اختيارات المحرر

الوجود التاريخي للأنبياء

إن أجمل ما يميز العلم أنه متواضع، والمنغمسون في البحث العلمي حول العالم يدركون أن العلم سعي دائم نحو الحقيقة، كما يؤمنون أن إدراك الحقيقة المطلقة غير ممكن، وهذا ما يجعل العلم في حركة تقدمية باستمرار، فكثير من الأفكار التي قبلها المجتمع العلمي منذ مئة عام أصبح يرفضها اليوم، واستبدلها بأفكار أخرى هي ذروة الإبداع العلمي في زماننا، وبعد مئة عام أخرى ربما تُرفض هذه الأفكار لحساب أفكار جديدة أكثر تناسقًا وتآلفًا مع الواقع.

ولهذا السبب، يستخدم العلماء في خطابهم لغة تتجنب الحسم والتأكيد، وتستبدل هذه المفردات بمفردات الترجيح والظن، ولذلك كم كانت دهشتي عندما قرأت في أحد المواقع الإخبارية تصريحًا منقولًا عن أكاديمي ومسؤول سابق عن الآثار المصرية جاء فيه أنه لا توجد أدلة تاريخية على وجود الأنبياء، بعبارة واثقة وحاسمة. افترضت أن ناقل الخبر أساء فهم الآثاري المخضرم، ولكن بعدما تتبعت تفاصيل الخبر بدا لي أن ما نُقل عن الرجل صحيح، وأنه يظن أنه لا يوجد دليل تاريخي أو أثري يدل على الأنبياء.

بدا لي أن إثارة الموضوع على هذا النحو كان الغرض منه الظهور والشهرة، ولكن التعليقات التي ثارت يومئذ بشأن ادعاء الرجل نبهتني أن هناك خللًا في بنائنا الثقافي المعاصر. أنا كمسلم أعتقد أن الأنبياء المذكورين في القرآن الكريم قد وجدوا تاريخيًا، ولكن تكرار زعم أن الأنبياء والرسل لا دليل من التاريخ والآثار على وجودهم يستلزم مناقشة هذا الزعم مناقشة علمية، حتى لا يُترك الميدان لمزاعم غير علمية وغير أمينة.

البحث في التاريخ والمصادر

قبل أن أخوض في مناقشة تاريخية وجود الأنبياء، يجب أن أُقدِّم تعريفًا لمصطلح التاريخية نفسه، لأن سيولة التعريفات -وفي حالتنا هذه تعريف التاريخ- هي أصل كل المصائب الثقافية التي نشهدها اليوم.

في إيجاز، البحث التاريخي يستخدم المناهج العلمية المتعارف عليها -الكمية والكيفية- في معالجة مصادر الحدث التاريخي، مثل: شهادات من شهدوا الحدث، أو الآثار التي تخلفت عن الحدث، للوصول إلى تصور حول الحدث التاريخي. وكأي ممارسة علمية فإن المؤرخ لا يزعم أن منتج بحثه هو الحدث التاريخي، ولكنه يؤكد دائمًا على أن هذا المنتج هو تصوره عن الحدث التاريخي، تصورًا يراوح بين ظن خالص وظن يرقى إلى اليقين، دون أن يدّعيَ اليقين؛ لأن اليقين الخالص مستحيل في العلوم الطبيعية، فما بالك بالعلوم الإنسانية. إذًا البحث التاريخي، مثله في ذلك مثل أي بحث علمي، يتوقف على ما هو متاح من مصادر، فإذا غابت المصادر حول واقعة فإن هذا لا يعني انعدام الواقعة، بل يعني انعدام المصادر المتعلقة بالواقعة.

مثلًا، لقرون ظل الاعتقاد السائد أنه لم تكن هناك مدينة تسمى طروادة، وأن ما جاء في الإلياذة والأوديسة محض خيال، حتى اكتشف العالم الألماني هنريش شلايمان أطلالها عام 1870م. أما أخناتون فقد كان كل ما نعرفه عنه هو ما ذكره المؤرخ مانثيون، وهو أنه ملك متهم بجريمة غامضة تستلزم صب اللعنات على رأسه، ثم اكتشف عام 1891م عالم الآثار فلندرز بتري أطلال مدينة أخيتاتون، عاصمة أخناتون، فأصبحنا نعرف الكثير عن هذا الملك.

نخلص من ذلك أن غياب الأدلة المادية الملموسة في هذه الأمثلة لم ينفِ تاريخية حروب اليونان والطرواديين، ولم ينفِ تاريخية أخناتون، وسواء توفرت هذه الأدلة أو انعدمت فإن الواقعة التاريخية قد حدثت، لكن معرفتنا بها مقطوعة لعدم وجود رابط يصلنا بها.

تاريخ فرية انتفاء وجود الأنبياء تاريخيًا

Paul_Heinrich_Dietrich_Baron_d'Holbach_Roslin
البارون دولباخ (1723-1789)

أول من روج لهذه الفرية، كان البارون دولباخ (1723-1789)، وهو نبيل ألماني عاش في باريس، واشتهر بجهره بالإلحاد، وتكريسه قلمه للهجوم على المسيحية عامة، والكنيسة الكاثوليكية خاصة. كان دولباخ في كتابته يؤكد على أن السيد المسيح شخصية خيالية لم توجد قط، زاعمًا أنه لا توجد أي إشارة في السجلات التاريخية للمسيح عدا ما ذكرته أسفار العهد الجديد. وفي سبيل إثبات مزاعمه، تجاهل دولباخ مصادر تاريخية غير مسيحية أكدت على وجود المسيح، مثل فلافيوس جوزيفيوس في كتابه (آثار اليهود) والمؤرخ الروماني تاكيتوس في حولياته1

يمكن أن نفهم دافع دولباخ لادّعائه وتجاهله الأدلة التاريخية باعتبار طبيعة العصر والمكان الذي عاش فيه، فقد عاش الرجل في فرنسا في ذروة الصراع بين الكنيسة وهؤلاء الذين يناضلون للتحرر من سيطرتها، ومات في العام نفسه الذي اندلعت فيه الثورة الفرنسية والتي وضعت في مقدمة أهدافها تدمير الكنيسة، فزعم دولباخ قد جاء في هذا السياق، ولعله أختار هذا الزعم بالذات ليضرب الكنيسة في أساسها، فإذا كانت الكنيسة تزعم بأنها تنوب عن المسيح في حكم العالم، فإن عدم وجود المسيح ينزع أي شرعية عن الكنيسة. 

ولقد تسلم الراية عن دولباخ بعد وفاته الكثير من المفكرين المعادين للكنيسة، وظلت هذه المزاعم تظهر حينًا وتخفت حينًا، متزامنة مع المد والجزر في صراع الكنيسة ومعارضيها. وبعكس مدرسة دولباخ وخلفائه النزاعة إلى المخاصمة والعدوانية والتي تفتقر إلى المنهجية العلمية، ظهرت مدرسة فكرية أخرى، أخذت على عاتقها البحث العلمي الموضوعي حول تاريخية المسيح، ورسم صورة حقيقية للسيد المسيح خالية من خزعبلات الكنيسة، وقد انتهت هذه المدرسة إلى المسيح شخصية حقيقية وجدت تاريخيًا، ولكنها أنكرت تصوير المسيح الذي تروجه الكنيسة وما تنسبه له من تعاليم. وبينما كانت مدرسة إنكار الوجود التاريخي للمسيح تتمركز في فرنسا، البلد صاحب التاريخ الطويل في النضال ضد الكنيسة، كانت المدرسة التي تقر بوجود مسيح تاريخي غير مسيح الكنيسة المزعوم، تنتشر في ألمانيا البلد الذي أسهم الإصلاح الديني في تشكيل هويته، ويمثل هذه المدرسة المفكر الألماني الحائز على جائزة نوبل، آلبرت شفايتزر (1875-1965)2، وإن كان هذا لا يمنع أن هناك في كل بلد من تبنّى آراء المدرسة التي تتخذ البلد الآخر معقلًا لها، فقد كان إرنست رينان (1823-1892) فرنسيًا، ولكنه تبنى في كتابه حياة المسيح تاريخية المسيح3. ولعل سيجموند فرويد يوم أن قدم عمله موسى والتوحيد، كان على درب مدرسة المسيح التاريخي، فأقر بالوجود التاريخي لموسى عليه السلام، دون الإقرار بما نسبت له التقاليد اليهودية من أخبار وأقوال4

مصادر تاريخ الأنبياء

أشرت من قبل إلى أن عدم وجود مصادر لواقعة تاريخية لا يعني انتفاء وقوعها، إنما يعني ببساطة أنه لا توجد مصادر بحوزتنا حول هذه الواقعة. وكمسلم، فلا شك عندي أن القرآن الكريم مصدر مؤكد للوجود التاريخي للأنبياء والمرسلين المذكورين فيه. ولكن هؤلاء الذين يزعمون عدم وجود أي مصدر تاريخي يؤكد وجود الأنبياء يريدون مصدرًا على مقاسهم، معبدًا لزيوس مثلًا نُقشت على جدرانه قصة نبي الله موسى، ولو وجد مثل هذا المعبد فلن يعتبرونه دليلًا على وجود تاريخي للنبي موسى، ولكنهم غالبًا ما سوف يعتبرون أن هذا دليل على أن قصة موسى عليه السلام أسطورة وثنية اقتبستها اليهودية، ذلك لأن أكثر أصحاب هذا الزعم اليوم إنما يحركهم الهوى والأجندات المحسوبة.

ومع ذلك، ألا يعتبر ذكر الأنبياء والرسل في الكتب المقدسة لليهود والنصارى دليلًا تاريخيًا؟

مرة ثانية، كمسلم فإني أؤمن بأن التوراة والإنجيل والزبور كتبٌ منزلة من عند الله، ولكن أؤمن أنها قد حُرفت -وهذا ما يعتقده الكثير من العلماء غير المسلمين الذين درسوا ما بقي من هذه الكتب إلى اليوم- فأنا أؤمن بها جملة دون تفصيل. وطبيعة هذا الإيمان المجمل دون تفصيل، يتفق مع التعامل العلمي مع النصوص البشرية القديمة، فوجود أرسطو مثلًا مقطوع به، بل يُقطع بما نُسب إليه من أقوال وآراء، على الرغم من أن ما بين أيدينا من كتب منسوبة إلى أرسطو، يقطع العلماء أن أكثر ما فيها هو ما رواه ودوّنه تلاميذه وتلاميذ تلاميذه عنه، بل إن هذه الروايات والمدونات قد فُقدت بعدما نُقلت مكتبة أرسطو إلى آسيا الوسطى ثم إلى روما، ثم أعاد تحريرها ونشرها أندرونيكوس الروديسي في روما في القرن الأول الميلادي. ومع ذلك فإن أرسطو مقطوع بوجوده التاريخي على الرغم من عدم توافر أي مصدر معاصر له يدل عليه، ولكن العلماء يعتبرون أن اجتماع الناس في هذه الفترة على وجود أرسطو هو في حد ذاته دليل على وجود هذا الرجل جملة، ولكن موضوع الجدل هو تفصيل حياته وآراؤه.

نخلص من ذلك أن الوثائق والكتابات الدارجة، والتي قد تكون أحيانًا غير منسوبة لمعين، إذا شاعت وقُبلت في زمانها، فإنها غالبًا ما تدل بالإجمال على وقائع تاريخية، وهو ما ينطبق على ما جاء في الكتب المقدسة لليهود والنصارى من قصص الأنبياء، فهي دليل على وجودهم جملة، أما تفصيل تلك الروايات فموضع نظر.

ومع ذلك، فقد قامت كثير من الأدلة على وفرة مصادر تاريخية وافقت ما ذكر في هذه الكتب من وجود الأنبياء، فدلت مثلًا لوحة مرنبتاح والتي اكتشفها فلندرز بتري عام 1896م على وجود بني إسرائيل، أي في النصف الثاني من القرن الثالث عشر قبل الميلاد؛ وذكرنا سلفًا كيف ذكر فلافيوس جوزيفيوس السيد المسيح في كتابه آثار اليهود والذي يعتقد العلماء أنه قد بدأ في تأليفه نحو عام 70م وأخرجه للجمهور في عام 90م، أي أن جوزيفيوس قد بدأ تأليف كتابه هذا بعد رفع السيد المسيح مكانًا عليًا بفترة قصيرة، بينما لا يزال ذكر السيد المسيح حيًا وسط الناس، ولا يمكن أن نزعم أن جوزيفيوس كان من أنصار المسيح، فقد كان جوزيفيوس يهوديًا ومتعصبًا، وقد تهجم على السيد المسيح في كتابه المذكور؛ وقد أشرنا أيضًا إلى المؤرخ الروماني تاكيتوس وكتابه الحوليات، والذي يعتبر من مصادر الموثوقة للتاريخ الروماني في القرن الأول من الميلاد، ومؤلفه إلى جانب أنه مؤرخ فهو رجل دولة روماني، وفيه يذكر صراحة اسم السيد المسيح باعتباره رأس نحلة يهودية سببت المشاكل في زمانه5.

أما نبي الله إبراهيم، فقد ذكرته العديد من المصادر المصرية القديمة المتأخرة، مثل كتاب آجيبتيكا لمؤلفه الرحالة والمؤرخ اليوناني هيكاتيوس الأبيدري، والذي عاش في القرن الثالث قبل الميلاد، وزار مصر ونقل عن كهنة طيبة قصة زيارة نبي الله إبراهيم، ودوّنها فصلًا من فصول كتابه المذكور. وعلى الرغم من أن هذا الكتاب ضاع، إلا أن شذرات من الكتاب نقلها عنه كتّاب آخرون، إلى أن قام بتتبعها وجمعها علماء معاصرون مثل الألماني فليكس ياكوبي. وإلى جانب المصادر المدونة، فإن هناك مصادر مادية موضع نظر من قبل العلماء، يأتي على رأسها لوحة جدارية في مقبرة خنوم حتب الثاني في بني حسن، وكان خنوم حتب الثاني حاكم الصعيد إبان عهد الملك أمنمحات الثاني والملك سونسرت الثاني من ملوك الدولة الوسطى، وتظهر اللوحة مجموعة من سبعة وثلاثين شخصًا آسيويَّ الهيئة، يقودهم شخص يشار له بالاسم أبيشا، وتشير اللوحة إلى أنهم حضروا إلى مصر من شوط للتجارة، وشوط اسمٌ استخدم في هذه الحقبة للإشارة إلى سيناء وجنوب فلسطين، وبينما يعتبر كثير من علماء الآثار المعتدلين مثل الأمريكي جاري بايرز أن هذه اللوحة دليل على وفود جاءت من الهلال الخصيب إلى مصر، وهو ما يرجح أن نبي الله إبراهيم قد وفد على مصر وأن حفيده يعقوب قد هاجر بأسرته إليها، يذهب آخرون من أصحاب الآراء المتطرفة مثل عالم الآثار الكتابية الأمريكي الصهيوني كريستوفر إيمس إلى أن اللوحة تصف قدوم نبي الله إبراهيم إلى مصر، معتبرًا أن اسم قائد المجموعة أبيشا دليل على صحة رأيه، زاعمًا أن الاسم تحريفٌ لاسم إبراهيم.

ولكن وكما أشرت سابقًا فإن صاحب الهوى سوف ينكر أي دليل لا يوافق هواه، ويحرفه حتى يستخدمه لمصلحته. 

من يدفع للزمار يفرض عليه اللحن

ما الذي يجعل واقعة ما تاريخية وأخرى ليست تاريخية.

إن هؤلاء الذين يطلبون دليلًا على وجود الأنبياء التاريخي في نقوش المعابد القديمة أو في سجلات المحاكم الرومانية، ليس بوسعهم أن يدركوا سيولة مفهوم الواقعة التاريخية. فإذا كانت تاريخية واقعة تتحدد بتأثير هذه الواقعة على التاريخ الإنساني، فإنه ينبغي أن يكون اختراع المحراث أو إبرة الخياطة من أهم وقائع التاريخ، ومع ذلك فإنك قلما وجدت مرجعًا تاريخيًا صدر قبل نصف قرن من الآن يهتم بمثل هذه الوقائع.

يجب أن نفهم أنه على طول التاريخ كان الحكام هم من يملكون القلم والمداد والقرطاس، وفي كثير من الأحيان اليد التي تكتب، ولذلك فإن المعابد والمقابر والوثائق حافلة بتمجيد هؤلاء، حتى ولو كان ما قاموا به مجرد جرائم. إن الرجل الذي صنع الإبرة قد غير تاريخ الإنسانية، ومع ذلك أهملت المصادر التاريخية اسمه، بينما شخص مثل جنكيز خان، كل ما قام به يمكن أن يوصف بأنه إبادة جماعية منظمة، يعتبر من أبطال التاريخ لأنه استطاع أن يجد ألف مؤرخ، مدفوعًا بالرشوة أو بالخوف أو بروح القطيع، يروي جرائمه في صورة أعمال مجيدة. ولطالما كان التاريخ هو سردًا لمآثر الحكام والملوك، بل إن أول سجل تاريخي في تاريخ الإنسانية كان ثبتًا بأسماء وأعمال الملوك السومريين.

لوحة مرنبتاح
لوحة مرنبتاح

لنعود إلى لوحة مرنبتاح، والتي ذكرت بني إسرائيل في جملة واحدة، تشير إلى أن الملك صاحب اللوحة، مرنبتاح، قد أنزل هزيمة مؤلمة بهؤلاء، هذه اللوحة كانت قد وجدت في أطلال معبد بناه أمنحتب الثالث، ولكن مرنبتاح جاء وأزال اسم أمنحتب الثالث عن هذا المعبد ووضع اسمه عليه باعتباره معبده الذي بناه. فهل تتخيل أن يأتي رجل بهذا التفكير، يأمر مؤرخه أن يكتب أن سلفه -والذي ربما يمت بصلة قرابة له وهو على الأقل يستمد شرعيته باعتباره خلفه الشرعي- كان أحمقًا اعتقد أنه إله، وأن رجلًا عاديًا مثل موسى ليس بملك ولا يؤيده جيش جرار، لا يؤيده إلا الله وحده، قد فضح حماقة من تجري أنهار مصر من تحته، قبل أن ينتهي هذا الأحمق غريقًا بعد تحدّيه لله. هل تتصور أن يكتب مرنبتاح على معبده مثل هذه القصة؟ ماذا سوف يحدث إذًا لعقيدة الملك الإله الذي ظل ملوك مصر القديمة يستمدون شرعيتهم منها منذ أولى أسراتهم؟

بمقياس كتبة القياصرة والأكاسرة، لا يعتبر وصول مجموعة من الرُّحل إلى مصر حدثًا تاريخيًا، وأجدر به أن ينسى لو كان زعيمهم هو نبي الله إبراهيم يدعو إلى عبادة الله الواحد القهار بدلًا من عبادة من يدفع لهؤلاء الكتبة، ويقول المثل الإنجليزي من يدفع للزمار يفرض عليه اللحن.

هل وسام هو نفسه وسام؟

أبناء جيلي، من تلقوا العلم في المدارس العامة، بدأوا دراسة اللغة الإنجليزية في المرحلة الإعدادية. وفي الصف الأول الإعدادي، قام معلم اللغة الإنجليزية في فصلي بكتابة اسم كل طالب في الفصل، وهكذا أصبحت أكتب اسمي باللغة الإنجليزية Wisam، فيما بعد زاملت مجموعة من الأيرلنديين الذين كانوا ينطقون اسمي (وايزام)، وبعدها زاملت ألمانًا ينطقون حرف الواو فاء، فكانوا ينطقون اسمي (فايسام)، أما زملائي من أبناء شبه القارة الهندية فيصرون على نطق اسمي كاملًا وسام الدين.

تخيل أن أحدهم كتب سيرة حياتي، وذكر فيها أن العبد لله قد زار مثلًا أيرلندا وألمانيا والهند. ثم مضت ألف سنة، وانهارت الحضارة وعُدنا إلى ما كانت عليه الحضارة زمان الإسكندر مثلًا، ثم راحت الحضارة تسترجع عافيتها، ويجد عالم آثار سيرة حياة العبد لله ويخرج على الناس، ويقول إنه اكتشف أن هناك شخصًا عاش منذ قرون طويلة كان قادرًا على السفر إلى هذه البلاد، ليخرج أحد المتنطعين، طاعنًا في تاريخية زيارتي لهذه البلدان بحجة أن اسمي لم يرد في سجلات هذه البلدان، ضاربًا صفحًا عن أن هناك أسماء مثل وايزام وفايسام ووسام الدين قد ذكرته وثائق مختلفة في هذه البلدان. 

إن خليل الله إبراهيم عليه السلام، قد ذكر في الأسفار الخمسة المنسوبة لسيدنا موسى عليه السلام من العهد القديم، والتي نشير لها بالتوراة، بأسماء مختلفة متقاربة، مثل ابرام وإبراهام وإبراهيم، وهذا لو دل فإنما يدل على أن قصة إبراهيم الخليل قد تم تداولها في أكثر من مكان، وفي كل مكان كان اسمه ينطق بطريقة تناسب أهل هذا المكان. وهذا ليس قاصرًا على الأسماء المذكورة في الكتابات الدينية لليهود والنصارى، فحتى المصادر التاريخية المختلفة تظهر استخدام أسماء تتقارب أو تتباعد مع اسم العلم، فمثلًا في رسائل تل العمارنة، وهي مجموعة من الرسائل المتبادلة بين ملوك مصر وحلفائهم أو أتباعهم في سوريا، نجد من يشار إليه في الرسائل الواردة من سوريا باسم منخبوريا، والذي هو تحريف للنطق المصري من خبر رع، أحد الأسماء التي استخدمها أمنحتب الرابع المعروف بأخناتون.

الأسماء في الكتابات التاريخية التي قد تدل على علم واحد مختلفة ومتباينة، وربما استخدم اسمًا أبعد ما يكون -بمقاييس اليوم- عن اسم العلم الشائع. 

تاريخية الرسول صلى الله عليه وسلم

ولأن البعض بيننا مغرم بجُحر الضب، ربما بسبب ولع المغلوب بتقليد الغالب كما ذهب ابن خلدون، وربما التماسًا للشهرة، وربما خدمة مدفوعة الأجر، فإن هناك مِن بيننا من أطلق زعمًا عجيبًا، وهو أن الرسول محمد، صلوات الله عليه وسلامه، لم يوجد تاريخيًا، يجاري من زعم في الغرب بأن المسيح عليه السلام لم يوجد قط أو أن موسى عليه السلام شخصية أسطورية. وكان حريًّا بي أن أتجاهل مناقشة هذا الزعم لوهنه، ولكني أردت مناقشته لا لشيء إلا لأبين للقارئ الكريم أن أصحاب هذا الزعم، وإن سبق أسماءهم مئة لقب ولقب، يظلون أجهل من دابة، بل إن الدابة لو علمت أنها تقدم على مهلكة أحجمت عن التقدم، وهؤلاء جهلهم مركب، يخوضون فيما يفضح جهلهم وحماقتهم ويراهنون على خداع الناس، فأولى بي أن أفضحهم.

أما وجود الرسول صلى الله عليه وسلم تاريخًا فثابت في المصادر الإسلامية وأولها القرآن الكريم، ثم في السنة والسيرة، علمًا بأن أقدم سيرة مدونة للرسول هي تلك التي ألّفها محمد بن إسحاق في نهاية القرن الأول الهجري، والتي تعرف اليوم بسيرة ابن إسحاق. وكان محمد بن إسحاق قد أدرك معمري الصحابة مثل: أنس بن مالك، ومحمود بن الربيع الخزرجي الأنصاري، والتقى ببعض كبار التابعين، ومنهم أبان بن عثمان بن عفان، والقاسم بن محمد بن أبي بكر.

ولكن، لندع المصادر الإسلامية جانبًا، لأن من ينكر وجود الرسول صلى الله عليه وسلم تاريخيًا أجدر به أن ينكر المصادر الإسلامية. ولكن ما العمل مع المصادر المنسوبة لغير المسلمين؟ هل يمكن تجاهل المصادر السريانية والبيزنطية والأرمنية التي صرحت بالرسول صلى الله عليه وسلم؟ 

أول هذه المصادر هو تلك الوثيقة المسماة (شذرة الفتوحات العربية)، وهي عبارة عن مخطوطة بالسريانية لإنجيل مرقص، وقد أضاف كاتبها بعد نص الإنجيل نصًا يشير إلى أن محرره شهد المعارك الدائرة بين الرومان والعرب (من أتباع محمد) ومعركة اليرموك بالذات، فخلص بعض العلماء أن هذا النص كُتبَ في حدود سنة 15ه/636م أي بعد أقل من خمسة أعوام من وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وقد رجحت اختبارات الكربون-14 هذه الفرضية. هذه المخطوطة محفوظة اليوم في المتحف البريطاني6

أما المصدر الأهم، فهو تاريخ هرقل -نسبة إلى هرقل قيصر الروم البيزنطيين- الذي أُلِّفَ في نهاية القرن السابع الميلادي والنصف الثاني من القرن الأول الهجري، وهو تاريخ عام للنصرانية في القرن السادس والسابع الميلادي، ومؤلفه هو أسقف أرميني يسمى سيبيوس، وقد ورد اسمه في توقيعات محاضر عدد من المجامع الدينية الكبيرة في أرمينيا وفي القسطنطينية مما يدل على رفعة مركزه، وفي تاريخه هذا أرخ سيبيوس للفتوحات العربية، ويعرض خلاصة بحثه حول أصل المسلمين (ويسميهم في كتابه أبناء اسماعيل) والذي اعتمد فيه على لقاءات وحوارات مع رجال دين ورهبان مسيحيين في الشام والعراق، فيذكر أن هؤلاء أخبروه أبناء إسماعيل يتبعون رجل يُسمّى محمدًا، وأنه قد بدأ حياته تاجرًا، ولكن سيبيوس لا يعتبر الرسول صلى الله عليه وسلم رسولًا أو نبيًا، بل يصفه بأنه أول ملوك العرب. وتوجد خمسة نسخ من هذا الكتاب تعود إلى القرن الأول الهجري محفوظة في مكتبات عالمية منها مكتبة معهد الاستشراق الروسي في موسكو7.

إلى جانب هذه المصادر، هناك مصادر أخرى مثل تاريخ توما القس أو حوليات عام 724م، وهي محفوظة في المتحف البريطاني، ومجموعة رسائل عمال هرقل له وهي محفوظة في متحف الفاتيكان، وغيرها من الوثائق. ولا أدري كيف يمكن أن يزعم عاقل بعد ذلك أن الرسول، صلى الله عليه وسلم، لم يوجد تاريخيًا، ولا أفهم هذا الزعم إلا في إطار جهل صاحبه جهلًا مركبًا فهو مسكين جاهل، ويجهل أنه جاهل.

ختامًا

للفترة الأطول من تاريخ الحضارة، ظل مفهوم التاريخ هو ما نسميه اليوم التاريخ السياسي، أي ذلك التاريخ الذي يهتم بالأعمال السياسية والعسكرية في المقام الأول، بل أزعم أن دراسات مثل التاريخ الاقتصادي والتاريخ الاجتماعي لم تعرف وتؤصل إلا في القرن العشرين، وهكذا كانت المصادر التاريخية في أغلب الأحوال تدور حول الأعمال السياسية والحربية، وقلما تناولت غير ذلك، فإن تناولته نظرت له باعتباره من عناصر خلفية مسرح الحدث السياسي أو الحربي الأساسي التي تبرز هذا الحدث. ولذلك فليس من المتوقع، أن تجد من ضمن مصادر تاريخية كتبت في المقام الأول لتمجيد شخص الحاكم ما يشير إلى شخص غيره، فإذا كان هذا الحاكم قد دخل في صدام خاسر مع هذا الشخص، كصدام فرعون وموسى مثلًا، فأولى بمحرري المصدر التاريخي إكرامًا (لأكل العيش) أن يتجاهلوا هذه الواقعة. 

إن دلالة الكتب المقدسة القديمة على وجود تاريخي للأنبياء إجمالًا، هي نفسها دلالة كتب الفلسفة القديمة مقطوعة السند والمشكوك في صحتها على وجود أصحابها من الفلاسفة، فالدلالة الإجمالية للنص المتداول والمقبول بين الناس في فترة معاصرة أو لاحقة على الحدث التاريخي، دليل على وقوع هذا الحدث. ومع ذلك فهناك أدلة تاريخية مختلفة تؤكد وجود عدد من الأنبياء، تتفق مع مجمل ما جاء بشأنهم في الكتابات المقدسة القديمة لليهود والنصارى، ولكن المشككون يتجاهلون مناقشة هذه الأدلة لحاجة في نفوسهم.

البعض اليوم يحاول استيراد مسألة مناقشة الوجود التاريخي للأنبياء من الغرب، رغبة في ادّعاء الثقافة وحبًا في الظهور الإعلامي أو لأجندة يعمل عليها، ودون حتى أن يحاول أن يبدو منهجيًا وعلميًا، وهو ما يجعل أصحاب هذه الدعوة من أبناء جلدتنا أصحاب هوى لا فائدة من مناقشتهم، ولكني دونت هذا الكلام كي أبرأ ذمتي، عسى أن يفيد باحث عن الحق. 

أخيرًا…

{آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ ۚ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} [البقرة: 285].

والله من وراء القصد.

المصادر

  1. Burns, William E. (2015) The Enlightenment: History, Documents, and Key Questions. Santa Barbra: ABC-CILO.
    ↩︎
  2. Brabazon, J. (1975) Albert Schweitzer: A Biography. New York: G. P. Putnam’s Sons. ↩︎
  3. Renan, Ernest (2018) The Life of Jesus. London: Forgotten Books.
    ↩︎
  4. Freud, Sigmund (1955) Moses and Monotheism. New York: Vintage.
    ↩︎
  5. Schmidt, T. C. (2025) Josephus and Jesus: New Evidence for the One Called Christ. London: Oxford University Press. 
    ↩︎
  6. Crone, P. & Cook, M. (1980) Hagarism: The Making of the Islamic World. London: Cambridge University Press.
    ↩︎
  7. Sebeos (1999) The Armenian History Attributed to Sebeos. Translators: Thomson, R. & Howard-Johnston, J. Liverpool: Liverpool University Press.
    ↩︎

د. وسام عبده

أكاديمي وكاتب ومترجم من مصر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى