“ليس من الصواب القول بأن التيارات القومية التركية والعربية والأرمنية والكردية، كانت وراء تضعضع الدولة العثمانية وانهيارها بعد سنة 1914، صحيح أن بعض الأرمن كانوا يدعون إلى إنشاء وطن قومي للشعب الأرمني، لكن أغلبيتهم الساحقة استمرت في رغبتها في البقاء داخل الحظيرة العثمانية، ثم إن قلة قليلة من الأكراد كانت تدعو إلى الاستقلال الذاتي، ونستطيع القول أيضاً إن غالبية العرب كانت تود البقاء ضمن الكيان العثماني بالرغم من تعالي أصوات بعض القادة والمفكرين العرب بضرورة إلغاء المركزية ومنح الأقاليم شيئًا من الاستقلال الذاتي، على حين قام آخرون بالدعوة لإحياء الهوية الثقافية العربية.

Embed from Getty Images

خلاصة القول إن معظم الرعايا العثمانيين في سنة 1914 لم يكونوا يطمحون إلى الانفصال عن الإمبراطورية بل ظلوا محافظين على هويتهم في إطار المجتمع العثماني “[1]،  “ويبدو أن هناك شبه إجماع على أن معظم العرب لم يكونوا راضين عن النهاية التي آلت إليها الدولة العثمانية ولم يشاركوا طوعاً في القضاء عليها “[2].

المواقف العربية ودلالاتها

  • شرق الأردن

يقول المؤرخ يوجين روجان في كتابه  “العرب من الفتوحات العثمانية إلى الحاضر”

“إن فيصل بن الحسين اتخذ من العقبة مركزًا للقيادة ، وانطلقت قواته لشن الغارات على المراكز العثمانية في معان والطفيلة وسكة الحجاز، ولكن جنود الجيش العربي لم يتمكنوا قط من التغلب على دفاعات العثمانيين والاستيلاء على معان حيث كانت المقاومة مستميتة “

 

إضافة إلى هذا فقد واجهوا مقاومة من القبائل العربية وأهل المدن المتحالفين مع العثمانيين، وفي مدينة الكرك القريبة كونت القبائل وأهل المدينة ميليشيا من خمسمائة رجل في 17 يوليو / تموز 1917، وساروا بحماس إلى حيث ينتظرهم قتال فيصل وجماعته.

الملك فيصل الأول بن الحسين

الملك فيصل الأول بن الحسين

خاض متطوعو الكرك حربًا استمرت ثلاث ساعات ضد القوات التي قادها الهاشميون، وأعلنوا النصر بعد قتل تسعة رجال من الجيش العربي وغنم اثنين من الخيل، كشفت هذه المعركة الصغيرة إلى أي مدى قسمت الثورة العربية ولاء أهل البلاد ما بين مؤيد للعثمانيين ومؤيد للهاشميين، وفي أغسطس / آب 1917 اتفقت المخابرات البريطانية والفرنسية على أن قبائل شرق الأردن هي في معسكر العثمانيين قطعاً، وعلى هذا فشلت دعوة الجهاد المضادة التي تبناها الشريف حسين في كسب تأييد العرب جميعاً “[3].

  • جنوب العراق

في شهر كانون الأول 1915 حاصر الجيش العثماني الجيش البريطاني في مدينة الكوت في العراق، وذلك ضمن أحداث الحرب الكبرى الأولى، واستمر الحصار حتى استسلام الإنجليز في نهاية نيسان 1916، وعن ذلك يقول الدكتور عبد الله فهد النفيسي

“إن حصار الكوت أرغم الحكومة البريطانية على إيجاد أي وسيلة ممكنة من شأنها أن تخفف الضغط على الجيش المحاصَر ورفع معنوياته”

وأوضح أنه من الأمور التي جرى تداولها: “الانتفاع بالثورة العربية التي كان يتزعمها الشريف حسين، ولكن تقادير ضباط الاستخبارات العسكرية كانت أفادت أن الثورة التي نشبت في الحجاز لم يكن لها أي وقع في نفوس القبائل العراقية التي كانت في معظمها من الشيعة… حتى إن القبائل السنية الصحراوية التي كانت على اتصال بالزبير والخميسية تلقت خبر نشوب الثورة …بفتور وعدم مبالاة، وفي مدينة البصرة ذاتها انقسم الرأي العام فكانت الأقلية تقف إلى جانب الثورة العربية، بينما اعتبرت الأكثرية ثورة الحسين ضد العهد، وهو عمل غير جائز” [4].

ولم يكتف العراقيون بعدم المشاركة في الثورة ضد الدولة العثمانية بل شاركوا في القتال إلى جانب العثمانيين ضد بريطانيا، على عكس الثوار العرب. وعن حصار الكوت نفسه يقول الدكتور:

“كان سكان الكوت، وغالبيتهم من الشيعة، يتعاونون سراً مع الأتراك لإبلاغهم مركز القيادة في المدينة التي كان الأتراك يحاولون قصفه كل يوم”

في السابع من شهر كانون الثاني

أرسلت قوة بريطانية قوامها 9 آلاف جندي في قيادة الجنرال أيلمر الذي حاول يائساً أن يفك الحصار عن المدينة، ولكنه عجز عن إنجاز مهمته بعد أن فقد 7 آلاف إصابة بين قتيل وجريح، ولقد لعبت القبائل الشيعية دوراً بارزاً في محاربة المدد البريطاني… وحاول البريطانيون مراراً أخرى رفع الحصار عن إخوانهم في الكوت ولكن من دون جدوى، وكان السبب الرئيسي في فشل المحاولات هذه مقاومة القبائل الشيعية…. وتجدر الإشارة هنا إلى أن العرب الشيعة من أهل الكوت الذين لعبوا دوراً بارزاً في الحصار كجواسيس للأتراك كان في استطاعتهم دخول المدينة والخروج منها ليلاً… وكان سكان الكوت يلجئون إلى كل وسيلة في وسعهم للتعبير عن عدائهم للإنجليز…

في التاسع والعشرين من شهر نيسان

استسلم  13.309 من الجنود والضباط البريطانيين إلى الأتراك الذين أصدروا أوامرهم بأن يسيروا إلى الأسر مشياً على الأقدام مسافة تبلغ ألفاً ومئتي ميل عبر صحار وجبال، وقد مات سبعون في المئة من الإنكليز وأربعون في المئة من الكتائب الهندية، وينبغي القول إن عرض فدية للأتراك في مقابل فك الحصار الذي تقدم به الإنكليز أفقد الإنكليز هيبتهم الدولية وسمعتهم لأن خصومهم من الدول استغلوا الحادث في العالم إلى أقصى ما تكون عليه الدعاية في التفاخر والتباهي، هذا على الرغم من أن الحكومة أخفت الخبر كلياً عن الصحافة الإنكليزية، وجعلت منه الصحف موضوعًا للصور الكاريكاتورية وللمقالات الافتتاحية”

وبعدما تباطأ القائد التركي في ملاحقة فلول الإنجليز ردوا على هزيمتهم بالاستعداد لاحتلال بغداد لترك انطباع مضاد عما خلفته هزيمتهم في الدردنيل (غاليبولي) والكوت، ولمحو عار الفدية التي عرضوها وبلغت مليوني ليرة إسترلينيه، ومن شأن احتلال بغداد  “إحباط أي محاولة يقوم بها الأتراك والعرب في سبيل ائتلاف إسلامي تحت راية الجهاد، وكان النفوذ التركي في إيران من الأمور التي كانت تقلق خواطر أعضاء اللجنة في وزارة الحرب البريطانية “[5].

Embed from Getty Images

يقول المؤرخ دونالد كواترت:

“ولم يهمل السلاطين العناية بشئون رعاياهم من المسلمين الشيعة، وبذلوا ما أمكنهم للحفاظ على الأماكن الشيعية ورعايتها في كل من النجف وكربلاء، وبقوا على هذا النهج إلى ما بعد القرن السادس عشر “[6].

النتيجة:

شتان ما بين مسلمي الجامعة الإسلامية زمن الخلافة ومسلمي الطائفية زمن الاحتلال الأمريكي.

 

 

المصادر

[1] دونالد كواترت، الدولة العثمانية 1700-1922، مكتبة العبيكان، الرياض، 2004، ترجمة: أيمن أرمنازي، ص 333-334.

[2] نفس المرجع، ص 341.

[3] يوجين روجان، العرب من الفتوحات العثمانية إلى الحاضر، كلمات عربية للترجمة والنشر، القاهرة، 2011، ترجمة: محمد إبراهيم الجندي، ص 196.

[4] الدكتور عبد الله فهد النفيسي، دور الشيعة في تطور العراق السياسي الحديث، ذات السلاسل، الكويت، 1990، ص 104-105.

[5] -نفس المرجع، ص 99-107.

[6] -دونالد كواترت، ص 184.

 

 

903

الكاتب

محمد شعبان صوان

باحث وكاتب من فلسطين.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.