كيف نظر المسلمون إلى الخلافة والحكم منذ وفاة الرسول؟

منذ وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم لم يجرؤ أحدٌ من الخلفاء بعده، وعلى مدى أكثر من ثلاثة عشر قرن من الزمن، على وضع قوانين من غير شريعة الإسلام. فرغم احتدام صراع دامي على منصب الخليفة، إلا أن الاختلاف لم يتجاوز قط الصراع على اعتلاء كرسي السلطة إلى اختلاف في وجوب الحكم بما أنزل الله في كل شؤون الحياة.

  • مرحلة ضعف الدولة العباسية

كما أنه لم يشك أحدٌ قط في وجوب بيعة خليفة كإمام واحد لجميع المسلمين في الأرض. فحتى لما ضعفت الدولة العباسية واستقلت عدة إمارات بحكم ذاتي، لم يجرؤ أحدٌ من الأمراء على ادعاء أنه الخليفة أو على المطالبة بإلغاء الخلافة، بل رغم الحكم الذاتي حافظوا على تبعية ولو رمزية للخليفة وكان يُدعى له على المنابر في غالب الإمارات، ولم يمنعوا المسلمين من التنقل بحرية بن الإمارات المختلفة والإقامة أينما شاءوا دون حاجة لتأشيرة.

  • الشيعة البويهيين

وحتى الشيعة البويهيين لما استولوا على العراق وعاصمة الخلافة العباسية بغداد من سنة 945م إلى 1055م لم يتجرأوا على إسقاط الخلافة السُّنية، بل أعلنوا أنفسهم حماة للخليفة العباسي. ونفس الموقف اتخذه السلاجقة لما قضوا على البويهيين في العراق ودخلوا بغداد سنة 447هـ/1055م، فلم يتجرأوا على المساس بالخليفة، بل جعلوا أنفسهم حماة له!

  • عبد الرحمن الداخل

بل وحتى عبد الرحمن الداخل، وهو الذي أفنى العباسيون أسرته الأموية الحاكمة وقضوا على ملكها، وكان عبد الرحمن عدوهم اللدود وحاولوا قتله، لم يجرؤ على إعلان الخلافة في الأندلس بعدما تمكن من الملك عليها، بل سماها إمارة فقط وحمل لقب الأمير وليس الخليفة.

  • بعدما قضى المغول على الدولة العباسية

ولما قضى المغول على الدولة العباسية في بغداد سنة 656م/1258م وقتلوا الخليفة العباسي المستعصم بالله ومُزِّقت بلاد الإسلام، ما لبث أن سارع المسلمون عند أول فرصة استعادوا فيها شيئا من قوتهم وجمْعِ شملهم ليبايعوا في القاهرة من البيت العباسي المستنصر بالله خليفة سنة 1262م.

  • فتح القسطنطينية

وهكذا حرص المسلمون على الحفاظ على الخلافة مهما ضَعُفت وتشرذمت بلدانها، إلى أن مَكَّن الله لآل عثمان أن يفتحوا القسطنطينية ويقضوا على الإمارات الإسلامية الضعيفة المتفرقة المتناحرة ويوحدوا من جديد بلاد الإسلام تحت سلطان واحد قوي ذا سلطة وسيادة حقيقية، سليم الأول، ليتنازل له آخر خليفة عباسي، المتوكل على الله الثالث، عن الخلافة سنة 1517م، ولتعود من جديد السلطة بيد الخليفة كما شَرَّعَ الله ورسوله، فتوالى منذ ذلك العهد السلاطين العثمانيون على منصب الخلافة حتى سقوطها رسميا سنة 1924م.

الشريعة واستعمال خليفة على المسلمين

فقد كان إجماع عند المسلمين، منذ عهد الصحابة وعلى مدى ثلاثة عشر قرن من الزمن، على أمرين مهمين لم يكونا أبداً محل جدال ونقاش أو مساومة:

  1. الشريعة الإسلامية وحدها التي تنظم حياة المسلمين وعلاقاتهم وعلاقة دولة الخلافة مع دول العالم!
  2. لا يجوز خلو الأمة الإسلامية من خليفة واحد يبايعونه، يجمع شمل المسلمين كافة تحت قيادة سياسية واحدة موحدة، ولذلك قال الفقهاء أن الخلافة هي رئاسة عامة للمسلمين جميعا في الدنيا لإقامة أحكام الشريعة الإسلامية!

وقد أدرك الكفار وعلى رأسهم الغرب أهمية هاتين النقطتين، فعَلِمُوا أن القضاء على الإسلام وإخضاع المسلمين وبلدانهم لهيمنة الغرب لا يتحقق إلا بقلع منظومة التشريع الإسلامي في بلاد المسلمين واستبدالها بمنظومة تشريعية غربية علمانية. فالقوانين هي التي تحدد سياسات الدول، وتحدد مدى قدرة تبلور قوة اقتصادية وعسكرية، وتضع معيارًا يُحدَّد على أساسه الدول “الصديقة” من العدوة.

والقوانين والتشريعات هي التي تبني هوية الشعوب وميولات الناس وتصيغ ولاءاتهم العقائدية والسياسية. فإن طُبِّقت أحكام الكفر على المسلمين، ابتعدوا عن الإسلام وجهلوا أحكامه وضعف إيمانهم وتميعت أفكارهم، ولم يصبح ولائهم لله وللأمة الإسلامية بل للغرب صاحب القوانين المفروضة عليهم.

وباستبدال قوانين الغرب بدلا من الشريعة الإسلامية، تندثر بداهة كل الأحكام المتعلقة بالخلافة وبوجوب وحدة المسلمين في دولة واحدة، وتسقط الخلافة ويستقر تشتيت الأمة الإسلامية إلى دويلات، وتظهر الروابط الوطنية والعرقية بدلا من رابطة الإسلام!

محاولة تأثير الغرب على منظومة التشريع لتشتيت الأمّة

وهذا هو ما حاول الغرب بكل الوسائل تحقيقية بقوة ابتداء من القرن التاسع عشر ميلادي حين ضعفت الدولة العثمانية. إلا أن محاولة تأثير الغرب في منظومة تشريع الدولة العثمانية لصالحه بدأت ولو بشكل محدود، ولأسباب غير مفهومة في قمة قوة الدولة العثمانية، مثلا عبر معاهدات “الامتيازات الأجنبية” التي أبرمتها الدولة العثمانية منذ عهد السلطان سليمان القانوني (منذ بدايات القرن السادس عشر ميلادي) مع عدة دول أوروبية، منها معاهدة الامتيازات الفرنسية سنة 1532م ومعاهدة الامتيازات البريطانية سنة 1580م.

وَمِمَّا تضَمَّنت هذه الامتيازات، حرية رعايا تلك الدول الغربية في التنقل والإقامة في أراضي الدولة العثمانية الواسعة وممارسة التجارة فيها وعبور أراضيها، وحصانة قضائية، فلا يحاكم رعاياها في المحاكم الشرعية للدولة العثمانية المقيمين فيها بل أمام قنصلية بلادهم، ووفقا لقانون بلادهم في معظم القضايا.

الامتيازات الأجنبية وإملاء الشروط

ومع تآكل قوة الدولة العثمانية بدأت الدول الغربية تتوسع في تأويل بنود معاهدات “الامتيازات الأجنبية” وتتخذ منها ذريعة لتفرض كل دولة غربية حقها في رعاية مصالح أهل الذمة (ليسوا مواطنين غربيين) في الدولة العثمانية من النصارى من أتباع مذهبها، فلا يحاكمون مثلا أمام محاكم شرعية بل حسب قوانين غربية ومن قِبَل قنصليات وقضاة الغرب، فيرعى مثلا الفرنسيون مصالح موارنة لبنان، وترعى بريطانيا مصالح النصارى “البروتستانت” وفي مرحلة لاحقة مصالح اليهود في فلسطين، وترعى روسيا مصالح النصارى الأرثوذكس (حسب معاهدة “كيتشوك كاينارجي” لسنة 1774م).

فتحولت معاهدات الامتيازات إلى أداة لتدخل الدول الغربية المباشر في السياسات الداخلية للدولة العثمانية وتقييد سلطانها، ولتمكين عملاء الغرب وأنصاره و”الأقليات” الغير مسلمة والبعثات التبشيرية من الحصانة القانونية.

ومارست دول الغرب مزيدا من الضغوطات على الدولة العثمانية، وأخذت من المفاوضات التي صاحبت أو تخللت حروبها مع الدولة العثمانية، بوابة لوضع شروط لا علاقة لها بالحرب والسلم والسلام، شروط تقضي بِـ “تطوير” منظومة الدولة العثمانية القانونية والجزائية الخ (تماما كما يفعل الغرب اليوم في مفاوضات آستانا وجنيف).

فلم تكتفي دول الغرب بأن يحاكم غير المسلمين في محاكم “مدنية” غربية، بل تطور الأمر ليتم تأسيس “محاكم مختلطة” تقضي في قضايا المسلمين وغير المسلمين حسب قوانين مستقاة من القوانين الغربية وعلى رأسها القوانين الفرنسية، ويتكون قضاتها من خليط من مسلمين وفرنسيين وألمان وبريطانيين.

أتاتورك الخلافة والدستور بين أتاتورك وأردوغان: نموذج أتاتورك 3

الحداثة الدستورية

ولم تكتفي دول الغرب بفرض قوانين غربية داخل الدولة العثمانية، بل أصَرُّوا أيضاً على وضع دستور ديمقراطي علماني. وكانت أحدُ الخطوات الأولى نحو “الحداثة” الدستورية، إشراف مدحت باشا، أحدُ عملاء الغرب وقد كان وزيرا للعدل ولاحقا صدر أعظم ومتأثرا بالثقافة والنظم السياسية الغربية، على وضع دستور من 119 مادة سنة 1876م (تحت اسم “القانون الأساسي للدولة العثمانية”).

فسعى هذا الدستور إلى تحويل نظام الخلافة “نسبيا” إلى ملكية دستورية يصبح فيها التشريع منوطا بهيئتي الأعيان والمبعوثان. هيئة الأعيان تعين من السلطان. وهيئة المبعوثان تُنتخب من قِبَل الشعب، وتحتاج القوانين التي يقرها المجلسين (الهيئتين) لمصادقة الخليفة لتصبح نافذة. ويُناط بالمجلسين وضع ميزانية الدولة السنوية، وتَضَمَّن الدستور الحرية الشخصية للأفراد، وجُعلت اللغة التركية هي اللغة الرسمية للدولة. واقتداءً بفكرة ومعايير الوطنية الغربية، نص الدستور على تسمية كل رعايا الدولة بِـ “العثمانيين” بغض النظر عن دياناتهم، وأُدرج في الدستور لأول مرة مصطلح “دين الدولة هو الإسلام”!

لكن تم تعليق العمل بهذا الدستور سنة 1888م على يد الخليفة عبد الحميد الثاني، وأعيد العمل به عقب الانقلاب الذي أطاح بعبد الحميد سنه 1908م.

جناية أتاتورك في حق الأمّة

وبعد انهزام الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى وبروز نجم: «مصطفى كمال أتاتورك» بفضل سياسة تلميعه من قِبَل الغرب، وإبرام معاهدة لوزان المذلة سنة 1923م التي أسفرت عن قيام دولة تركية وطنية لا علاقة لها بباقي البلدان الإسلامية التي اقتُلِعت بالقوة من الدولة العثمانية، بعد هذا كله أعلن مصطفى كمال إلغاء الخلافة سنة 1924م وأصدر في نفس السَّنة دستورا جديدا جعل من تركيا جمهورية برلمانية علمانية أنيطت فيها السلطات التشريعية والتنفيذية بيد الجمعية الوطنية الكبرى (البرلمان)، حيث تختار الجمعية الوطنية رئيس الدولة، ويعين أتاتورك رئيسًا الوزراء، ويختار رئيس الوزراء وزراء الحكومة. والمجلس الوطني هو الذي يضع القوانين. إلا أن السلطة الفعلية وشبه المطلقة كانت لمصطفى كمال، فقد كان مصطفى كمال أتاتورك قائداً عاماً للقوات المسلحة ورئيس حزب الشعب الجمهوري، الحزب الوحيد المرخص في جمهورية تركيا لغاية 1950م.

مصطفى كمال أتاتورك

دستور تقنين الكفر البواح

وفِي صدام مباشر مع طبيعة وميول ودين غالبية شعب تركيا المسلم، سارع مصطفى كمال أتاتورك لِسَنّ قوانين وإصدار قرارات تمحي الإسلام من الحياة العامة والسياسية في تركيا وتفصل المسلمين في تركيا عن عهدهم الحديث والوطيد بالخلافة والإسلام.

  • ففي سنة 1924م تم سَنّ قانون يجعل السبت والأحد عطلة نهاية الأسبوع، بدلا من الجمعة، تَبَعًا لنظام العمل في الدول الغربية (أيام العمل من الاثنين إلى الجمعة).
  • وسنة 1925م تم تبني التوقيت الأوروبي وتقويم التاريخ الميلادي. وتم فرض القبعة الأوروبية ومنع الطربوش العثماني، واعتماد اللباس الأوروبي.
  • وسنة 1926م تم الإلغاء الرسمي لما تبقى من أحكام الشريعة، فأُلْغِيَّ العمل بمجلة الأحكام العدلية” وتم تبني قانون العقوبات الإيطالي والقانون المدني السويسري. فتم حظر الحجاب وأُجبرت النساء بقوة القانون على السفور والتبرج، وحُدِّدت عقوبة للزوج أو الأقارب إذا ضُبطت إحدى نسائهم محجبة.
  • ومُنع تعدد الزوجات، ورُفعت عقوبات الردة فيجوز الخروج من ملة الإسلام، ويجوز للمسلمة الزواج من كافر.
  • وتم تسوية حق النساء والرجال في الميراث، وإيجاز زواج الأخ والأخت من الرضاعة، وإلحاق أبناء الزنا بالأب الذي زنا بأمهم، وغيره الكثير من قوانين الكفر البواح!
  • وسنة 1928م تم حذف العبارة الرمزية “الإسلام هو دين الدولة التركية” من المادة الثانية للدستور.
  • وفي سنة 1937م تم إدراج مبدأ “علمانية الدولة” في المادة الثانية لدستور الجمهورية التركية.

فالذي حصل في تركيا بقيادة مصطفى كمال أتاتورك ومساندة الغرب، هو انقلاب عسكري وسياسي وثقافي وعقائدي على الأمة الإسلامية قاطبة من الهند إلى شمال أفريقيا، وليس على أهل تركيا المسلمين فحسب. فالغالبية الساحقة في تركيا (وباقي العالم الإسلامي) كانوا مسلمين وليسوا علمانيين، وكان الإسلام متأصل في قلوبهم ووجدانهم منذ مئات السنين، والمسلمون من كل بقاع العالم الذين ناصروا أتاتورك قبل اعتلائه رئاسة تركيا، فعلوا ذلك ليس لرغبتهم في العلمانية، بل لأنهم ظنوا فيه مُعيدا لمجد الإسلام ومُحيِيًّا للخلافة، وهذا ما تشخصه مثلا بعض الأبيات من شعر احمد شوقي التي قال فيها:

اللَهُ أَكبَرُ كَم في الفَتحِ مِن عَجَبٍ *** يا خالِدَ التُركِ جَدِّد خالِدَ العَرَبِ
وَلا أَزيدُكَ بِالإِسلامِ مَعرِفَةً *** كُلُّ المُروءَةِ في الإِسلامِ وَالحَسَبِ

(المعني بـ “خالد الترك” هو مصطفى كمال).

انقلاب على الأمة الإسلامية

لكن مصطفى كمال أتاتورك كان عنده حقد عميق على الإسلام واحتقار للمسلمين، كان يقدس الغرب وحضارته، ودرجة تقديسه للغرب يمكن استقرائها في أحد مقولاته حين ألغى الحروف العربية من اللغة التركية، حيث قال: [إننا اعترفنا بوجوب اتخاذ جميع أسلحة الغرب المدنية، فيجب علينا أن نكون منصفين في اتباع الطريق المؤدية إلى خيرنا، وبخاصة فيما يتعلق بلغتنا، فقد أخذنا عن الشرق عاداته ولغته وأحرفه، فلم نستفد مما أخذنا إلا الرجوع إلى الوراء والتقهقر المتتابع في عاداتنا وأخلاقنا، لذا يجب علينا أن نطرح عنا جانبا الأحرف العربية ونستبدل بها أحرفا لاتينية، فنضمن إذ ذاك رقينا وتقدمنا، ونخلص لغتنا من السقوط، وننشرها في أركان العالم الأربعة ونتربع بوساطتها وسط الترقي والتمدن](ا.هـ).

فلما تَمَكَّن مصطفى كمال أتاتورك من السلطة انقلب على الأمة الإسلامية وألغى الخلافة ووضع قوانين الكفر بدلا من الأحكام الشرعية!

كيف يتحقق تغيير نظام الحكم؟

وهنا وجب الوقوف عند نقطة ودرس في غاية الأهمية، نتعلم منهما كيف يتحقق تغيير نظام الحكم. فمصطفى كمال أتاتورك غَيَّر نظام الحكم في تركيا ضد إرادة ورغبة الغالبية الساحقة من المسلمين في تركيا والعالم الإسلامي، وقد استنكر المسلمون فعل مصطفى كمال وتبرؤوا منه. فإلغاء الخلافة أحدث حزنا في العالم الإسلامي يشبه الحزن الذي أصاب المدينة بعد وفاة رسول الله، وكأن الرسول يموت ثانية بوفاة خلافته. ولعل رثاء احمد شوقي على سقوط الخلافة يخلد لنا الأجواء القاتمة التي عمت العالم الإسلامي يوم 3 مارس 1924م، حيث قال:

عادَت أَغاني العُرسِ رَجعَ نُواحِ *** وَنُعيتِ بَينَ مَعالِمِ الأَفراحِ

كُفِّنتِ في لَيلِ الزَفافِ بِثَوبِهِ *** وَدُفِنتِ عِندَ تَبَلُّجِ الإِصباحِ

شُيِّعتِ مِن هَلَعٍ بِعَبرَةِ ضاحِكٍ *** في كُلِّ ناحِيَةٍ وَسَكرَةِ صاحِ

ضَجَّت عَلَيكِ مَآذِنٌ وَمَنابِرٌ *** وَبَكَت عَلَيكَ مَمالِكٌ وَنَواحِ

الهِندُ والِهَةٌ وَمِصرُ حَزينَةٌ *** تَبكي عَلَيكِ بِمَدمَعٍ سَحّاحِ

وَالشامُ تَسأَلُ وَالعِراقُ وَفارِسٌ *** أَمَحا مِنَ الأَرضِ الخِلافَةَ ماحِ

وَأَتَت لَكِ الجُمَعُ الجَلائِلُ مَأتَمًا *** فَقَعَدنَ فيهِ مَقاعِدَ الأَنواحِ

يا لَلرِجالِ لَحُرَّةٍ مَوؤودَةٍ *** قُتِلَت بِغَيرِ جَريرَةٍ وَجُناحِ

إِنَّ الَّذينَ أَسَتْ جِراحَكِ حَربُهُمْ *** قَتَلَتكِ سَلمُهُمُ بِغَيرِ جِراحِ

هَتَكوا بِأَيديهِمْ مُلاءَةَ فَخرِهِمْ *** مَوشِيَّةً بِمَواهِبِ الفَتّاحِ

نَزَعوا عَنِ الأَعناقِ خَيرَ قِلادَةٍ *** وَنَضَوا عَنِ الأَعطافِ خَيرَ وِشاحِ

حَسَبٌ أَتى طولُ اللَيالي دونَهُ *** قَد طاحَ بَينَ عَشِيَّةٍ وَصَباحِ

وَعَلاقَةٌ فُصِمَت عُرى أَسبابِها *** كانَت أَبَرَّ عَلائِقِ الأَرواحِ

جَمَعَتْ عَلى البِرِّ الحُضورَ وَرُبَّما *** جَمَعَتْ عَلَيهِ سَرائِرَ النُزّاحِ

نَظَمَتْ صُفوفَ المُسلِمينَ وَخَطوَهُمْ *** في كُلِّ غَدوَةِ جُمعَةٍ وَرَواحِ

بَكَتِ الصَلاةُ وَتِلكَ فِتنَةُ عابِثٍ *** بِالشَرعِ عِربيدِ القَضاءِ وَقاحِ

أَفتى خُزَعبِلَةً وَقالَ ضَلالَةً *** وَأَتى بِكُفرٍ في البِلادِ بَواحِ

إِنَّ الَّذينَ جَرى عَلَيهِمْ فِقهُهُ *** خُلِقوا لِفِقهِ كَتيبَةٍ وَسِلاحِ

وبعد مرور ثلاثة وتسعين عاما على دستور مصطفى كمال، ورغم إدخال تعديلات عليه من فترة لأخرى، بل واستبداله بدستور 1961م بعد الانقلاب العسكري على رئيس الوزراء عدنان مندريس، ثم بدستور 1982م بعد الانقلاب العسكري الذي قاده اللواء كنعان إيفرين، وبعد التعديلات المدرجة لغاية 2011… هل خرج الدستور التركي عن روحه وركائزه التي أسسه عليها مصطفى كمال أتاتورك؟ وهل يسعى حقًا أردوغان للتخلص من نموذج أتاتورك؟

هذا ما سنتعرض له في الجزء الثاني من الموضوع بحديثنا عن نموذج أردوغان في الدستور والحكم… فكونوا بالقرب.

716

الكاتب

فاروق الدويس

مسلم مُتابع للأحداث في البلدان الإسلامية خاصة، يحاول المساهمة في معركة الأمة المصيرية بأبحاث ومقالات سياسية فقهية تحليلية،معركة لا يمكن للأمة الانتصار فيها بدون اكتساب وَعْي وفَهْمٍ، بدون كسبها يبقى المسلمون وقُودًا وحُطامًا وغثاءً يستعملهم النظام الدولي لتثبيت هيمنته على بلدانهم وفرض عقيدته على شعوبهم!

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
مشاركة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.