هذا المقال هو ترجمة بتصرف لمقال World politics explainer: the Iranian Revolution لكاتبه محمد أوزالب. الآراء الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن وتوجهات تبيان.

لفهم أسباب الثورة الإيرانية، يجب علينا أولا أن نفهم الصراع المستمر الذي تدور رحاه بلا هوادةٍ في المجتمعات الإسلامية بين العلمانيين الذين يجتهدون في فرض نماذج الحكم العلمانية، وبين المسلمين الذين يرَوْن ضرورة الحُكم بمرجعية إسلامية.  

ـــ بدأت القصة مع الاستعمار البريطاني للهند في عام 1858، الحدث الذي كان ضربةً مُوجِعة في جسد الحضارة الإسلامية الذي اشتد سقمه في تلك الفترة، وكان عامِلا أساسيًّا في انهيار الحضارة الإسلامية كليا بعد أقل من قرن من وقوعه. وبحلول القرن العشرين، كان العالم الإسلامي بأكمله تقريبا مُستعمرًا من قبل القوى الأوروبية. 

انهارت الإمبراطورية العثمانية، آخر ممثل للحضارة الإسلامية، بعد الحرب العالمية الأولى في عام 1918. وهكذا، شهِد النصف الأول من القرن العشرين نضال الشعوب المسلمة وكِفاحِها لنيل استقلالها واسترجاع سيادتها.

وبعد موجات التحرر الشعبية نالت الشعوب استقلالها. ثم استطاعت النُخب العلمانية والوطنية القبض على زِمام الحكم، واكتسبت السيطرة السياسية ونالت القيادة في بُلدانها. أراد هؤلاء القادة تقليد أوروبا في تخفيفها من قبضة الكنيسة على المجتمع والسلطة، واعتقدوا أن المجتمعات الإسلامية سوف تتطور إذا ما تمت تعريتها من الإسلام، أو على الأقل تقليل تأثيره على المجتمع من خلال فصل الدين عن الدولة، وحصر الإسلام في عِباداتٍ تُؤدّى في أديرته المخصصة. 

وما حدث في تركيا أوضحُ مثالٍ على هذا، فإحدى الإصلاحات الرئيسية التي تبنتها جمهورية أتاتورك العلمانية الجديدة هي إزالة الخلافة العُثمانية، وتجريد الخليفة (الزعيم الديني والسياسي الذي يُعتبر في الإسلام خليفة رسول الله) من منصبه في عام 1924، الأمر الذي شكّل صدمةٍ لم يسبق لها مثيل في العالم الإسلامي. 

اقرأ أيضا: جناية أتاتورك وإسماعيل الصفوي على تركيا وإيران

تسبب هذا في ظهور حركاتٍ إصلاحية إسلامية تهدف إلى إحياء الإسلام من جديد يقودها العُلماء الذين تنبّهوا لهذه الموجة العلمانية الاستئصالية، وعلِموا أن تمكُّنَها خطر على وجود الإسلام ذاته. 

وعلى الرغم من أن هذه الحركات الإسلامية الإصلاحية لم تكن سياسية في بداياتها، إلا أنها حصلت على دعمٍ جماهيري كبيرٍ في وقتٍ كانت فيه الجماهير المسلمة بحاجة إلى عزاءٍ روحي ومُفتقرة إلى دعمٍ إجتماعيٍّ بعد صدمة سقوط الخلافة. ثم، ومع مرور الوقت، استطاع قادة هذه الحركات تكوين وتطوير رؤية إسلامية واضحة المَعَالمِ للمجتمع ولِنموذج الدولة. وفي سبيل إحياء المشروع الإسلامي من جديد، نَشَطت هذه الحركات الإسلامية في المشهد السياسي.  

الحرب الباردة وتأثيرها

مع نهاية الحرب العالمية الثانية، نجت البلدان الإسلامية ــ إلى حدٍّ كبيرٍ ــ من أنياب الإستعمار الغربي.. لتقع ضحية الحرب الباردة. 

كان الاتحاد السوفيتي قد كثّف جهوده في السعي إلى ضمّ إيران وتركيا لمعسكره. وردًّا على ذلك، زوّدت الولايات المتحدة الأمريكية كِلا البلدين بالدعم الاقتصادي والسياسي لتضمن انضواءهم تحت لواء الكتلة الغربية الديمقراطية. استلمت الدولتان هذا الدعم بابتسامةٍ تفيضُ سعادةً، وبعد أن أصبحت الدولتان ديمقراطيّتان رسميا في عامي 1950 – 1951 على التوالي ـــ حُسِبَتَا مع المُعسكر الغربي. 

محمد مصدق، مُحاط الصحفيين في مطار سيركا، 1955

محمد مصدق، مُحاط بالصحفيين في مطار سيركا، 1955

بعد فترةٍ وجيزة، أصبحت الجبهة الوطنية لِمحمد مصدق أول حكومة إيرانية منتخبة ديمقراطيا في عام 1951. كان مصدق زعيمًا ذا نزعة علمانية، واستطاع الحصول على دعمٍ واسع من النخبة العلمانية وعُلماء الدين سواء. ومما ساعد محمد مصدق في تحصيل الفوز من صناديق الاقتراع هو الازدراء الشعبي لِمَلَكِيَّة الشاه رضا بهلوي، والغضب الشعبي تجاه الاستغلال الغربي لحقول النفط الإيرانية؛ فمع الهجوم النازي الكاسح ضد الحُلفاء في الحرب العالمية الثانية، كان النفط الفارسيُّ هو ما مكّن بريطانيا وروسيا من تحمّل المد النازي المدمر والبقاء على قيد الحياة.  كما استطاعت بريطانيا تعزيز قوتها الاقتصادية من خلال استغلالها لحقول النفط الإيرانية، بينما كان الإيرانيون يتلقون 20 بالمئة فقط من الأرباح. 

اتخذ مصدق خطوةً جريئةً لمُعالجة هذه المسألة من خلال تأميم شركة النفط الأنجلو-إيرانية المملوكة سابقًا لبريطانيا (AIOC). لم يسر هذا في مصلحته، بل جلب غيظ بريطانيا وأميركا، فتحرّشتا به من خلال فرض عقوباتٍ اقتصادية أعاقت تقدم الاقتصاد الإيراني. 

ثم في عام 1953، تمت الإطاحة بحمد مصدق عن طريق انقلابٍ عسكريٍّ نظّمته وكالة المُخابرات الأمريكية (CIA) بالتنسيق مع المخابرات البريطانية. بعده أُعيد الشاه رِضا بهلوي إلى السلطة، الذي أصبح رجل أميركا وبريطانيا في المنطقة، واستحالت شركة النفط الأنجلو-إيرانية إلى شركة بريتيش بتروليوم (British Petroleum) بقانون أرباحٍ يُعطي 50 بالمئة للطرفين.  

ترك هذا التدخل الأجنبي في دواخل الإيرانيين شعورًا بالإذلال والخيانة والعجز، وتردد تأثيره في العالم الإسلامي بأسره. 

لقد بعث هذا الانقلاب العسكري برسالةٍ مفادها أنه حتى وإن كانت الحكومة مُنتخبةً ديمقراطيًّا، سيتم إسقاطها إذا لم تُسايُر المصالح الغربية ـــ ونفسه حدث مع الانقلاب العسكري في الجزائر في عام 1992، ونفسه حدث مع الانقلاب العسكري في مصر في عام 2013 ـــ ولا يزال هذا هو الخطاب السائد عند النشُطاء الإسلاميين إلى يومنا هذا، وبه تُفَسَّر معظم الأحداث العالمية التي تؤثر على الشعوب المسلمة. 

وإذا نظرنا إلى التطورات في إيران بين عامي 1953 و1977، سنلاحظ أن الشاه اعتمد اعتمادًا كبيرا على الولايات المتحدة الأمريكية في تطوير الجيش الإيراني وفي “عَصْرَنَةِ” المجتمع، كما أن الأيادي الأمريكية امتدت لِبرامِجه في تطوير الاقتصاد، ويظهر هذا جليًّا في ما سماه بــ “الثورة البيضاء”. 

على الرغم من أن برنامج الشاه الاقتصادي جلب الرخاء وساهم في تقدم الصناعة في إيران، كما متّنت المبادرات العلمية والتعليمية المستوى العلمي في إيران وقلّلت نسبة الأمية، إلا أن كل ذلك جاء بتكلفةٍ باهظة؛ فقد تم توزيع الثروة بشكل غير متكافئ، وزادت نسبة الهجرة نحو المدن، كما شهدت الساحة السياسية قمعًا واسع النطاق للقوى المُعارضة.

ثم يأتي فرضُ العَلْمنةِ على المجتمع، فشعر عُلماء الدين بالقلق مما رَأَوْه من فرضٍ لِأسلوب الحياة الغربي من أعلى إلى أسفل، وشعروا أن الإسلام قد تمت إزالته من المجتمع بالكامل.  

الثورة ـــ مالذي حدث؟

الثورة الإيرانية: مُختصر القصة 2

ردّت المعارضة الإيرانية أخيرًا على القمع السياسي، وكان الردّ عنيفًا. 

بدأت مجموعتان مسلّحتان هما حركة “فِدَايان خَلَف الماركسية” وحركة “مُجاهدي خَلَق الإسلامية” في شن هجمات على المسؤولين الحكوميين في الستينات، كما ظهرت أوجه أخرى للمُعارضة المباشرة وغير المباشرة من الأوساط الدينية بقيادة آية الله الخُميني، ومن الأوساط الفكرية بقيادة علي شريعتي.  

علي شريعتي، مثقف ومُفكّرٌ درس في فرنسا، كان مُعجبًا جدّا بالثورة الجزائرية والثورة الكوبية، ودعا إلى النضال المستمر من أجل تحقيق العدالة الاجتماعية، وشدّد على أهمية التُراث الثقافي الإسلامي بدلًا من النموذج الغربي للمجتمع، كما انتقد العلماء الشيعة لكونهم عالِقِين في عقيدة التهدئة السياسية وتجنّب الصراع المباشرة التي كانت قائمة في إيران منذ قرون ـــ والتي اعتبرها حاجزًا ضد الحماسة الثورية. 

ولكن سُرعان ما ظهر آية الله الخُميني وكسر هذا الحاجز، برز آية الله بدوره الجليّ في احتجاجات عام 1963 وبِخُطَبِه المسجلة والواسعة الانتشار التي تنتقد الشاه علنًا ـــ وتم نفيه نتيجةً لذلك.

مُتأثِّرًا بنموذج الدولة الإسلامية التي تُطبّق فيها أحكام الإسلام كاملةً؛ وبالتالي إنهاء إمبريالية الغرب الاستعماري، قال الخُميني إن على المسلمين أن يُنشِئوا حكومةً إسلامية على أساس القرآن ومسيرة النبي محمد عليه الصلاة والسلام. 

في كتابه “ولاية الفقية: الحكومة الإسلامية”، أصر الخُميني على أنه في ظل غياب الإمام الحقيقي ـــ القائد الشرعي الوحيد من نسل النبي عليه الصلاة والسلام حسب المذهب الشيعي ـــ فإن العلماء مُكلفون بالالتزام بتأدية واجبهم في استلام مقاليد الحكم، بُحكم معرفتهم بالكتاب والتراث الإسلامي. 

ومع مرور الوقت نضجت ظُروف الثورة أكثر فأكثر، فتضَخَّمَت الاحتجاجات التي حرِص أتباع الخُميني على وصولها لجميع المدن الرئيسية، ثم تُوِّج هذا بثورة 1 فبراير 1979 عندما عاد الخُميني إلى إيران مُنتصِرًا.  

تأثير الثورة

إن الثورة الإيرانية كانت حدثًا جلَلًا بكل المقاييس، ليس في إيران فحسب، بل امتد تأثيرها إلى كل العالم، لقد تسببت في تحوّلٍ عميقٍ في الحرب الباردة، وفي الجغرافيا السياسية العالمية، ولم تفقد الولايات المتحدة حليفًا استراتيجيا رئيسيًّا ضد التهديد الشيوعيّ فحسب، ولكن اكتسبت عدوًّا جديدًا. 

حفّزت التطورات في إيران الاتحاد السوفييتي على غزو أفغانستان في عام 1979، وأعقب ذلك اندلاع الحرب الإيرانية العراقية في عام 1982، والتي كانت تهدف إلى إسقاط النظام الجديد في إيران؛ ومن أجل هذا، دعّمت الولايات المتحدة الأمريكية صدّام حسين بالأسلحة والتدريب، وهذا بدوره ساعده في السيطرة على مقاليد الحكم في العراق. 

مآلات الثورة الإيرانية في هذا العصر

الثورة في إيران، ثم الحرب العراقية الإيرانية، وسلسلة الأحداث التي أعقبتها ـــ غزو صدام حسين للكويت في عام 1991، حرب الخليج، ظهور القاعدة، هجمات 11/9 والحرب على الإرهاب ـــ حددت جغرافيا السياسة على مدى العقود الثلاثة الماضية إلى اليوم. 

كما غيرت الثورة الإيرانية المشهد السياسي في الشرق الأوسط بشكل كبير، فَبِسَعْيِ إيران لقيادة العالم الإسلامي أشعلت حربًا باردة بينها وبين حُكمِ آل سعود، ولازالت الحرب الباردة بين إيران والسعودية مستمرة حتى يومنا هذا، وتظهر تجليّاتها في النزاعين السوري واليمني. 

ولقد أعادت الثورة الإيرانية الإسلام السياسي إلى الحياة في جميع أنحاء العالم الإسلامي، لقد أظهر نجاح الثورة في إيران أن إقامة نموذج دولةٍ إسلاميةٍ لم يكن مجرد حلم، بدا أن إسقاط وُكلاء الغرب في المنطقة من الحُكام والدكتاتوريين العلمانيين المُتعاونين مع السيد المُستعمر، والتخلص من السيطرة الغربية، بل إسقاطها حتى والهيمنة عليها في كثير من الأحيان أمرٌ ممكنٌ جِدًّا، ولا يحتاج تحقيقه إلا إلى عزمٍ وطول نَفَسٍ ومُثابرة.

وهكذا، خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي انتشرت العديد من الأحزاب السياسية الإسلامية في جميع الدول الإسلامية تقريبا، كان هدفها أسلمةُ المجتمع باستخدام أدوات الدولة كالمؤسسات الإدارية والمؤسسات التربوية. 

أعلنت هذه الحركات الإسلامية أن النموذج العلماني قد فشل في تحقيق التقدم وفي المحافظة على الاستقلال، بل اتُهِّم في كثير من الأحيان بأنه قد اغتال حُلم الثورة ونيل السيادة، وأعلنوا أن النموذج الإسلامي هو البديل الأصلح والأسلم. بالنسبة لهذه الحركات، كانت الثورة الإيرانية دليلا على أن حُلم إقامة دولة الإسلام يُمكن أن يُصبح حقيقةً واقعة. 

هل نجحت الثورة الإيرانية؟

إذا نظرنا إلى الأمر من المدى البعيد، نقول أن الثورة مازالت قائمة. لقد تمكنت من الصمود لمدة أربعة عقود، صمدت خلال الحرب الإيرانية العراقية التي استمرت ثماني سنوات، فضلا عن صمودها عبر عقودٍ من العقوبات الاقتصادية. 

من ناحيةٍ أخرى، وعَدَ الخُميني وأنصاره الشعب بإنهاء الفجوة بين الأغنياء والفقراء، وتحقيق تقدمٍ اقتصاديٍّ واجتماعي. اليوم، الاقتصاد الإيراني في حالة سيئة، ولولا عائدات النفط لانهار الاقتصاد منذ زمن. الناس غير راضين عن ارتفاع معدلات البطالة والتضخم المفرط، للشعب أملٌ ضئيلٌ في النهوض الاقتصادي. 

والنقطة الأهم: أسلمة المجتمع. لقد فشلت السلطة أيضا في تحقيق النتائج المرجوة، رغم أن 63 بالمئة من الشعب الإيراني وُلدوا بعد الثورة، إلا أنهم ليسوا أكثر تديُّنًا من الذين وُلِدوا أو عاشوا قبل الثورة. يبدو أن مناهج النظام في إحياء الإسلام تحتاج إلى مراجعة. 

مُعظم الإيرانيين يُلقون باللوم على العقوبات الأمريكية التي لا تنتهي، مُعلِنين أنها سببُ عدم نجاح الثورة بعد، ورغم أن إيران تُتاجر مع القوى الأوروبية، وكذلك مع الصين وروسيا، إلا أن الإيرانيين يؤمنون أن الغرب لا يريد لبلادهم أن تنهض بأي ثمن.  

338

الكاتب

كودري محمد رفيق

من الجزائر، أكتب في الدين والفكر والتاريخ، أرجو أن أكون مِن الذين تُسدُّ بهم الثغور.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.