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا (20) عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ ۖ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا (21) إِنَّ هَٰذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُورًا (22)”

*الرجل الذي مات مصليًا لحبه للفقراء!

كان هذا الرجلُ لا يصلي حتى كبر ومرض، فحاول معه ولده كثيرًا لكنه ما كان يستجيب أبدًا، فلجأ إلى رجل يتوسم فيه خيرًا عله يفلح في إقناع أبيه، وبالفعل نجح وبدأ الرجل يواظب على الصلاة ويحافظ عليها، ولم يلبث قليلًا حتى مات وهو يصلي! تعجب الرجل كثيرًا وسأل الابن عن سر هذا الأمر، فقال: إن أبي كان يحب الفقراء كثيرًا ولا يردهم أبدًا .. فسبحان الله الذي وضع في قلبه حب الخير فكان منجاة له..

*سيدنا بلال:

بلال رضي الله عنه الذي لاقى من الأذى ما لاقى فقط ليكف عن ترديد أحد أحد، فما امتنع بل ازداد إصرارًا حتى صار يشير بإصبعه السبابة.. يومًا سأله رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما أرجى عمل عملته في الإسلام، فإني أعرف صوت قدميك في الجنة؟” فقال: إني كلما توضأت صليت ركعتين! يا الله، لم يقل أنه صبر على كل هذا الأذى بنفسٍ مؤمنة بل أعده من واجباته، فحقًا لا تحقرن من المعروف شيئًا فلا تدري أي عملٍ يدخلك الله به الجنة.

فانظر نقاط الخير التي وضعهـا الله فيك، ففيها نجاتك. وإياك أن تغتر بدعوتك فإنما هي مسئولية تحاسب عليها، وواجبٌ عليك الصبر على ما تنال في سبيل تبليغها ليس فضلًا منك، بل ثباتك من فضل الله عليك، كما أنها علنية يراها الناس ولعلها يصيبها منك ما يحبطها عند الله عز وجل، فلا تنسى نصيبك من الأعمال الصالحات تخبئهـا بينك وبين الله وحده.

وفي الثانية:

*وإن الرجل ليتكلم بالكلمة
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “إِنَّ العبد ليتكلّم بالكلمة -مِنْ رضوان الله- لا يُلْقِي لها بالاً، يرفعه الله بها في الجنة، وإن العبد ليتكلم بالكلمة -من سَخَط الله- لا يُلْقِي لها بالاً، يهوي بها في جهنم”

وأما الثالثة

حكي الشيخ أنس السلطان عن رجلٍ يقال له عم آدم، رجلٌ لا يؤبه له، كان يستيقظ كل ليلة قبل الفجر ويصلي ما شاء الله له أن يُصلي ثم يأتي وقت الفجرِ فيذهب للمسجد ويؤم الناس في صلاة الفجر تحديدًا، ولم يكن يقرأ سوى بهذه الآيات: “إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون* نحن أولياؤكم في الحياة الدُنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون* نُزلًا من غفورٍ رحيم* ومن أحسنُ قولًا ممن دعا إلى الله وعمل صالحًا وقال إنني من المسلمين* ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه وليٌ حميم* وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظٍ عظيم”

ثم يعود للبيت يظل يقرأ القرآن حتى طلوع الشمس ثم يصلي ركعتين وينام.. مرت الأيام ومرض عم آدم مرضًا شديدًا أقعده عن الصلاة في المسجد، لكنه ظل على حاله السابقة. وفي يومٍ من الأيام بعد أن صلى الركعتين، قال لزوجته: القادمون عندنا بعد المغرب، فليشربوا القهوة بالسكر! تعجبت زوجته كثيرًا وانتهت إلى أن زوجهـا قد كبر في السنِ ولا لوم عليه! .. ثم كان أن نام عم آدم ولم يستيقظ أبدًا، لاقى ربه. وبعد انتهاء الإجراءات اللازمة، قدر الله أن يأتي الناس للعزاء بعد المغرب! فهمت زوجة عم آدم ما كان يقصد، ووقفت تحكي للقادمين ما كان.

فلا تحقرن من خلقه أحدًا لعله يكون ذاك الولي.

18531

الكاتب

خديجة يوسف

كاتبة مهتمة بالشـأن الإسلامي.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.