
شبهة السبي والإماء… تفنيد علمي وعقلي
من الشبهات التي يثيرها أعداء الإسلام قديمًا وحديثًا مسألة السبي والإماء، إذ يدّعون أن الإسلام سمح باغتصاب النساء وأباح كشف أجساد الإماء، في محاولة لتصويره دين همجية ووحشية. وهذه الشبهة معروفة منذ قرون، غير أن الجديد فيها اليوم ليس مضمونها، بل طريقة عرضها، حيث تُجزّأ النصوص وتُنزَع من سياقها التاريخي والتشريعي لإنتاج صورة مشوَّهة عن الإسلام.
وفي هذا المقال سنكشف الحقيقة كاملة، ونفند هذه الادعاءات الباطلة بشواهد من النصوص الشرعية، ونوضح مفهوم السبي والإماء في الإسلام بعيدًا عن تحريف المضللين، لنثبت أن الإسلام دين رحمة وإنسانية، لا يقر الظلم ولا يبيح انتهاك كرامة الإنسان.
أولًا: السبي والإماء في الجاهلية…. من الفوضى إلى التشريع الإلهي
لم يكن السبي في الجاهلية العربية ولا في الحضارات القديمة أمرًا عابرًا ، بل كان جزءًا من نظام حربي قاسٍ تُمارسه الأمم كافة دون رحمة أو قيد.
ففي الجاهلية، حين كانت القبائل تتناحر، كانت النساء والأطفال يُسبَون، وتُباع الحرائر في الأسواق، وتُهان الكرامة، ويُعامل الإنسان كالسلعة.
وفي الإمبراطورية الرومانية، التي طالما تباهت بتحضرها، كان العبيد يُقتلون في ساحات المصارعة من أجل تسلية الجمهور، وكانت الإماء يُستغللن في أفظع صور الإهانة.
أشار العديد من المؤرخين إلى أن العبودية كانت ظاهرة واسعة الانتشار في روما القديمة، وكانت تمارس بشكل قاسٍ أحيانًا.
كانت نسبة العبيد في روما القديمة مرتفعة، حيث يُقدّر أن تصل إلى حوالي 25% إلى 30% من السكان، مما يعكس مدى اعتماد النظام الروماني على العبودية في حياته الاقتصادية والاجتماعية.
وفي الأدب الكلاسيكي الروماني، مثل مسرحيات Plautus، نجد مشاهد تجسد قسوة معاملة العبيد، حيث يتعرضون للضرب بالسوط والإهانة. على سبيل المثال، في مسرحية Pseudolus، يقوم “Ballio” وهو سيد عبيد، بتوبيخ عبيده وسبّهم بكلمات مثل “الحمار” ويضربهم بقسوة. تعكس هذه المشاهد واقعًا مؤلمًا لمعاناة جزء من العبيد في روما.

وفي اليونان القديمة، التي يتغنى فلاسفتها بالحرية والعقل، كتب أرسطو في كتابه السياسة أن “العبيد أدوات حية لخدمة الأحرار”، مما يعكس نظرة احتقارية متجذرة للإنسان المستضعف.
أما في الحضارات الفارسية والبابلية، النهرين -بابل وآشر- كان هناك نظام عبودية أيضًا، حيث سقط فيه الكثير من أسرى الحروب و المدينون ، وعملوا في المنازل، الزراعة، وربما كذلك في المعابد أو قصورها.
وفي وسط هذه الظلمة التاريخية، جاء الإسلام ليقلب المفاهيم رأسًا على عقب، وليؤسس لثورة أخلاقية وإنسانية غير مسبوقة.
قال تعالى: {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حتى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا} [محمد: 4].
جعل الإسلام الأصل بعد الحرب هو المنّ أو الفداء، لا الاسترقاق، وهو ما لم تعرفه أي حضارة سابقة.
فحين يتحدّث القرآن عن الأسرى، فإنه لا يفتح باب الاسترقاق كما يزعم المشوّهون، بل يحصر التعامل مع الأسير في خيارين فقط، وكلاهما رحيم وإنساني:
- المنّ:
إطلاق سراح الأسير مجانًا بلا مقابل، ودون اشتراط أي شيء عليه. وهذا أعلى مراتب العفو، وقد فعله النبي ﷺ في مناسبات كثيرة، فكان يُطلق الأسرى ويتركهم يعودون إلى أهليهم دون فدية.
- الفداء:
إطلاق سراح الأسير مقابل شيء يعود بالنفع على الجميع؛ كأن يدفع أهله مالًا، أو يتم تبادل أسرى، أو يقدم الأسير منفعة للمجتمع كما فعل أسرى بدر حين فدوا أنفسهم بتعليم المسلمين القراءة والكتابة.
وقد شهد بإنسانية هذا التشريع عدد من المنصفين من غير المسلمين؛ يقول المستشرق الفرنسي غوستاف لوبون في كتابه حضارة العرب:
“لم تعرف الإنسانية دينًا عامل العبيد بمثل هذا اللطف والرحمة كما فعل الإسلام. لقد رفع شأنهم، وجعل تحريرهم قربة إلى الله.”
ويرى توماس آرنولد في The Preaching of Islam أن دخول القبائل إلى الإسلام جعل استرقاقهم أقل احتمالًا؛ كما يقول إن تجار الرقيق لم يرغبوا في نشر الإسلام بين القبائل لأنّ من اعتنق الإسلام لم يعد قابلًا للنهب و الاعتقال كعبد.
لقد أطفأ الإسلام نار الوحشية القديمة، وبدّلها بنظامٍ إنسانيٍّ رحيم، يسير بالبشرية نحو التحرير لا العبودية.
وكل ما سبق بيانه، ليس للمقارنة أو التبرير، بل لتفنيد الشبهة جذريًا، إذ تقوم على قراءة مجتزأة للتاريخ والواقع. الإسلام لم يؤسس الرق ولا يكرّسه، بل جاء لمعالجة نظام عالمي قائم، وتهذيبه وتفكيكه تدريجيًا بمنظومة أخلاقية متكاملة.
ثانيًا: الرد على الشبهات
1- هل أباح الإسلام اغتصاب السبايا؟
من أكثر الشبهات انتشارًا في هذا العصر، شبهةُ أن الإسلام أباح اغتصاب النساء تحت ما يسمى بـ مِلك اليمين.
ومن أكثر من روّج لهذه الشبهة الملحد الشهير ريتشارد دوكينز، الذي كتب في كتابه (وهم الإله) أن القرآن -في رأيه- “يُجيز للرجال معاشرة النساء الأسيرات”، وهو تفسير مغلوط اعتمده لإثارة الشبهات حول الإسلام، دون فهم سياق الحكم ولا ضوابطه الشرعية والأخلاقية.

وهذا يكشف جهلًا مزدوجًا جهلًا بالتاريخ، وجهلًا بالشريعة.
لم يكن “مِلك اليمين” في الإسلام إذنًا بالاعتداء، بل علاقة شرعية منظمة، تحكمها ضوابط أخلاقية وإنسانية.
فالسبي في الإسلام لا يتم إلا في حربٍ شرعيةٍ عادلة، لا عدوان فيها على الأبرياء، ولا سبي إلا لمن كان مقاتلًا فعليًا في صف العدو.
أما العلاقة بين السيد والأمة فلم تكن اغتصابًا ولا استباحة، بل علاقة شرعية منضبطة، تحكمها ضوابط أخلاقية صارمة، ويترتب عليها ثبوت النسب، ووجوب النفقة، وتحريم الإكراه، ومساءلة المعتدي.
وقد ألزم الإسلام أصحاب الإماء بمعاملتهن معاملة كريمة، فقال النبي ﷺ: «إخوانكم خَوَلكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا يكلفه ما لا يطيق» (رواه البخاري).
وهذا النص يعكس تحولًا جذريًا في بنية العلاقة، إذ نقلها الإسلام من الاستغلال والقهر إلى إطار إنساني يقوم على الأخوة والعدل وصيانة الكرامة.
2- هل يسمح الإسلام بأخذ جسد المرأة بالقوة أو الإكراه؟
لم يُبح الإسلام أن تُؤخذ المرأة غصبًا أو بغير إذنها، بل حرّم كل علاقة تقوم على الإكراه.
قال تعالى: {وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا} [النور: 33].
فالآية عامة تشمل كل صورة من صور الإكراه الجنسي، حتى في زمن الحرب.
وهذا ما يؤكده الإمام القرطبي في تفسيره حيث قال:
“الآية نزلت لتحريم كل صورة من صور الإجبار على الفاحشة، فكيف يُتصوّر أن يبيحها الإسلام في موضع آخر؟”
أما ما يسمى “الاغتصاب” في الجاهلية أو في الجيوش القديمة، فقد حرّمه الإسلام تحريمًا قطعيًا، بل جعل الإكراه على الفاحشة من الكبائر.
ولهذا، كان الخلفاء يعاقبون من أكره أمَة على الفعل الحرام كما يعاقب الزاني تمامًا.
3- هل كان الإسلام أقل رحمة مع النساء الأسيرات مقارنة بالحضارات الأخرى؟
عندما نراجع معاملة النساء الأسيرات تاريخيًا، نجد أن الإسلام وضع قواعد صارمة تحمي كرامتهن في وقت كانت الحروب فيه فوضوية ووحشية. فالشريعة الإسلامية كانت درعًا يحمي النساء من الاعتداء أو الاستغلال الجنسي، مغلقة الأبواب التي كانت مفتوحة في حضارات أخرى لاستباحة حقوقهن.
وقد أشادت باحثة مثل المستشرقة البريطانية آنا ماري شيمل برحمة الإسلام مع النساء الأسيرات، معتبرة أنه لم يُعرف عنه اغتصاب جماعي كما حدث في جيوش أوروبا في العصور الوسطى. كما وصف المستشرق غوستاف لوبون الحماية القانونية غير المسبوقة التي منحها الإسلام للمرأة، مؤكدًا غياب الاغتصاب في التشريع الإسلامي.

وليس هذا فقط نصوصًا تشريعية، بل واقعًا عمليًا وأخلاقيًا، حيث فرض الإسلام معاملة رحيمة ومنع الإكراه وأوجب العدل، كما جاء في الحديث: “ألا لا يسلطن أحدكم على امرأة من المسلمات يكرهنها على نفسها” [رواه البخاري].
وهذا رفع من شأن النساء الأسيرات وجعل حقوقهن محورًا أساسيًا، مما يميّز الإسلام عن أنظمة تلك العصور، ويدحض الادعاءات العكسية.
4- هل شرّع الإسلام الرق ليبقى ويُستغل؟
هذه شبهة متكررة، والحقيقة أن الإسلام لم يشرّع الرق للاستمرار أو الاستغلال، بل جاء لتنظيم واقع اجتماعي قائم قبل البعثة بهدف القضاء عليه تدريجيًا بحكمة ورحمة.
الإسلام تعامل مع الرق كواقع مؤقت، وفرض ضوابط صارمة لحماية الأسرى والعبيد من الاستغلال والإهانة. بل جعل تحرير الرقاب قربة عظيمة إلى الله، وفرضها في كثير من الكفارات، مما يدل على الهدف النبيل في رفع الظلم وفتح باب الحرية.
كما شرّع حق “أم الولد” التي تلد من سيدها بأن تصبح محررة بعد وفاته، وهو حكم رائد لم يكن موجودًا في المجتمعات السابقة.
إذًا، كان التشريع خطوة ذكية توازن بين الواقع الاجتماعي آنذاك والمبادئ الإنسانية والأخلاقية التي أراد الإسلام تأسيسها، ورفع من مكانة العبيد وكرّمهم، وشجّع المجتمعات على التحرر تدريجيًا نحو مجتمع خالٍ من الرق.
5- هل أجاز الإسلام كشف جسد الإماء أم كان ذلك نتيجة سوء فهمٍ فقهي؟
يستدل بعض الجهال بما ورد عن الإمام النووي رحمه الله حين قال: “عورة الأمَة كعورة الرجل، ما بين السُّرة إلى الركبة.”
ويفهمون منه خطأً أن الإسلام أباح للأمَة أن تكشف صدرها وشعرها وتسير مكشوفة بين الرجال! وهذا فهم خاطئ تمامًا.
فالإمام النووي وغيره من الفقهاء لم يقصدوا بهذا القول الإباحة المطلقة لكشف الجسد، وإنما كانوا يتحدثون عن الحد الأدنى من العورة التي تبطل الصلاة إذا ظهرت. أي أن الأمَة إذا صلّت وجب عليها ستر ما بين السرة والركبة كحدٍّ أدنى، وليس المقصود أن لها أن تتعرّى أمام الناس.
أما في الحياة العامة، فالحياء والاحتشام في الإسلام مطلوبان لجميع النساء، حرائر كنّ أو إماء. وكان العرف الإسلامي يحث على ستر الإماء وإلباسهن اللباس الحييّ الساتر، ولم يكن كشف الجسد من مظاهر المجتمع المسلم، بل منكرًا يُستنكر.
وقد قال العلماء:
“لا يجوز للأمة أن تُظهر مفاتنها أو تتشبه بالمتبرجات، بل يُؤمرن بالستر والحياء والوقار.”
إذًا، فليس في كلام الفقهاء أي تبرير للتبرج، وإنما هو بيان فقهي محدد في سياق الصلاة فقط، فاختُزل خطأً لتُبنى عليه دعاوى باطلة.
لكن بعض المستشرقين والكتّاب الغربيين استغلّوا هذا اللبس في الفهم ليصوّروا الإسلام على أنه دين يُحقّر المرأة ويُشيّئها، كما فعل برنارد لويس حين كتب في أحد مقالاته أن الإسلام «يبيح التعدد والإماء بخلاف الكنيسة المسيحية».
وهذا التناول الانتقائي للنصوص تجاهل تمامًا البعد الأخلاقي والتشريعي الذي وضعه الإسلام في التعامل مع الإماء.
كما أشار الباحث Craig Perry في مقال له بعنوان Historicizing Slavery in the Medieval Islamic World أن كثيرًا من الدراسات الغربية لم تؤرخ للرق الإسلامي تأريخًا منصفًا، بل ركزت على الصور السلبية وأغفلت البنية الإصلاحية التي جاء بها التشريع،

فمن الواضح أن النظرة الغربية لموضوع الإماء كانت محكومة بالانحياز الثقافي والديني، لا بالفهم العلمي للنصوص الإسلامية أو للممارسات التاريخية الواقعية.
وهكذا يتبيّن أن الإسلام لم يُبح كشف جسد الإماء، ولم يرضَ بعرضهن كسلعة، بل رفع قدرها وإن كانت أمة، وفرض الحياء والستر على الجميع، ليحفظ كرامة الإنسان رجلاً كان أو امرأة.
ثالثًا: الرق في الإسلام تنظيم تدريجي نحو التحرير
جاء الإسلام في بيئةٍ كان الرق فيها نظامًا عالميًا راسخًا في كل الحضارات تقريبًا ،فبدل أن يُحدث الإسلام انقلابًا فوضويًا بإلغائه دفعة واحدة، اتخذ منهجًا إصلاحيًا تدريجيًا يضرب جذوره من الداخل، حتى يُمهد المجتمع نفسيًا واقتصاديًا وأخلاقيًا لقبول التحرير الكامل.
ولهذا كان تحرير الرقاب من أعظم القربات إلى الله تعالى، وجُعل طريقًا لتكفير الذنوب والآثام.
قال تعالى في تصوير طريق النجاة: {فَكُّ رَقَبَةٍ} [البلد: 13]
وجاءت كفارات كثيرة تُوجب العتق مباشرة:
في كفارة القتل الخطأ: {وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} [النساء: 92].
وفي كفارة الظهار: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا} [المجادلة: 3].
وفي كفارة اليمين: {فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ… أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} [المائدة: 89].
أي أن تحرير الإنسان من العبودية جُعل عبادةً يتقرب بها العبد إلى ربه، لا عملاً سياسيًا أو ضغطًا دوليًا كما حدث في الغرب لاحقًا.
كما حثّ الإسلام على وسيلة عملية أخرى للتحرير، وهي نظام المكاتبة، الذي يمكّن العبد أو الأمة من شراء حريته تدريجيًا
قال تعالى: {وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا} [النور: 33].
هذا النص القرآني جعل الحرية حقًا مكتسبًا للعبد إذا أبدى رغبة صادقة في الاستقلال، بل أوجب على السيد إعانته على دفع المكاتبة، فقال تعالى في تتمة الآية: {وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ}.
بل ورد في الحديث أن النبي ﷺ قال: «من أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله بكل عضوٍ منها عضوًا منه من النار» [رواه مسلم].
فجعل الإسلام التحرير طريق النجاة الأخروي، وأعلى من شأنه حتى صار شعارًا لأهل التقوى.
ولم يقف التشريع هنا، بل فتح أبوابًا كثيرة تؤدي للعتق:
العتق بالتكفير عن الذنوب كما في الكفارات.
العتق بالترغيب في فضائل الصدقة والإحسان.
وقد ذكر الإمام ابن القيم في زاد المعاد أن الإسلام:
“سدّ جميع منافذ الاسترقاق، وفتح كل الأبواب المؤدية إلى العتق.”
وقد اعترف بذلك عدد من المؤرخين الغربيين المنصفين، ومنهم المؤرخ البريطاني William Muir الذي قال في كتابه The Life of Mahomet:
«لقد أدخل الإسلام أنظمة إنسانية ودينية أدت تدريجيًا إلى اختفاء الرق».
وهو اعتراف يؤكد أن الإسلام لم يشرع العبودية، بل وضع تشريعًا تفكيكيًا واعيًا سبق عصره بقرون.
وعليه، فإن عدم التحريم الفوري لم يكن نقصًا في التشريع، بل دليلًا على حكمته وواقعيته في إنهاء الرق دون أن يُنتج ظلمًا جديدًا باسم الحرية.
ومن الشواهد التاريخية الفريدة التي تُجسد هذا الفهم العملي للتشريع الإسلامي، ما عُرف في التاريخ بنظام المماليك؛ حيث كان كثير منهم في الأصل عبيدًا، ثم رُبّوا على العلم والانضباط والكفاءة، ولم يُحبسوا في طبقة اجتماعية دنيا، بل فُتح أمامهم باب الارتقاء حتى بلغوا أعلى مراتب القيادة والسلطان.
ولم يكن ذلك حالات فردية معزولة، بل ظاهرة حضارية كاملة؛ إذ قامت دولة المماليك نفسها على أكتاف من كانوا يومًا في الرق، ثم صاروا سلاطين وقادة جيوش، وحماةً لديار الإسلام، وهزموا التتار في عين جالوت، وصدّوا الحملات الصليبية، وحفظوا العالم الإسلامي من السقوط.
وهذا التحوّل من الرق إلى الحكم والسيادة ظاهرة لم تعرفها حضاراتٍ أبقت الرقيق في طبقة اجتماعية دنيا لا يُسمح لها بالتقدم.
رابعًا: الرقّ المعاصر.. العبودية التي تُمارَس باسم الحرية
كل ما ذكرناه عن السبي والرق لم تنته فصوله بعد، بل أصبح ظاهرة تغيّرت لغتها وصورتها، وبقي جوهرها قائمًا في قلب العالم الحديث. فالعبودية اليوم لا تُمارَس بالقيود ولا في أسواق مفتوحة، لكنها تُفرض بوسائل أكثر دهاءً عبر الحاجة الاقتصادية، والخداع القانوني، واستغلال الفقر والضعف، حتى صار الإنسان يُجبر على بيع حريته وكرامته تحت مسمى العمل أو الهجرة أو “الفرص المتاحة”. وهنا تكمن خطورة الرقّ المعاصر؛ إذ يُمارَس في الخفاء، وتُبرَّر ممارساته بخطاب قانوني وإعلامي يُخفي حقيقته القاسية.
وتتجلى هذه العبودية الحديثة في صور متعددة؛ كالاتجار بالبشر، والعمل الإجباري ، والاستغلال الجنسي المنظم، واستعباد العمال المهاجرين بعقود مجحفة تُصادر فيها الوثائق وتُقيَّد الحركة، وهي ممارسات تُجرد الإنسان من جوهره، وتُعيد إنتاج العبودية بأدوات جديدة، في عالم يرفع شعارات الحرية وحقوق الإنسان، لكنه يعجز عن حماية أضعف فئاته.
فوفق تقرير Global Slavery Index الصادر عام 2023 عن مؤسسة Walk Free، يعيش اليوم ما يقرب من 50 مليون شخص في حالات العبودية الحديثة بأنماطها المتعددة ، في أكثر من 160 دولة حول العالم، مما يؤكد أن جوهر العبودية لم يُلغَ بل تغيّر شكله في العصر الحديث.

وفي خضم هذا الواقع، تتكشف مفارقة أخلاقية صارخة؛ إذ مازال يُوجَّه الاتهام إلى الإسلام في قضية الرق، بينما يُغضّ الطرف عن منظومة عالمية تُعيد إنتاج العبودية اليوم بلا ضوابط أخلاقية ولا وازع إنساني. والحقيقة أن الإسلام، في صورته التشريعية النهائية، لا يقرّ أي شكل من أشكال الرقّ المعاصر، ولا يفتح له بابًا جديدًا، بل يقف موقفًا واضحًا في تكريم الإنسان وصيانة حقوقه، ويُحرّم الظلم والاستغلال، ويجعل الحرية والكرامة أصلًا من أصول التعامل بين البشر.
ولذلك لا يصح اتهامه اليوم بإقرار ممارسات استعباد تُمارَس خارج أي ضابط أخلاقي أو إنساني.
بل إن مبادئ الإسلام في العدل والرحمة وتكريم الإنسان تجعل كل صور الرق المعاصر، مهما اختلفت أسماؤها، مرفوضة ومحرّمة. ومن هنا يتضح أن المشكلة ليست في دينٍ كرّم الإنسان ورفع من شأنه، وإنما في واقع حديث غيّر أسماء العبودية وأبقى حقيقتها، ثم حاول تحميل غيره مسؤولية هذا الخلل.
الخاتمة:
إنّ شبهة السبي والإماء ليست سوى محاولة خبيثة ومضللة لتشويه صورة الإسلام العظيم، الذي جاء في بيئة شديدة الوحشية في التعامل مع الأسرى والنساء، فهذّبها، ووضع لها نظامًا رحيمًا ومنظمًا. فلم يخترع الإسلام السبي، بل نظّم العلاقة مع الأسرى والنساء بضوابط شرعية صارمة، شددت على الرحمة والإنسانية، وحرّمت كل صورة من صور الإكراه الجنسي، وأمرت بالعدل وصيانة الكرامة الإنسانية.
كما جعل الإسلام تحرير الرقاب عبادةً عظيمة وقربةً إلى الله، وفتح أبواب التحرير عمليًا وتشريعيًا، حتى يُعاد الإنسان إلى حريته وكرامته. ولا يمكن فهم السبي والإماء إلا ضمن سياقهما التاريخي والتشريع الإسلامي الشامل، إذ إن تجزئة النصوص أو إخراجها من سياقها ليس إلا تزييفًا للحقيقة وتضليلًا للوعي.
وعليه، فإن كل ما يُثار اليوم من شبهات حول “السبي” و“الإماء” ليس إلا إعادة إنتاج لأكاذيب قديمة بثوب جديد، تتجاهل حكمة الإسلام ورسالته في إنقاذ البشرية من الجاهلية ووحشيتها، ورفعه شأن الإنسان، رجلاً كان أو امرأة، حرًّا كان أو أمة.
قال تعالى: {وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا} [النساء: 27].
تنبيه منهجي:
لا يهدف هذا المقال إلى تبرير نظام الرق أو الدفاع عنه بوصفه نموذجًا قابلًا للتطبيق في الواقع المعاصر، وإنما يبيّن أن التشريع الإسلامي تعامل مع واقع تاريخي قائم، ووضع له ضوابط إنسانية صارمة، وفتح مسارات واضحة لإنهائه. وعليه، فإن كل صور الاستعباد المعاصرة، مهما اختلفت مسمياتها، تتناقض مع مقاصد الشريعة في العدل والحرية وكرامة الإنسان.
المصادر:
1- القرطبي، محمد بن أحمد. (2006). الجامع لأحكام القرآن. دار الكتب المصرية.
2- ابن القيم الجوزية، زاد المعاد في هدي خير العباد
3- بلوتوس (Plautus)، مسرحية Pseudolus، عرض مسرحي على يوتيوب، Lycée Millet 2009. متاح على الرابط:
(Plautus)، مسرحية Pseudolus، عرض مسرحي
4- Arnold, Thomas W. The Preaching of Islam: A History of the Propagation of the Muslim Faith. Constable, 1896.
5- Le Bon, Gustave. La civilisation des Arabes. Firmin-Didot, 1884.
6- Lewis, Bernard. Islam and the West. Oxford University Press, 19 Muir, William. The Life of Mahomet. Smith, Elder & Co., 1858.
7- Perry, Craig. “Historicizing Slavery in the Medieval Islamic World.” Journal of the Economic and Social History of the Orient, 2014.
8- Schimmel, Annemarie. Mystical Dimensions of Islam. University of North Carolina Press, 1975.
مقالات عربية:
جهود النبي صلى الله عليه وسلم في مكافحة الرق والاتجار بالبشر –
إشكالية وجود مسائل الرق في الفقه الإسلامي والدعوة إلى تخليصه منه
دولة المماليك في مصر
1517-1250م
مقالات أجنبية:
Non-Muslim Writers on Slavery in Islam
Analysis: Advice for Keeping Slaves in Ancient Rome*
Slavery in the Roman Republic*


