وصلنا في الجزء الأول من مقالتنا حول ظاهرة تصاعد عمليات الذئب المنفرد في الغرب_ إلى نتيجة مهمة وهي أن نصيب المسلمين في أصل هذه العمليات التي تحدث في الغرب يبقى ضعيفًا مقارنة مع إجمالي عمليات الذئاب المنفردة في ذات الأرض. إلا أن الإعلام الغربي دأب على تصوير العمليات التي ينفذها مسلمون، بشكل يظهر الإسلام كدين عدوان وظلم وإرهاب للأبرياء. وبوصف الذئاب المنفردة من المسلمين بأنهم مبرمَجون لإحداث القتل والدمار  لمجرد القتل والدمار، تدفعهم الكراهية للغرب على طريقة المتطرفين.

عمليات الذئب المنفرد في الغرب

بينما نظرة واحدة في رسائل هؤلاء الذئاب التي يرسلونها قبيل تنفيذ عملياتهم، تكفي لتؤكد أن الدافع الأول لإقدامهم على هذا النوع من العمليات هو الانتقام من سياسات الغرب التي فتت العالم الإسلامي وأوهنته، والسخط من حالة القهر التي تعيشها الأمة المسلمة بما فيها شبابها الذي فقد الكثير من الأمل في حياة مستقرة كريمة مزدهرة كما يعيش بقية شباب الغرب. وكثيرًا ما يكون المنفذون غير ملتزمين ظاهريًا بتعاليم الإسلام، إلا أن تعاطفهم مع قضايا المسلمين كان أكبر من أن يُسيطر عليه.

 حول الإرهاب في الغرب

سنتناول الآن الإحصائيات التي حددت ملامح عمليات الذئاب المنفردة، حيث جاء في الإحصائيات حول الإرهاب في أوروبا منذ 1970 إلى سنة 2016، أن أغلب الهجمات التي استهدفت فرنسا، طيلة هذه الفترة تندرج ضمن خانة العنف السياسي:

الجبهة الوطنية لتحرير كورسيكا، ومنظمة “إيتا” الباسكية، وجبهة تحرير بريستون، والجناح اليميني المتطرف، والجيش السري لتحرير أرمينيا ومجموعة النازيون الجدد..

في حين أن الهجمات التي نفذها مسلمون ما بين 2015 و 2016 تبقى جدّ محدودة بالمقارنة مع السجل الحافل من العنف السياسي في الغرب. وفي نفس الاتجاه ذهبت الإحصاءات التي سجلت في إسبانيا، وبلجيكا وبريطانيا، وما أكده تقرير المؤشر العالمي للإرهاب لسنة 2015، حيث تصدرت الهجمات التي ينفذها أفراد لم يثبت انتماؤهم إلى أي تنظيم إرهابي للذئاب المنفردة بـ 164 هجمة في مقابل 74 هجمة من جهات متعددة، وذلك ما بين 2006 و 2014، وكشف أن نحو 67 في المائة من هذه الهجمات مصدرها العنف السياسي، وأن ما يتعلق بالأصول الإسلامية لا يتعدى 19 في المائة.

اقرأ أيضًا: كل الإرهاب إسلامي باستثناء 99.6%

دراسات

ومع الفقر النظري في باب دراسة وتحليل ظاهرة “الذئب المنفرد”، نجد أن هناك خلافات كبيرة حول الأسس التي يمكن الحكم من خلالها على أي هجوم إرهابي، بأنه من تنفيذ “ذئب منفرد”، ففي إحدى الدراسات الأخيرة، يشير العلماء إلى أن ظاهرة الذئب المنفرد جاءت نتيجة تصورات من وسائل الإعلام والجهات الفاعلة السياسية الراديكالية، وليس لها أساس في العلوم الاجتماعية أو المصطلحات القانونية، وقد حاولت دراسة كل من أورلاندري دانزل وليساندرا مونتانيز من جامعة ميرسي هيرست، نشرت في دورية Behavioral Science of Terrorism and Political Aggression  في سبتمبر 2015. تقديم ملخص للاقترابات الثلاثة المحددة لمعايير تحديد هذه الظاهرة وتفسيرها.

وكانت الدراسة الجديرة بالاهتمام بعنوان “ظاهرة الذئب المنفرد: تقييم الملفات الشخصية الحالية Understanding the lone wolf terror phenomena: assessing current profiles” بسطت استعراضا للنظريات التي دُرست لفهم هذه الظاهرة، باعتماد  ثلاث حالات عملية لذئاب منفردة، أمكن من خلالها وضع استنتاجات وخلاصات نظرية:

أول هذه الحالات، حالة “تيد كاتشينسكي”

تيد كاتشينسكي

تيد كاتشينسكي

أحد أكثر الذئاب المنفردة موهبة على الإطلاق؛ ولد في 22 مايو 1942 في شيكاغو، ونشأ وترعرع في أسرة ملحدة. كاتشينسكي خريج جامعة هارفارد وعالم في الرياضيات قام بتخطيط وتنفيذ 16 تفجيرًا منفصلًا على مدار 17 عاما، مما أسفر عن مقتل 3، وإصابة 23. مكلّفًا مكتب التحقيق الفيدرالي الأمريكي أطول وأغلى تحقيق في تاريخه.

بعد فترة انعزال عن المجتمع وخلال الفترة من 1978 إلى 1995، بدأ كاتشينسكي سلسلة طويلة من التفجيرات في أنحاء البلاد، استمرت، حتى تم القبض عليه في 3 إبريل 1996.

الحالة الثانية حالة – “تيموثي ماكفي”

تيموثي ماكفي

تيموثي ماكفي

يميني متطرف، وجندي سابق في الجيش الأمريكي. وُلد في 23 إبريل 1968، في نيويورك يعتبر ماكافي العقل المدبر لتفجير مدينة أوكلاهوما، في 19 إبريل 1995، والذي أدى إلى مقتل 168 شخصًا، وإصابة أكثر من 500 شخص، ولا يزال يُعتبر أعنف حادث إرهابي محلي في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية.

التحق تيموثي بالجيش الأمريكي، وشارك في حرب الخليج الثانية عام 1991. وهناك ظهرت ميوله العدوانية والشرسة في التعامل مع الخصوم، خاصة اتجاه زملائه السود. وخرج تيموثي من الجيش بسبب آرائه المتطرفة والمعارضة للحكومة، حيث رأى أن ممارسة العنف ضد الحكومة يأتي بسبب شعور المواطنين بالظلم. وضع تيموثي مركبة مُفخخة أمام أحد المباني الفيدرالية في مدينة أوكلاهما خلال ساعات النهار حتى يتمكن من حصد عدد كبير من الأرواح، وقد تم إعدامه في 11 يونيو عام 2001.

الحالة الثالثة حالة “نضال مالك حسن”

نضال مالك حسن

نضال مالك حسن

وهو ضابط طبيب عمل في الفيلق الطبي بالجيش الأمريكي، وُلد في 8 سبتمبر 1970، في ولاية فيرجينيا من أصول فلسطينية، وتمت إدانته في حادث إطلاق نار على زملائه في مركز “فورت هود” بولاية تكساس، في 5 نوفمبر 2009، حيث قتل 13، وأصاب 32 آخرين. أصبح نضال معاديًا للجيش الأمريكي بسبب تدخلاته العسكرية في أفغانستان والعراق. فحاول ترك الحياة العسكرية، ولكن تم التضييق عليه، ولم يُسمح له بذلك. وفي 5 نوفمبر 2009، حمل نضال سلاحه وأطلق النار على زملائه، وقد حُكم عليه بالإعدام في 28 أغسطس 2013.

ملخص الاقترابات الثلاثة المحددة لمعايير تحديد ظاهرة الذئاب المنفردة جاءت حسب الدراسة كالتالي:

1- الاقتراب التعريفي:

هو أحد الاقترابات الذي يوفر أطرًا نظرية مفيدة لتحديد العناصر الرئيسية لظاهرة الذئب المنفرد، حيث حدد أحد هذه الأطر ثلاثة معايير لازمة لإطلاق مسمى “الذئب المنفرد” على العمل الإرهابي، وهي:

  1. أن تتم بشكل فردي
  2. ألا ينتمي مُنفذ العملية لتنظيم إرهابي
  3. أن يتم التخطيط للعملية دون تدخل أي عناصر خارجية أو قيادات هيراركية.

أمّا معهد الاتحاد الأوروبي للدراسات الأمنية، فقد سلّط الضوء على عدة مبادئ أساسية في تعريف ظاهرة “الذئب المنفرد”، وهي:

  1. أن يكون هناك تمييز واضح بين الذئب المنفرد والعمليات الإرهابية التقليدية، فعلى الرغم من أن الذئب المنفرد يمكن أن يحصل على دعم أحد التنظيمات الإرهابية الكبيرة، إلا أنه لا يتلقى دعمًا ماديًا مباشرًا من هذا التنظيم، ويعمل وحيدًا.
  2. أن من ينفذ العملية الإرهابية يجب أن يكون شخصًا منفردًا، وليس اثنين أو شبكة صغيرة.
  3. قد يكون الذئب المنفرد متعاطفًا مع جماعة إرهابية ما، أو ينتمي إلى نفس أيديولوجية هذه الجماعة، ولكن لا يجب أن يكون جزءً من هيكلها التنظيمي.

2- الاقتراب المعياري:

يتضاءل حجم الأدبيات التي باتت تستخدم القصور العقلي كمدخل وحيد لتفسير ظاهرة الذئب المنفرد. وقد حاول عدد محدود من العلماء وضع عدة نماذج تفسيرية لفهم هذه الظاهرة من أكثر من منظور. إحدى هذه المحاولات تمثّلت في تصنيف الذئب المنفرد إلى خمس فئات:

العلماني، غريب الأطوار، المتدين، ذو القضية الواحدة، المجرم الجنائي

فكل تصنيف من هذه التصنيفات يكون لديه نوع من التحركات التي تُساعد على تفسير سلوك الذئاب المنفردة بشكل أفضل، والتي قد تكون دفاعا عن قضية سياسية أو قومية أو إثنية. أو لدوافع شخصية أو اضطرابات نفسية. أو يتحرك باسم الدين، كالعنصريين البيض والنازيين الجُدد بحسب وجهة نظر الدراسة. وإمّا لمناصرة قضية واحدة تدخل في دائرة انتماءاته أو اهتماماته. وأخيرا، هناك من يمارس الإرهاب في سبيل كسب الأموال “المجرم الجنائي”.

تصنيف آخر وضع أربعة أبعاد أساسية لظاهرة الذئب المنفرد:

أولا: التطرف:

وهو أحد الأبعاد التي اتفق جميع العلماء على أنها جزء أساسي في هذه الظاهرة، والاختلاف الوحيد في هذا البعد هو كيفية تطور التطرف، عن طريق التنشئة الاجتماعية أم عن طريق عوامل ذاتية.

ثانيا: العوامل المُحفّزة:

ويتراوح هذا البعد بين الإرهابي الأناني الذي يضع نفسه في مكانة أسمى من القضية ذاتها، والإرهابي الذي ينكر ذاته ويضحي بنفسه في سبيل القضية.

ثالثا: شكل العمل الإرهابي:

وهنا يجب التمييز بين الحدث الإرهابي الواحد والأحداث التسلسلية، وهذه الأحداث إمّا أن تكون فوضوية أو وظيفية، وهو الأمر الذي لا يُمكن استنتاجه إلا عقب وقوع الحادث.

رابعا: درجة المخاطرة المقبولة من جانب الإرهابي:

فهناك من يبحث عن المخاطرة، وهناك من ينفر منها قدر الإمكان.

3- اقتراب التطرف:

يُعتبر أقل الاقترابات تطورًا بين العلماء فيما يتعلق بظاهرة الذئب المنفرد، ولكنه اقتراب واعد، قد يحمل في طياته الكثير لتطوير دراسة هذه الظاهرة، ويعّرف بأنه:

عملية شخصية، يتبنى الفرد خلالها مُثُلا وتطلعات سياسية أو اجتماعية أو دينية متطرفة، ويسعى لتحقيق أهداف هذه التطلعات من خلال استخدام العنف العشوائي

وبشكل عام، فإن عملية التطرف هي “مسار نفسي، إذا توافرت الظروف المناسبة لها، يمكن أن تلحق بأي شخص أو جماعة أو أمة”. وبالنسبة للآليات التي يمكن أن تؤجج التطرف الفردي؛ فإنها تتلخص في المظلمة الشخصية، أو المظلمة الجماعية. وخلافًا للإرهابيين التقليديين، فإن الذئاب المنفردة تجمع في كثير من الأحيان بين الثأر الشخصي والمظالم الدينية أو السياسية الجماعية، فهما معًا يُشكلان دافعًا قويًّا لتحدي السلطة الحاكمة، مع ملاحظة أن معظم عمليات الذئاب المنفردة تحمل تحديًا للسلطات السياسية.

وفي المحصلة، نجد أن هدف الذئب المنفرد لا يتمثل فقط في تحقيق العدالة (معاقبة المُخطئ)، ولكنه يسعى إلى الانتقام (أن يقوم هو بمعاقبة المُخطئ).

من خلال تحليل الحالات الثلاث السابقة، أمكن إثبات أنه من الصعب وضع أنماط ثابتة للذئاب المنفردة، لأن هذا قد يجعلنا نغفل عن عدد كبير من الإرهابيين قيد التشكيل، كما أن هذا التنميط مقياس أُحادي لظاهرة الذئاب المنفردة، بينما أثبتت دراسات الحالة أنها ظاهرة متعددة الأبعاد.

وهو ما يظهره الجدول التالي الذي يُلخّص دراسات الحالة السابقة:

جدول

خلاصة دراسة دانزل ومونتانيز

وقد مالت دراسة دانزل ومونتانيز في خلاصتها إلى اقتراب Internal Pack Conflict Theory قد يكون الأكثر فائدة ودقة في التعامل مع ظاهرة الذئاب المنفردة. حيث تفيد هذه النظرية بأنه بغض النظر عن نشأة الفرد “الذئب المنفرد” (الاجتماعية (منعزل/اجتماعي)، فإنه غالبا ما يتعرض لحزمة من الأزمات والصراعات الاجتماعية على مدار حياته بشكل متصاعد، تؤدي إلى جنوحه نحو التطرف. فبنسبة كبيرة، الذئاب المنفردة هم أشخاص لفظهم المجتمع.

الولايات المتحدة الأكثر استهدافًا

لقد تصاعدت هجمات الذئاب المنفردة في الولايات المتحدة وفي عديد من الديمقراطيات في الغرب مثل بريطانيا وألمانيا، بناء على ما نشرته إحدى الدراسات، حيث شهدت هذه الدول 198 هجمة إرهابية نفذها الذئاب المنفردة، في الفترة من 1970 إلى عام 2000. كما أوضحت الدراسة أن هجمات الذئاب المنفردة على الولايات المتحدة قد زادت بنسبة 45%، فهي الدولة الأكثر استهدافًا في الفترة من 1990 حتى 2013، بنحو 46 عملية، بنسبة 63% من إجمالي العمليات على مستوى العالم.

ويبدو أن ارتفاع هذه النسبة في الولايات المتحدة يرجع من جهة لازدياد قناعات المسلمين في أن سياسة الولايات المتحدة كانت وراء تأزيم الوضع في بلدانهم مما أثار موجة استياء وانتقام ظهرت في عدة عمليات للذئب المنفرد، ومن جهة أخرى للاضطرابات التي يعيشها بعض الأمريكيين الذي فشلوا في التعايش مع نظم الحياة الأمريكية كما رأينا مع كاتشينسكي وتيموثي ماكفي.

وأكدت الدراسة أن ظاهرة الذئاب المنفردة لم تصبح تهديدا أمنيّا هائلا فحسب، ولكنها باتت تفرض مزيدًا من الضغوط الاقتصادية والاجتماعية على المجتمعات في الغرب مما دفع الباحثين والمحللين إلى بذل مزيدٍ من الجهود النظرية للكشف عن أنماط الأفراد المعرضين للتحول إلى ذئاب منفردة، وتقوية أواصر الإرهاب العالمي في محاولة لتفادي مثل هذه الهجمات وتأمين استقرار بلاد الغرب.


المصادر

إرهاب قيد التشكل: كيف يتحول الأفراد لـ”ذئاب منفردة”؟.. المعايير والاقترابات المفسرة.

972

الكاتب

د. ليلى حمدان

كاتبة وباحثة في قضايا الفكر الإسلامي، شغوفة بالإعلام وصناعة الوعي، صدر لي 10 كُتب حتى الآن (نجوم على الطريق، صفحات من دفتر الالتزام، إليكِ أنتِ، قبس من خاطر، أمريكا التي رأيت، قراءات مختصرات، المختصر في الملاحم والفتن، خربشات على جدار الصمت، القطوف (صيد المقالات) وصناعة الهمة).

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.