تنبيه لابد منه:

بداية نود أن نُذَكِرَ بحديثِ أبى هريرة رضى الله عنه وأرضاه، عن رسول الله صلى اللهُ عليه وسلم حيث قال: “من أتي عرافاً، أو كاهناً، فصدقه بما يقول فقد كفر بما أُنزل علي محمد صلى اللهُ عليه وسلم”[1]، وعلى هذا فكل من يصدق منجماً أو عرافاً، أو كاهناً أو فاتحة للمندل، أو قارئة الفنجان أو أي فئةٍ من هؤلاء فهذا كفر بكل ما جاء به الإسلامُ.

وكذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :”من أتي عرافاً فسأله عن شيء، لم تقبل له صلاة أربعين يوماً”[2]، وعلى هذا فأن الإسلام ينهي نهياً تاما باتاً عن زيارة هؤلاء، ومن باب الزيارة  لهؤلاء هي  مشاهدتهم على التلفاز أو مواقع التواصل أو أي وسيلة من هذه الوسائل، فهذا يندرج تحت باب الزيارة، وخصوصاً لو أنك أنت الذي ذهبت طواعيةً واختياراً لتتصفح هذه الصفحات أو هذه الفيديوهات المتعلقة بأحد العرافين أو الدجالين أو المنجمين، أو عالمة (دجالة) الفلك الفلانية، أو الشيخ الفلاني الذي يتبنى بمستقبل زواجك أو عالم الأبراج، الذي يقول هذا الزواج يصلح أو لا يصلح بناء على التقاء الأبراج.

فكل هذه الأمور تدخل في إطار أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم التي ذكرناها آنفاً، ولعل من يفكر حتى بمشاهدة هذا أو زيارة العراف، وهو لا يصدقه، فقد حرم الإسلام ذلك سداً لأي باب من أبوب الشبهات، فهؤلاء لديهم من الحيل الكثير التي يلعبون بها بعقول الناس فيشتتون عقائدهم كما حدث في بلاد الغرب الصليبي حيث تدمرت العقيدة تدميراً تاماً، وقطعاً هذا ليس مجال التفصيل، ولكن كان لابد من ذكر هذه الأمور حتى تضح الصورة فيما سيذكر.

نوسترادمس مولده ونشأته وسيرته:

هو مايكل دي نوسترادمس وإن كان شهرته باسمه الأخير فقط، ولد في ديسمبر 1503 م، وهو مسيحي كاثوليكي ويقال أن أباه وجده كانوا يهودًا[3]، وعلمه جده علم النجوم والرياضيات وبعض اللغات اللاتينية، ولما كبر دخل الطب وتخرج منها، وقد ابتكر وصفةً خاصةً لمرضِ الطاعون أكسبته شهرة عالية في ذلك الوقت، وبدأ يتنقل من بلد إلى آخر داخل أوروبا وفى ذلك اطلع على كتب السحر والتنجيم، وكان معروفاً أنه يتخذ أساليب مخالفةً لما هو متعارف عليه وخصوصاً في استعمال الحجامة (وهى معروفة لدى المسلمين).

اكتشاف احتيال نوسترادمس

وتدور الأيام فيستقر بفرنسا  ويتزوج هناك وينجب طفلين فيموتون هم وزوجته بالطاعون على اثر انتشاره في فرنسا، فاصبح معروفا بعد ذلك بالفشل في علاج هذا المرض وأنه كان يلعب بالناس ويتحايل عليهم، لأنه كان مخترعاً لعلاجِ من الطاعون، بل وطلب  بعد ذلك من محاكم التفتيش، حيث اتهم بالكفر[4].

 فهرب الى مدينة “سالون” وتخفى هناك، وتزوج من إمراه ثرية وبدأ هناك مرحلة جديدة حيث الاشتغال بالتنجيم والسحر، وبدأ في ذلك الوقت يكتب نبوءاته في كتاب سماه “القرون”[5]،  فهو متنبئ وقد وضع تنبؤاته في كتاب من عشرة فصول وسمى كل فصل منها قرناً، ولا علاقة لهذه القرون بما نعرفه بالقرون المعهودة لدينا، ولكنه سمى الفصل قرناً لأنه يتكون من مائة قطعة باستثناء الفصل السابع يتكون من 42 قطة فقط ولم يتمها للمائة، وهذه القطع وضعها على هيئة رباعيات منظومة شعراً فكل قطعة هي رباعية شعرية استعمل فيها لغةً خاصةً وفريدةً من نوعِها إذ هي خليط من اللاتينية والاغريقية والبروفانسية (مقاطع فرنسية) والفرنسية والإيطالية والاسبانية وهناك من يقول بأن لغته هذه هي اللغة الفرنسية القديمة القريبة من أصولها اللاتينية الاغريقية.

الشكوك حول كتاب القرون

ولقد صدرت أول طبعة من كتابة “القرون”[6] أثناء حياته في سنة 1555م ولكنه لم يكن يحتوي على الفصول العشرة كلها وإنما احتوي على الفصول (القرون) الثلاثة الأولى ونصف الرابع، ولم ينشر المجموعة كاملة إلا بعد وفاته بسنتين أي في سنة 1568م[7]، مما قد يوحى ببعض الشك في كثير مما كتب انه منسوب له في الأصل، بل من قبيل التلاعب الذي حدث بعد ذلك من حيث استغلال هذه النبوءات سياسياً كما سنرى.

والغريبُ في الأمر، بل مما يتعجب له حيث التطور العلمي في أوروبا وتقدم العقول هناك أنّ الكثيرين حولَ العالمِ قد أسقطوا تلكَ النّبوءاتِ على أحداثٍ وقعتْ في أيامنا هذه، مثل قنبلةِ هيروشيما اليابانية في العام 1945م، وحادثةِ مكّوكِ تشالنجر في العام 1986م، والثورةِ الفرنسيةِ في العام 1789م، إضافة إلى هبوطِ مركبةِ أبّولو، وموتِ الأميرة ديانا، والحربِ العالميةِ الأولى والثانيةِ، وما بينهما من تواريخَ مهمة. والأعجب أن كثيرًا من الناس  ومن العلماء يصدق بها، ولكن يزول العجب على تصديق العقول لها رغم تقدمهم في العلم والتكنولوجيا، عند معرفة أن كثيرًا من علماء الهند الذين برعوا في علم الفلك والتكنولوجيا الحديثة والطب والهندسة حتى صعدوا برحلات إلى القمر، ثم يعودوا فيعبدون بقرة.

ملحوظة:

يوجد طبعات لكتاب النبوءات الخاصة بنوسترادمس بينها اختلاف في النبوءات، ولعلَّ السبب في هذا الخلاف أنها تحرف وتفسر على حسب الأهواء التي يراها الناشر، أو الدولة أو المخابرات التي تريد توطيد أمراً ما في عقول الناس، أو بصرف أذهانهم عن شيء ما فتستخدم من باب الإلهاء بتنبؤ بوقوع أحداث مثل ما حدث من إلهاء الشعوب بنهاية العالم عام 2012م حيث صرف العقول والأذهان بعيدا عن أحداث أكثر أهمية تدور وتحدث في البلاد، وهذا يرجع أهمية هذه التنبؤات وغيرها حيث أنها تستخدم استخداما خطيراً للتلاعب بالعقول، كما سنرى.

Embed from Getty Images

حقيقة هذه النبوءات

قبل أن نكمل أردت أن أوضح حقيقية هذه النبوءات، فبداية ما هي إلا خزعبلات استُغلَتْ من قبل كل من له مصلحة للترويج لأشياء يريد لها أن تنتشر في عقولِ الناسِ، وذلك لأنها مكتوبة بلغة بها بعض التعقيد كما أوضحنا آنفاً، وحتى ما يفسر منها بعد ذلك تجده كلاماً عاماً يُحمَلُ على أكثرِ من معنى، وعلى هذا يسهل تحوير الكلام بطيه كيف شاء القارئ ليسقطه على ما يريد؛ فيستغلها البعض بتفسيرها كيف شاء، ومن بعض هذه الأمور ما حدثَ في الحربِ العالميةِ الثانيةِ من الاستغلالِ السياسي لها بعد تفسير العبارات تفسير يسير في هذا الإطار.

طيوراً تحلقُ في السماءِ فوقَ بلادِ الهلالِ

كما لو أننا نرى الان الأوضاع في الدول العربية تنذر بحرب تقع عليها عامة من قبل العدو الصليبي، فنقول كلاماً عاماً يحمل بعد ذلك بتفسيرات يسهل طيها كيف شاء السياسي أو الدولة التي تريد استخدامها فنقول:

نرى طيوراً تحلقُ في السماءِ فوقَ بلادِ الهلالِ، وتتساقطُ فيها فتحرقُها وتحترقُ، وتخترقُ وتمضى إلى البعيدِ المجهولِ، وفي داخلها أحداث عظام

فهذه الكلمات من الممكن تفسيرها على أي أحداث قد تحدث في أي دولة عموماً وفى الدول الإسلامية خصوصاً. فإن أردنا إسقاط هذه النبوءات على أي بلد مسلم وذلك لأنني جعلتها مطلقة فقد قلت بلاد الهلال،-والهلال يرمز عند الغرب للإسلام- بل أستطيع بهذه الكلمات أن أسقطها على أي دولة في العالم إن أردت تفسيرها كذلك.

فمثلا إذا حدث حادث في دولة نصرانية نستطيع تفسير ذلك وفقا لحالة القمر آنذاك، وحتى الطير الذي ذكرته بقولي طيوراً تحلق، فيمكن أن نفسرها على كونها طائرات وكذلك نفسرها على كونها طلقات نارية بحدوث صدام ما أو ثورة ما أو حتى مسيرة ما، وكذلك نفسرها على كونها صواريخ، أو حتى نفسرها على كونها هبوب الرياح مع أمرض تصيب مدينة ما، أو نفسرها على كونها مجاعة أصابه بلد معين ونتيجته تساقط الأفراد موتاً كتساقط الطيور من السماء… وهكذا نفسر الكلام كيفما يحلو لنا على الشيء الذي نريده وقتما نريد، وهذا فن التلاعب بالألفاظ والعبارات.

وسيكون ذلك نذير لأحداث جسام

ونضرب مثالا آخر حتى تضح حقيقة هذه النبوءات وغيرها، فإذا قلنا وفى هذه المرة سنحدد وقتاً معيناً حتى نصعب الأمر أكثر فنقول: “ويلتقي الطائران التقاءً حميماً بعام 2027م وسيكون ذلك نذير لأحداث جسام تلي هذا”

فنستطيع تفسير ذلك على أي دولة في العالم أي تفسير نريد في ذلك العام، فإذا تزوج حاكم دولة فنقول بأن الطائران هو وزوجته قد التقوا، وكان اللقاءٌ حميماً أي من الحميمة وهذا بحالة السلم، أما إذا أردناها بحالة الحرب فنفسرها أن الطائران التقوا في حرب التقاء حميماً أي جاءت من الحمم أي اللهيب، وهكذا هي الأمور، فأردت أن نضرب مثالاً للتوضيح كيف تسير مثل هذه التنبؤات وغيرها من التلاعب بالكلمات وبعقول الناس فتستغل سياسيا على أفضل ما يكون، للوصول للغايات المنشودة لهم.

استغلال النبوءات سياسياً أكبر دليل على كذبها

وقد استغلت هذه النبوءات لأغراض سياسيةٍ وعسكريةٍ على مدى الزمن ففي الحرب العالمية الثانية اكتشفت زوجة غوبلز( أحد كبار أعوان هتلر) الكتاب سنة 1936م، ونبهت زوجها إليه والذي عرفَ بدورة قيمته الإعلامية فرتب الأمر مع وزارة إعلام هتلر وقاموا بتوظيف منجم سويسري اسمه ارنست كرافت الذي قام بالتعرف على الرباعيات والمقاطع المفيدة إعلامياً لأغراض الحرب النفسية وتوطيد أذهان الناس لغزو واحتلال أوروبا.

فوز ألمانيا وانتصار بريطانيا

وابتدأت ألمانيا بتفسير النبوءات بطيها وتحويرها حتى تتماشى مع الأغراض السياسية التي تريدها، حيث توقع في النفوس بأن الهزيمة لا محالة وأنها أتية لا شك فيها فقامت من سنة 1940م بإلقاء منشورات من الطائرات على الأهالي في فرنسا وغيرها، حيث تستخدم فيها هذه النبوءات بما يخدم أغراضها.

Embed from Getty Images

ولم تقف المخابرات البريطانية على عهد تشرتشل مكتوفة الأيدي أمام هذا النصر الإعلامي النازي فقاموا بدورهم باستخدام نبوءات نوسترادمس في حملة إعلامية مضادة فقاموا بتفسير النبوءات كيف شاءوا هم أيضا وبطريقة تتناسب معه ومع أغراضهم السياسية وقاموا بإلقاء منشوراتهم من الطائرات على الأهالي بفرنسا وبلجيكا وإن كان قد جاء ذلك متأخرًا إذ أنهم جاؤوا بذلك سنة 1943م، وصرفوا ما لا يقل عن 80000 باوند إسترليني وهو مبلغ ضخم في ذلك العهد إضافة إلى حالة الإفلاس التي كانت بها بريطانيا[8].

فخلاصة القول أصبحت النبوءات الآن مفسرة تفسيرين، الأول يقول بنصر ألمانيا وهزيمة بريطانيا والثاني يقول بنصر بريطانيا وهزيمة ألمانيا وبالتالي ففي كلتا الحالتين ستكون النبوءات صحيحة عند أحدهم أي سواء في حالة انتصار أو هزيمة كلا من بريطانيا وألمانيا، فكل منهم فسر على هواه، ووفقاً لما يتناسب مع سياسته.

وبالفعل فلما انتصرت بريطانيا وهُزِمت ألمانيا، روجت بريطانيا وفرنسا على صدق هذه النبوءات بقتل هتلر وهزيمته في الحرب، وهذه كانت إحدى أكبر النبوءات التي قيل أنها تحققت، مما يدل على الكذب والخداع والتزييف في مثل هذه الأمور.

أحداث الحادي عشر من سبتمبر

ويعتبرُ بيتر ليميسورييه[9] أنّ نوسترادموس ليس طبيبًا ولا عالمَ فلَكٍ ولا حتى نبيًا، بل هو مجرّد رجلٍ أيقنَ أنّ التاريخَ يعيدُ نفسه، وبذلك تَوقّعَ أنّ بعضَ الأحداثِ التي انقضت ستُعيدُ نفسها في المستقبل، ويشيُر البعضُ إلى رباعيةٍ مرتبطةٍ بأحداث الحادي عشر من سبتمبر، وهي الرباعيةُ رقم I.87 (أي أنّها الرباعيةُ الـ 87 في القسمِ التاسع I) والّتي يمكنُ أن تُترجمَ إلى النصِ التالي:

(من مركزِ العالم تنبعثُ نيرانٌ تهزّ الأرضَ، وتجعلُها ترتعشُ حولَ المدينة الجديدة)

فبقليلٍ من الخيال، يقوم أحدنا بربطِ النّقاط ببعضها البعض، ونتساءل، هل الأرضُ المهتزّةُ بالنيران هي الانفجاراتُ الناجمةُ عن البرجين؟ وهل المدينةُ الجديدة هي نيويورك كما يزعم مفسري نبوءات نوسترادمس؟

Embed from Getty Images

ونعودُ هنا إلى ليميسورييه، الذي يُرجّحُ أنّ استخدامَ نوسترادمس لعبارةِ “المدينةِ الجديدةِ” في كتاباته الأصليّة يمكنُ أن تفيدَ معنىً آخرَ كلياً في اليونانية أو اللاتينية، وهو بعيدٌ عمّا تعودنا عليه في تسمياتِ المدنِ الحديثة نيويورك ونيو أورلينز.

علاوة على ذلك، فإنّ الأبياتَ تُشير بوضوحٍ إلى أنّ النيران لن تكونَ من السماء، وإنما من مركزِ العالم (كالحِممِ البركانيّة مثلاً). وبمعنى آخر، لم يقلْ نوسترادمس أي شيءٍ عن نيويورك، ولا عن حادثةِ الحادي عشر من سبتمبر، ولكن رغم ذلك يقوم البعض بطي الكلام ويحرفه على هواه حتى يحاول إقناع الآخرين أنها أحداث سبتمبر[10]، وكذلك الأمر في كثير من النبوءات التي سنتناول إنجاحها بالنسبة له ونقف عليها بالتحليل والإيضاح، ولكن نتابع هذا في المقال التالي إن شاء الله.


المصادر

[1] -رواه احمد والحاكم وصححه على شرطهما

[2] – صحيح مسلم

[3] -وان كان ذلك غير مؤكد بنسبة كبيرة، وفقا لأرجح الاقوال حول هذه المسألة

[4] – ذلك لأنه قال لاحد صناع التماثيل وهو يصنع تمثال لمريم العذراء فقال له إنك تصنع شياطناً

[5] دراسة في تنبؤات نوسترادمس ص 8:11

[6] – قد يعرف هذا الكتاب تحت اسم نبوءات نوسترادمس

[7] -دراسة في تنبؤات نوسترادمس ص 5،6

[8] -المرجع السابق ص 8

[9] – عالمُ اللّغوياتٍ السابق بجامعةِ كامبريدج

[10] -موقع الباحثون السوريون مقال بعنوان، نوسترادمس. الرجل، الأسطورة، الزيف والخداع

656

الكاتب

مصطفى محمود زكي

ماجستير قانون عام وباحث دكتوراه، مقدم حلقات شخصيات حق علينا معرفتها وكاتب بموقع الألوكة. نرى أننا إذا أردنا النجاحَ والتقدمَ فإنه لا سبيل عن معرفةِ الماضي معرفةً دقيقة واعية، حتى نعرفَ ماذا فعل أعداءُ الأمةِ بنا، وكيف نهض السابقون بالأمة.

اترك تعليق

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.