ترتبط مشكلات المياه والصرف الصحي في الأذهان بالمجتمعات الفقيرة أو تلك التي ترزح تحت وطأة الحرب والتشريد. ولكن ما يثير الدهشة هو أن يتشارك مواطنو الدولة العظمى في العالم هذا العبء بنسبة تقارب الثلث. فأكثر من 14 مليون أسرة أمريكية تئن الآن تحت وطأة ثقل فواتير المياه، بينما تقول الدراسات أن هذا العدد مرشح لزيادة تصل إلى 41 مليون أسرة بحلول 2020. وما إن تعجز هذه البيوت عن توفير ثمن المياه اللازمة لأنشطتها اليومية، سيلاحقها شبح انقطاع المياه كما حدث مع 50,000 أسرة من مواطنيهم في ديترويت الذين انقطعت عنهم المياه في 2014 لعجزهم عن السداد.  

أصل المشكلة

تعاني البنية التحتية للمياه والصرف الصحي في أمريكا من مشكلات حقيقية تحتاج معها إلى الترميم والتحديث العاجل، فالأنابيب والشبكات المستخدمة هي ذاتها التي تستخدم منذ الحرب العالمية الثانية. يحتاج ترميم واستبدال هذه البنية التحتية إلى ملايين بل مليارات الدولارات، فتقديرات المهندسين المدنيين تقول بأن الإدارة الأمريكية بحاجة إلى تريليون دولار في السنوات الـ25 القادمة لتقوم بذلك.

إقرأ أيضا: ما لا تعرفه عن الشعب الأمريكي.. «شعب المديونين والفقراء»!

ومع خفض التمويل الفيدرالي للبنية التحتية للمياه والصرف الصحي من 60% في أواخر 1970 إلى 9% فقط الآن، وجدت الإدارة الأمريكية أن المنفذ الأسهل للحصول على التمويل المالي هو: رفع تكلفة المياه على المواطنين. فبينما تقول توصيات وكالة حماية البيئة بأن مصروفات المياه والصرف الصحي لا يجب أن تتجاوز حاجز الـ 4,5% من دخل الأسرة، إلا أن هذه النسبة مرشحة للزيادة لتصل إلى 12% في السنوات القليلة القادمة. وحيث أن خدمات المياه والصرف الصحي غير مكفولة للمواطنين في أمريكا، فمن لم يستطع دفع قيمة فواتيره سيعاني مباشرة من انقطاع المياه.

إرث أنابيب الرصاص

كانت صناعة أنابيب المياه حتى 1980 تُفضل استخدام الرصاص لمرونته وقدرته الكبيرة على التحمل مضاهيًا بذلك الحديد. لكن بمرور 50 -100 سنة تهالكت الأنابيب وسمحت للرصاص بالتسرب إلى مياه الشرب مُشَكّلة خطرًا على صحة الأمريكيين. لجأت بعض الولايات لمعالجة كيميائية تُغلف الأنابيب من الداخل لتمنع تسرب الرصاص إلى المياه ولكن هذه العملية عانت من إخفاقات كثيرة.

لمعالجة المشكلة جذريًا، تحتاج الحكومة الأمريكية إلى 30 مليار دولار لاستبدال جميع أنابيب الرصاص في أمريكا. نجحت بعض المدن في فعل ذلك في 2001 مثل: لانسينج وماديسون وميتشجن. الأمريكيون أبدوا استعدادًا لدعم حل هذه المشكلة فهم يدفعون الآن ما مجموعه 18,5 مليار دولار سنويًا على المياه المعبأة.  

مشكلات التلوث؛ ضلعٌ آخر في المسألة

مياهٌ ملوثة وفواتيرٌ باهظة... أزمة المياه الأمريكية التي لا يتحدث عنها أحد 1

تأخذ المشاكل التي ترتبط بالتجمعات الكبرى في المدن والولايات اهتمامًا أكبر عادة لما تتركه من أثر على عدد كبير من الناس. ولكن الواقع يشير إلى أن معظم المخالفات في مقاييس المياه تحدث في المدن الصغيرة والعشوائيات. فتبعًا لـ 5000 نظام لمراقبة جودة المياه في أمريكا، فإن أكثر من 50% من هذه المخالفات تحصل في التجمعات التي بها 500 شخص او أقل.

فالريف الأمريكي يعاني من مشكلات تلوث المياه إما من الأسمدة الزراعية أو من مخلفات الفحم أو من أنابيب المياه المستخدمة منذ أكثر من 60 سنة. تعتمد هذه التجمعات على مياه الآبار في الشرب والاستخدامات اليومية وهذه الآبار محملة بكميات كبيرة من المعادن الثقيلة والعناصر الكيميائية الناتجة من المناجم وصناعات التعدين، ما يجعل مواطنو هذه المناطق معرضين بشكل دائم لخطر تلوث المياه وما ينجم عنه من مشكلات صحية خطيرة.

مشكلة المياه تنتشر في أكثر من 33 مدينة أمريكية

مياهٌ ملوثة وفواتيرٌ باهظة... أزمة المياه الأمريكية التي لا يتحدث عنها أحد 3

تتنوع مشكلات المياه في المدن الأمريكية بين مخلفات حرق الفحم التي تُلقى في البحيرات كما في شمال كارولاينا وغرب فيرجينيا، أو مشكلات التلوث بالنيترات التي تعاني منها المناطق بين أركانساس إلى خليج المكسيك، الساحل الغربي وكاليفورنيا تعاني مشاكل في جودة المياه والجفاف الذي يتسبب في انقطاع المياه. أما المناطق المحاذية للحدود المكسيكة فنصيبها من المشكلة عدم كفاءة شبكات الصرف الصحي ونقص المياه الجارية. وهذا يجعل نسبة كبيرة من الأمريكيين يعانون قلقًا حقيقيًا حول تلوث المياه لم يكن موجودًا قبل 20 سنة.

ونظرًا لأن تقنيات معالجة المياه لازالت في معظمها هي ذاتها المستخدمة منذ الحرب العالمية الأولى، فإن كفاءة هذه الأنظمة لا تتناسب لفلترة هذا الكم من الكيماويات المتسربة إلى المياه تاركة نسب المعادن والعناصر الكيماوية في ارتفاع مستمر مخالفًا لكل التوصيات الصحية. . فوفقًا للدراسات فإن 21 مليون أمريكي يحصلون على المياه من مصادر تنتهك توصيات منظمة الصحة العالمية.

فلينت قصة تتكرر في نيوآرك

مياهٌ ملوثة وفواتيرٌ باهظة... أزمة المياه الأمريكية التي لا يتحدث عنها أحد 5

في عام 2014، بعد تحويل مصدر تزويد مدينة فلينت بالمياه من بحيرة هرون ونهر ديترويت إلى مصدر أقل كلفة وهو نهر فلينت، ونتيجة لقلة كفاءة نظام معالجة المياه في المدينة، تسرب الرصاص إلى مياه الشرب وعانى أكثر من 100,000 شخص من معدلات عالية من الرصاص في أجسامهم.

أقرت الحكومة بالتلوث في 2016 وأوصت المواطنين باستخدام المياه المعبأة للشرب والتنظيف والطبخ والاستحمام. وبالرغم من التأكيدات في 2017 على أن المياه صالحة للاستخدام، بقيت الشكوك حول الأمر تدور في أذهان المواطنين. بدأت الحكومة في استبدال أنابيب الرصاص على الفور في خطة تهدف إلى الانتهاء من جميع الأنابيب بحلول 2019. حتى أبريل (نيسان) 2019 كان لا يزال هناك 2,500 أنبوب لم يستبدل بعد.  

تعرض 6000 – 12000 طفل في المنطقة  لارتفاع معدلات الرصاص في أجسامهم، فبينما كانت نسبة الأطفال الذين يعانون من هذه المشكلة 2,5% في 2013، أصبحت النسبة 5% في 2015.

في نيوآرك  ونيوجيرسي تكرر الأمر ذاته في 2018، بعد أن أنكرت الحكومة ارتفاع نسبة الرصاص في المياه- حتى بعد أن انتشرت المسألة في نصف مدارس المدينة-  معللة ارتفاع معدلات الرصاص في أجسام الأطفال بالتعرض للطلاء وليس بسبب المياه، عادت أخيرًا لتقر بذلك وتوفر فلاتر للمواطنين. لم تفي الفلاتر بالغرض، فعادت التوصيات باستخدام المياه المعبأة للنشاطات اليومية.

المشكلات الصحية المرتبطة بالرصاص

في دراسة تمت في السنوات بين 2015 – 2018 وجدت أن 5,5 مليون أمريكي يحصلون على مياه تحوي نسب رصاص أعلى من 15 جزء في المليون وهو الحد المقبول وفقًا لمنظمة الصحة العالمية.

يؤدي ارتفاع نسبة الرصاص في الجسم إلى مشكلات صحية كبيرة والذي يجعلها على قدر عالٍ من الخطورة أنها غير قابلة للعلاج التام في معظم الأحيان ما يعني أنها مستمرة مدى الحياة.

يتسبب الرصاص في أمراض القلب وضغط الدم والكلى لدى البالغين، وعند الأطفال، يتسبب الرصاص في مشكلات في الدماغ والجهاز العصبي  ومشكلات سلوكية.

 ووجدت دراسة أجريت على سكان مدينة فلينت أن موت الأجنة والإجهاض لدى السيدات ارتفعت بشكل مخيف قبل وبعد مشكلة تلوث المياه. فالرصاص يرتبط بالإجهاض وموت الأجنة والولادات المبكرة.

التغيرات المناخية تحدٍ آخر

في دراسة أجرتها مجلة ساينس، وجدت بأن التلوث بالمعادن المترسبة في نهر المسيسيبي سيزداد مع التغير المناخي حتى وإن لم ترتفع نسبة استخدام المزارعين للأسمدة والمخصبات الكيميائية. فالعواصف ستزداد وبالتالي الترسبات سترتفع تلقائيًا. إضافة إلى مشكلات الجفاف التي تعد بها التغيرات المناخية مسببة مشكلة في تأمين المياه لمناطق كثيرة في الولايات المتحدة.

هل تنجح خطة ترامب في حل الأزمة؟

مياهٌ ملوثة وفواتيرٌ باهظة... أزمة المياه الأمريكية التي لا يتحدث عنها أحد 7

تواجه خطة ترامب لحل مشكلة المياه في أمريكا بالكثير من الشكوك. فالبعض يسأل،لا يمكن حل المشكلة دون تمويل فإذا كان ترامب سيخصص 200 مليون دولار لإصلاح البنية التحتية، فأي الخدمات الأخرى التي سيسعى لقطعها أو تهميشها لتوفير المبلغ لخطته.

الكثير من الشكوك تُثارحول خطة ترامب التي أعلنها في 2017 والتي تصب مباشرة في مصلحة المستثمرين، حيث تسعى لخصخصة الممتلكات العامة من مطارات وجسور واستراحات على الطرق السريعة. هذه السياسة كما نشرت واشنطن بوست تقودها مجموعة من المستثمرين بقيادة صديق ترامب ريتشارد ليفراك. ولإقناع الحكومات المحلية بالبيع، تخطط مجموعات الخصخصة لتقديم مبالغ إضافية للحكومات المحلية تاركة دافعي الضرائب والمواطنين في مواجهه مباشرة مع تبعات الخصخصة.

استثمارات عامة في البنية التحتية

كانت مشكلة المياه هي المحرك للكثير من التحركات السياسية في السنوات الأخيرة مثل: الاحتجاجات على خط أنابيب داكوتا. وبالتالي فالعديد من الحلول تُطرح وتُتداول لمعالجة أمر بهذا الحجم يهدد الملايين على طول البلاد وعرضها.

  • يرى المختصون بأن الاستثمارات العامة في مجال البنية التحتية هو الحل الأمثل، حيث سيمثل حلًا لمشكلات انقطاع المياه والتلوث، وفي الوقت نفسه سيؤمن عددًا كبيرًا من الوظائف الجديدة للأمريكيين، فلا يوجد إصلاح دون عاملين يقومون به. وهذا أيضًا سيصب في الوعد الرسمي بتأمين الوظائف للمواطنين.
  • ويقترح آخرون في مسألة رفع أسعار فواتير المياه بأن يكون هناك حد أدنى من الجالونات يقع ضمن تكلفة معقولة وأي زيادة في الاستهلاك بعد هذا الحد يدفع لها المستهلك مبلغ آخر. حماية ذوي الدخل المنخفض هي الأولوية هنا، وبالتالي يجب تعديل هذه النسب لتتوافق مع دخولهم حتى لا ينتهي بهم الأمر بمراكمة مبالغ أكبر. ولاية فيلادلفيا طبّقت هذا الحل وعملت على خطة خاصة لذوي الدخل المنخفض.

مطلب يوحد الأمريكيين

في معظم استفتاءات الرأي يأتي القلق الأول لدى المواطن الأمريكي هو مسألة المياه. فالحصول على المياه النظيفة الصالحة للاستخدام أصبح هاجس وحق غير مضمون لأحد خاصة مع الأخبار المتتالية من المدن والبلدات الأمريكية بانقطاعات في المياه أو حالات تلوث بمعادن سامة.

فالقلق حول المياه والهواء النظيف جمع الأمريكيين من ديموقراطيين وجمهوريين ومستقلين في صف واحد، فهو واحد من الأمور القليلة التي تتساوى فيها المطالب والاستعداد لدعم الاستثمار في حلول هذه المشكلة. إضافة إلى الاتفاق على تحميل المسؤولية للشركات والمصانع التي تتسبب بمشكلات التلوث برمي نفاياتها في الأنهار والبحيرات واستخدام الأسمدة والبتروكيماويات وغيرها من المواد السامة بما يخدم مصالحها فقط، دون النظر إلى ما تحدثه من تداعيات على البيئة والمواطنين.  

يقول ناشطون بأن هذه فرصة الأمريكيين للتوحد على مطالب لا يختلف عليها اثنان والتركيز على الأمور التي تتسبب في معاناتهم . فطالما استمرت المجموعات التي تتسبب في كل هذه المشكلات البيئية في الوصول إلى الحكومة، فيستمر الشعب في دفع فاتورتهم وتنظيف الفوضى التي يحدثونها. 

163

الكاتب

فريق العمل

تبيان هو موقع يهدف إلى نشر الوعي الفكري الصحيح المستمد من مبادئ الإسلام السامية بين عامة الناس ومثقفيهم عن طريق نشر المقالات والتحليلات والمواضيع التي تهم الشباب المسلم.

التعليقات

  • علي منذ شهر واحد

    لم اظن يومآ إني سأسمع مثل هذا الخبر وعن من ؟ عن امريكا ! القارة التي تحتوي على ثروات سواء اكانت معدنية او مائية ( بحيرات وانهار والخ..) تعاني من مشكلة مياه ! بصراحة اهنيكم على اطلاعكم وقراءتكم لمثل هذه الأخبار ، فهذا يدل على مدى اطلاعكم وثقافتكم ، اكثروا من كتابة ونشر مثل هذه المقالات ، فهمي مفيدة بحق ، واشكركم على ما تقدمونه واتمنى لكم دوام التوفيق والنجاح .

    رد

    اترك تعليقًا

    *
    *

    موضوعات ذات صلة
    القائمة البريدية

    اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.