اختيارات المحرر

صناعة الإنسان – محمد زكي نموذجًا

لم يكن شهيدنا -إن شاء الله- أول شهداء غزة ولا حتى آخرهم؛ لكننا وجدنا في سيرة هذا الشاب ما يرجعنا إلى سير المسلمين الأوائل الذين أخذوا على عاتقهم نشر الدين والدفاع عنه، وقد ظننا لوهلة أن هذه الشخصيات لن تتكرر، وأنها صفحة وانطوت بلا رجعة، حتى بدت لنا كشخصيات أسطورية. فما كان من غزة إلا أن فاجأتنا بنماذج تشبه في نشأتها وأثرها وبطولاتها فرساننا الأوائل.

إن اختيارنا للحديث عن “محمد” اليوم دون غيره ليس تفضيلًا لدمٍ على دم، فكل قطرة دم سالت كانت نداء محبة وفداء؛ لكنه يمثل نموذجًا نادرًا لما يمكن أن تنتجه غزة حين تشتبك عوامل التربية مع الوعي والثقافة والإيمان والهمة القوية. إنه مثال صريح لصناعة الإنسان الغزي الذي يصبح منارة لمن حوله ويترك علامة فارقة لكل متتبع لسيرته، فهو الإنسان الذي جمع بين العلم والجهاد، الفكر والميدان، القلم والبندقية.

فقط 31 ربيعًا

لا يقاس عمر المرء بطول الزمن، بل بما قدّم فيه من أثر في حياة الآخرين. فكثير منا يرحلون بدون بصمة، ومنا من تظهر بصمته في حياته، ومنهم من تبدأ في حياته وتظهر بعد موته. وصاحبنا كان من القلة الذين بدأت بصمتهم في حياتهم وتوقدت بعد موتهم. ففي حياته كان يُعرف بين أصدقائه ومحيطه بأنه “الداعية والخطيب والشيخ الحافظ لكتاب الله، ومؤسس جمعية صفوة الحفاظ”، وبين المجاهيدن كان “المجاهد قائد فصيل النخبة في كتيبة بيت حانون”، وبين الأكاديميين كان “الكاتب بين زخات الرصاص ورطوبة الأنفاق، صاحب درجة الماجستير في تفسير القرآن الكريم”، وأخيرًا كما يليق بمسيرة الأبطال أصبح “الشهيد”.

العالم الموسوعي

تخرج محمد من الثانوية العامة بتفوق، وكان يمكنه دراسة أي من التخصصات المرموقة لدى العامة، لكن محمد آثر استكمال تحصيله الشرعي الذي بدأه بسِنٍّ مبكرة، فدرس أصول الدين في الجامعة الإسلامية بغزة، ثم واصل دراسته العليا، فحاز درجة الماجستير من الجامعة نفسها. ولم يكتفِ بذلك بل سعى لامتلاك الكثير من العلوم، فلم يسمع عن شيخ في غزة لديه نوع من العلوم إلا ذهب إليه وأخذ عنه. فأصبحنا أمام:

محمد خطيب المسجد وإمامه، ومحمد المقرئ المجيز الضابط، العامل على نشر هذا الخير وبثه، ومحمد المفسر الذي يحمل درجة الماجستير في تفسير القرآن ويظهر هذا جليًا في تفسيراته على بعض الآيات في كتابه “تحت راية الطوفان”، ومحمد الذي كان يعطي الدروس في علوم الحديث ويشرح أهم كتبه، ومحمد الذي يُدرّس السيرة النبوية كل أربعاء في مسجده، ومحمد الفقيه الشافعي الذي كتب وعلّم في هذه المسائل، ومحمد المجاهد المرابط الثابت على الثغور. ولا يمكن لذلك كله أن يتم إلا بحضور محمد التقيّ العابد الزاهد المحب للخير وللناس.

بعض الآثار

إن أبرز ما يميز محمد هو مشروعه الفكري الذي وصلنا من كتاباته، فهو لم يكن مجردَ خطيبٍ أو كاتب انفعالي، بل عقلًا تحليليًا، كتب وتحاور وناقش، وانتقد السرديات الزائفة، وصحح المفاهيم. ولم يكن تراكميًا بقدر ما كان وظيفيًا؛ أي أنه يكتب استجابة لحاجة، لا طلبًا للشهرة. وبهذا اتسم مشروعه الفكري بالربط بين النص والواقع دون إخلال بأحدهما، وبالاستعانة بالحجج والدلائل. ثم استحضار البعد المقاصدي في فهم الشريعة، والتحرر من الخطاب الوعظي السطحي، فاتجه نحو التحليل والتفسير العميق. ويتضح ذلك من خلال ما يلي:

1- كتاب “غيث اليراع في شرح متن أبي شجاع”: وهو كتاب في الفقه الشافعي.

2- كتاب “تحت راية الطوفان”: وقد خطّ هذا الكتاب تحت زخات الرصاص والقنابل، بين أنفاق المقاومة والعُقد القتالية، حاول فيه فهم الإنسان في قلب المحنة: كيف يفكر وكيف يصمد وما علاقة القرآن بذلك؟ ثم ذكر بعض المعجزات والكرامات التي رافقت هذه التجربة.

 3- كتاب “القيم الإعلامية في الخطاب القرآني”: وهي رسالة ماجستير حاول فيها وضع آلية للتصدي للغزو الإعلامي الغربي للمجتمع الإسلامي مستمدة من الخطاب الإعلامي في القرآن الكريم.

4- كتاب “النيات والقربات في المهن والصناعات”: وهذا دليل على كبر همه وحرصه على أن يفوز الجميع برضا الرحمن وجناته، وأن نعيش بالإسلام، متعبدين لله حتى في عملنا؛ فكتب في جميع المهن المتداولة، يحثُّ أصحابها على التقيد بأحكام الشريعة التي تخص كل مهنة ويجعل منها عبادة يتقرب بها إلى الله، ويبتعد عن كل ما حرمه الله في مهنته.

5- كتاب “أزمة كيان”: كُتب خلال الحرب الأخيرة، ويتحدث فيه عن مؤشرات قرب زوال الاحتلال ودلالات سقوطه القريب.

6- السلاسل العلمية: كتب الكثير من السلاسل التي تتناول شؤونًا خاصة مثل سلسلة “بين أروقة رمضان” تتناول الأمور الفقهية التي تلزم المسلم في رمضان، بالاضافة إلى الأعمال المستحبة فيه. ثم عرج للتذكير على أيام المسلمين العظيمة التي وقعت في رمضان أيضًا.

7- المئات من الخطب والمحاضرات المسجلة: التي كان يلقيها في المسجد أو في أماكن أخرى.

الجذور الأولى

في كنف أبٍ صاحب بكالوريوس فلسفة وأمٍ تفوقت دراسيًا وكانت حافظة للقرآن الكريم، وُلد محمد عام 1994م في أسرة غزيّة محافِظة، في بلدة بيت حانون شمال قطاع غزة. حاولت هذه الأسرة تربية أبنائها العشرة وتنشئتهم تنشئة إسلامية صالحة، في محاولة لصنع الإنسان المسلم الفعّال. فغرست في أبنائها أن العلم أمانة، والعمل مسؤولية، والقيم واجبة. وهذا كان كفيلًا بصقل شخصيته وبناء وعي عالٍ وحبٍّ للعلم والتعلم وتعلق شديد بالقرآن الكريم، وفي هذا الوسط أصبح محمد فقيهًا كاتبًا ومجاهدًا، وهذا يعد امتدادًا طبيعيًا لجذر تربوي عميق.

القرآن

تمكّن صاحبنا من إتمام حفظ القرآن الكريم كاملًا عند العاشرة أو بعدها بقليل. وقد لمس فيه المحيطون تعلقه الشديد بهذا الكتاب المرشد الهادي، فقد كان يسأل ويغوص في جزئيات لا يتلفت لها من هو بمثل عمره. فأكرمه الله بصوت جميل ليجمل هذا الحفظ به -يمكن للقارئ الاستماع لها فهي منشورة في متناول اليد- ولم يكتفِ صاحبنا بذلك بل سعى ليصل لمرحلة الإتقان؛ فتعلّم الأحكام والتجويد، وقرأ على يد شيوخ غزة الكبار، حتى كان من أوائل الساردين للمصحف الشريف في جلسة واحدة في قطاع غزة.

ومن إيمانه بضرورة نشر هذا العلم الذي أكرمه الله به، شرع صاحبنا بمحاولة بث هذا الخير، فتخرج على يديه عشرة من الساردين المتقنين، ثم بدأ كل سارد حلقته الخاصة به لبث هذا الخير. فكان له نصيب من كل آية تُرتل وتُسمع. ثم ترأس أكاديمية القرآن الكريم والسنة الإلكترونية العالمية، التي تعتبر جزءًا من “دار القرآن الكريم والسنة” وهي المؤسسة الأكبر في قطاع غزة التي تهتم بشؤون القرآن الكريم، فكان يشرف على تحفيظ القرآن الكريم وشرح علومه لطلاب من سبعين دولة حول العالم.

ثم ما لبث أن ساهم في مشروع “صفوة الحفاظ” الذي أصبح مشروعًا مجتمعيًا يقوم على تخريج حفظة لكتاب الله على مستوى عالٍ حفظًا وتجويدًا. فكان من القِلة التي قرأت القرآن بقلوبها ولم تقرأه بعيونها فقط، فكان مثالًا على الحافظ المتقن، العامل به، والذي خصه بالجزء الأكبر من وقته وجهده.

المسجد

يُعد المسجد في حياة المواطن الغزي محطة مركزية، متجاوزًا للدور التقليدي له، فهو مكان للتعلم والتزكية وتنمية الوعي وبناء العلاقات، وهو مصنع الرجال، ونقطة الاحتكاك الأولى مع المجتمع، ومن خلاله يدرك الشخص أن الدين ليس طقوسًا فقط؛ وإنما بوصلة للحركة في الحياة. وهنا في “مسجد العجمي” شرق بيت حانون؛ بدأ صقل وعي صاحبنا، فبدأ طفلًا صغيرًا في حلقات التحفيظ حتى أصبح أميرًا للمسجد قبل بلوغه سن الثلاثين، وهو الموقع المسؤول عن التفاعل مع القضايا الاجتماعية والسياسية لرواد هذا المسجد، إضافة لعمله في التحفيظ والدعوة والعمل الجهادي ومواصلة طلب العلم.

النهاية المنطقية

ابن سبعة عشر ربيعًا… قرر صاحبنا الالتحاق بالمقاومة، وهو الذي قيل عنه: “ما كان يرى ثغرًا فيه خير للأمة إلا وسارع إلى سدّه”، فكان السبّاق للجهاد بين أقرانه، اللازم لثغره، المرابط في ليله قبل نهاره، متشبثًا بأرضه، ممتشقًا سلاحه. سار في درب الجهاد أربعة عشر عامًا تخللها الكثير من المهام والدورات التدريبية والحروب، فلم يكل أو يمل؛ بل كان من المحرضين على ضرورة الالتزام والإخلاص في نصرة الإسلام.

حتى جاءت لحظة 13 يوليو 2025 التي أنهت رحلة محمد، الذي لم يكن مجرد رقم يضاف إلى سجل الشهداء، بل علامة فارقة تثبت مجددًا أن القلم والبندقية أدوات لمعنى واحد. فقد كان في حمل محمد للسلاح اكتمال لمشروعه الفكري، ودليل على فهمه للجهاد باعتباره مسؤولية أخلاقية حين تُستنفد كل السبل. وشهادته لم تكن لأنه يبحث عن الموت أو عن بطولة، بل كانت اختيارًا للحياة بمعناها الأوسع الذي يشمل الكرامة والحرية والواجب والجنة، مدركًا لمعنى التضحية وحدودها.

فرد بنكهة جيل

حين ننظر إلى سيرة الشهيد محمد زكي، لا نرى قصة فرد فقط، بل انعكاسًا لصناعة الإنسان المعجزة في غزة.

من الأسرة، إلى المسجد، إلى المقاومة، يتشكّل الرجال الذين لا ينكسرون ولا يستسلمون.

كان محمد نموذجًا لناسكٍ متعبد، ولكلمةٍ تقاتل، ولفكرةٍ تنمو، ولرجلٍ يواصل الطريق حتى آخره…. إن الأمم لا تعيش بعدد أبنائها، بل بنوعهم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى